وحدة دراسات الإعلام

المشهد الليبي في وسائل الإعلام الدولية.. معالجة اختزالية منقوصة

تباينت الصحف والقنوات التلفزيونية ووكالات الأنباء العالمية في توصيف المشهد الليبي وتطوراته منذ إعلان المشير “خليفة حفتر” عن عملية “تحرير طرابلس”، بين “المناورات الحاسمة”، و”الاشتباكات”، و”القتال”، و”الأزمة”.. إلخ. ولا يقتصر الأمر بطبيعة الحال على توصيف المشهد فحسب؛ فقد تعددت التوصيفات التي أُطلقت على المشير “حفتر” أيضًا لتشمل: “أمير الحرب”، و”الجنرال المنشق”، و”قائد شرق ليبيا”، و”القائد العسكري المنافس”، وغيرها. وامتد الأمر كذلك إلى التداعيات المحتملة بين من يسلط الضوء على النفط الليبي، ومن يشكك في التداعيات المرتقبة على حقوق الإنسان، ومن يتساءل عن دول الجوار. وفي ضوء ذلك، تتزايد أهمية رصد وتحليل ما قدمته أبرز وسائل الإعلام العالمية على صعيد رؤيتها…

د رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

تباينت الصحف والقنوات التلفزيونية ووكالات الأنباء العالمية في توصيف المشهد الليبي وتطوراته منذ إعلان المشير “خليفة حفتر” عن عملية “تحرير طرابلس”، بين “المناورات الحاسمة”، و”الاشتباكات”، و”القتال”، و”الأزمة”.. إلخ. ولا يقتصر الأمر بطبيعة الحال على توصيف المشهد فحسب؛ فقد تعددت التوصيفات التي أُطلقت على المشير “حفتر