وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

بيان جماعة الإرهاب.. استراتيجية جديدة أم إعلان وفاة؟

لا شك أن جماعة الإخوان الإرهابية -شأنها شأن أي تنظيم- لها دورة حياة لا تستطيع أن تُعاند فيها الأقدار. ويعتقد المراقبون أن الجماعة قد استكملت أطوار حياتها، ولم تعد لديها القدرة على الحياة أو حتى تجديد نفسها، بفعل ما تحمله داخل بنيتها من عوامل التدمير الذاتي. ورغم ذلك، لا يزال البعض -خصوصًا من المخدوعين من أعضائها- يعتقد في إمكانية أن تتجاوز تلك السنن الكونية، وتعود عبر واجهات أو أشكال أو أساليب جديدة رغم تواتر المؤشرات والأدلة اليقينية على انتهائها كتنظيم، وقرب انتهائها كأفكار لم تعد قابلة للحياة أو التعويم، خصوصًا بعد أن عرفت لأول مرة في تاريخها هذا الحجم من…

أحمد بان

لا شك أن جماعة الإخوان الإرهابية -شأنها شأن أي تنظيم- لها دورة حياة لا تستطيع أن تُعاند فيها الأقدار. ويعتقد المراقبون أن الجماعة قد استكملت أطوار حياتها، ولم تعد لديها القدرة على الحياة أو حتى تجديد نفسها، بفعل ما تحمله داخل بنيتها من عوامل التدمير الذاتي. ورغم ذلك، لا يزال البعض -خصوصًا من المخدوعين من أعضائها- يعتقد في إمكانية أن تتجاوز تلك السنن الكونية، وتعود عبر واجهات أو أشكال أو أساليب جديدة رغم تواتر المؤشرات والأدلة اليقينية على انتهائها كتنظيم، وقرب انتهائها كأفكار لم تعد قابلة للحياة أو التعويم، خصوصًا بعد أن عرفت لأول مرة في تاريخها هذا الحجم من الانشقاقات الفكرية وليس فقط التنظيمية.

وقد أطلّت علينا الجماعة مؤخرًا ببيان منسوب لما يُسمى “المكتب العام للإخوان المسلمين”، وهو الاسم الكودي لجناح ما يُسمى بالعمل النوعي، الذي تزعّمه “محمد كمال”، عضو مكتب الإرشاد الذي قُتل في مواجهة مع الشرطة في أكتوبر 2016. هذا الجناح الذي كانت ولادته في فبراير 2014 انعكاسًا لتذمر بعض عناصر الجماعة من سياسة “النفس الطويل” في المواجهة مع الدولة المصرية، وتنويع الوسائل في تلك المواجهة عبر المزاوجة بين العمل السياسي في الشارع، والعمل المسلح عبر واجهات أخرى مثل “داعش” و”القاعدة”، والتي لم تُخفِ تعاطفها بل وتحالفها مع الجماعة. فقد بقي هذا الجناح يعتقد أنه لابد من تنشيط النظام الخاص للجماعة، وتحولها إذا دعت الحاجة إلى تنظيم عسكري صرف، يدخل في مواجهة عسكرية مع الدولة لانتزاع الحكم من جديد. ولم يحظَ هذا التوجه بثقة كل عناصر الجماعة، ولا توجد لدينا إحصاءات حول حجم المتعاطفين معه، لكنه اكتسب جاذبية لدى قطاعات واسعة من أعضاء الجماعة، خصوصًا من الشباب الذين اعتقدوا أن “السيف أصدق أنباء من الكتب”، وأنهم بعد ما يقرب من عام من خروجهم من الحكم “لم يعد مرسي العصر إلى القصر”، ولا توجد بادرة تشير إلى عودته سوى إلى السجن ومعه قيادات وبعض أعضاء الجماعة.

لقد ظل هذا الجناح ناشطًا في توليد كيانات مسلحة تحت عناوين مثل “لواء الثورة” و”العقاب الثوري” و”حسم”، وغيرها من العناوين التي لم تفلح في حماية عناصره باعتبار أن كل عناصره في النهاية هي عناصر إخوانية يحتفظ الأمن المصري بملفات عضويتهم في الجماعة.

بعد سلسلة من الفشل في المواجهة مع الدولة المصرية منذ فبراير 2014، وبعد جدال مع الجناح الآخر من الجماعة، ونعني هنا القيادات التاريخية أو قيادات السجون؛ انشقت الجماعة فعليًّا إلى فريقين: الأول، هو فريق “بديع” و”الشاطر” والقيادات التاريخية التي ارتاحت لمقاربة “المحنة والصبر”، وأن ما تواجهه الجماعة هو مجرد محنة تكررت تاريخيًّا، وستمضي وستعود الجماعة أقوى مما كانت تحتفظ بوجودها السياسي والدعوي معًا بعد أن التحف هذا الفريق بما يُسمى “أدب المحنة والمظلومية” التي اختارها آلية للحفاظ على التماسك التنظيمي الذي انهار لاحقًا إلى حدٍّ كبير.

أما الفريق الثاني، أو ما يُسمى “المكتب العام”، وبعد أن جرب مع الدولة المصرية عبر خمسة أعوام ما يُسمى “النزال الثوري” -الاسم الكودي للعنف والإرهاب- ولم تفلح تلك الوسائل سوى في نحر عناصره وانتفاء قدرته على الاستمرار في هذا النزال، وحرصًا على ألا يُعلن هزيمته في مواجهة الفريق الأول الذي توسل الكمون والصبر في مواجهة الدولة على مدار عقود؛ فقد “قرر” محاولة البقاء في قلب المشهد عبر هذا البيان الأخير الذي وصفه البعض باستراتيجية جديدة، تعني انسحاب الجماعة من العمل السياسي رغم أن مفردات البيان تؤكد الانسحاب من العمل الحزبي وليس السياسي، بمعنى عدم الانخراط في أي منافسة سياسية جديدة.

جاء البيان مع الذكرى السادسة لثورة 30 يونيو، التي تأتي هذا العام مع أجواء دورة الأمم الإفريقية التي تابع العالم مشاهد افتتاحها ومستوى التنظيم والإبهار الذي عكس وجهًا جديدًا لمصر افتقدناه منذ سنوات.

التوقيت إذن مهم؛ فالدولة ونظامها السياسي يقطعان أشواطًا بعيدة في عملية التنمية الشاملة داخليًّا، والحضور اللافت دوليًّا، بما أكد أن كل المحاولات اليائسة لقطع طريق النظام الجديد أو محاولة عزله دوليًّا أو الإساءة إلى تجربته قد فشلت. كما أن الرهان على كسر إرادة المصريين عبر عمليات أنصار بيت المقدس أو خلاياها في الداخل قد فشلت أيضًا، وأي مقارنة بين حجم ومستوى العمليات في الأعوام التي تلت خروج الإخوان من الحكم في 30/6/2013 و30/6/2019 تقول بوضوح: أين كنا وكيف صرنا؟

يدرك من أصدروا البيان أن الجماعة في مأزق وجودي، فقد سقطت دعاوى شرعية “مرسي” الآن بوفاته، ولم يعد هذا الشعار كافيًا لتعبئة أي أحد، أو إبقاء ما يسمى “الشعلة الثورية” ملتهبة حتى ولو عبر فضائية أو لافتة في حارة.

لقد حمل البيان عنوان: “بيان إلى الأمة حول الواقع الجديد للقضية المصرية”، وواصل البيان مخاصمة الواقع بالحديث عن “مرسي” باعتباره شهيدًا. يقول البيان: “الرئيس الشهيد محمد مرسي هو رمز التجربة الديمقراطية المصرية بوصفه أول رئيس ديمقراطي منتخب”، في إصرار واضح على الكذب وإهانة تاريخ الشعب المصري، الذي عرف “سعد زغلول” و”النحاس” كرؤساء وزراء منتخبين حتى قبل أن تُولد الجماعة أو يُولد “مرسي”. لقد ظل البيان متمسكًا بنظرة الإخوان إلى ثورة المصريين على الإخوان ومرشدهم ورئيسهم باعتبارها انقلابًا على الشرعية، حيث يقول: “إن ما حدث في مصر منذ ٣ يوليو ٢٠١٣ هو انقلاب عسكري نتج عنه حكم عسكري دموي، لا نعترف به، ولا نشتبك معه سياسيًّا”، مؤكدًا أنهم (الإخوان) لن يتعاطوا مع النظام الجديد سياسيًّا، ليس لقناعة بأن المصريين قد اختبروه وأنه انكشف سياسيًّا وأخلاقيًّا مثلًا، ولكن لأنهم يريدون تغيير النظام كله، وإعادة عقارب الساعة للوراء!

وألمح البيان إلى آليات اعتبرها جديدة أسماها “المنهجية الثورية أو أدوات المقاومة المدنية المشروعة”، و”استعادة الإرادة الشعبية من جديد”. يقول البيان: “إنَّ أطر التغيير في الدول وفقًا للتجارب عبر التاريخ لها ثلاثة أشكال، إما النضال الدستوري، وإما النضال الثوري، وإما النضال العسكري، وترى جماعة الإخوان المسلمين أن الحكم العسكري في مصر وتكوين المجتمع المصري ونخبته السياسية والاتجاه الشعبي العام لا يتناسبُ معه إلا الخيار الثوري الشامل والتغيير الكلي لمنظومة الحكم في مصر، ومواجهة آلتها العسكرية بالمنهجية الثورية”، كما لو أنّ تلك الإرادة ليست هي التي تجسدت في 30 يونيو قبل ستة أعوام ولفظت الجماعة!! تمامًا على طريقة “سلميتنا أقوى من الرصاص”، والتي فُسّرت فيما بعد -من جانب بعض عناصر الجماعة- بأنها تعني تفجير محطات وأعمدة الكهرباء أو قتل عناصر الشرطة والجيش، حيث تحدث البيان عما أسماه الخيار الاستراتيجي للإخوان الذي يمر عبر التركيز على هدفين: الأول، تحرير من أسماهم بالمعتقلين. والثاني، إنهاء الخلاف مع المعسكر الثوري، دون أن يقول لنا كيف سيصل إلى هذين الهدفين؟ فهل يعني تحرير المعتقلين أو السجناء مهاجمة السجون من جديد؟ وهل سيفعل التنظيم ذلك بنفسه أم سيعهد إلى جهة أخرى بالتنفيذ؟

ثم ماذا يعني إنهاء الخلاف مع من أسماهم البيان “المعسكر الثوري”؟ وما هو “المعسكر الثوري” المفترض؟ هل هي تلك الواجهات التي تحالفت مع الجماعة رافعة “لواء الثورة”، على أمل الحصول على شيء من “كعكة” ما بعد يناير، بعد أن يئست الجماعة من تأمين ظهير شعبي حقيقي؟ أم ماذا؟

الجماعة تفيق كالعادة متأخرًا، وهي التي عانت تاريخيًّا من فروق التوقيت، هي الآن تدرك أنها ما كان ينبغي لها أن تُمارس العمل السياسي الحزبي، فلا تؤسس أحزابًا أو تنافس على مقاعد رئاسية أو غيرها، بعد أن أثبتت التجربة أنها فاشلة في هذا المضمار، لذا فهي تُعلن أو بالأحرى يعلن جناح منها، أنها تعرف الآن ضرورة ألا تمارس السياسة من خلال حزب، بل عليها أن تعتبر أن تلك المنافسة هي أضيق أشكال العمل السياسي، وأن هناك فارقًا بين العمل السياسي العام وبين المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة. يقول البيان: “ونؤمن بأن مساحة العمل السياسي العام على القضايا الوطنية والحقوق العامة للشعب المصري والقيم الوطنية العامة وقضايا الأمة الكلية هي مساحة أرحب من العمل الحزبي الضيق، والمنافسة على السلطة”، وهي تريد مقابل هذا الاعتراف النادر، أن تنظم صفوف ما أسمته بالمعارضة مقابل رفد تلك الأحزاب بالأعضاء الذين لا تزال تسيطر على إراداتهم، وستدفعهم للانضمام إلى تلك الأحزاب إذا تبنت تلك الأحزاب أيديولوجيتها وأهدافها. يقول البيان: “وسنعمل في مرحلة بعد إنهاء الانقلاب العسكري كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية، داعمين للأمة، ونمارس الحياة السياسية في إطارها العام، وندعم كل الفصائل الوطنية التي تتقاطع مع رؤيتنا، ونسمح لأعضاء الإخوان بالانخراط في العمل السياسي، من خلال الانتشار مع الأحزاب والحركات التي تتقاطع معنا في رؤيتنا”.

هذه المجموعة لا تريد الاعتراف بأن الجماعة قد انتهت، فما هي إلا كائن سياسي يتمسح بالدين، فشل في وظائفه الدعوية أو السياسية. كما لا تعترف بأنها غير قادرة على إجراء مراجعة حقيقية للأفكار والسلوك والمسار.

في النهاية، لا يُفترض أن يكون لهذا الكلام أي تأثير على قواعد الجماعة، سوى تعزيز الشعور بنهاية الجماعة التي لم يتبقَّ منها سوى منابر الفتنة في إسطنبول والدوحة التي تمارس بيع الوهم لمشاهديها، وقيادات السجون التي تتمسك بما أسميناه “أدب المحنة” في مواجهة مجموعة المكتب العام، التي لن تتوقف عن إصدار البيانات التي تبقى أداتها الأثيرة لتحصيل ولاء قواعد لم تعد تحفل لا بقيادات السجون ولا بقيادات ما يُسمى “المكتب العام”، حيث يبقى الواقع في النهاية أقوى وأنصع من أي بيانات.

أحمد بان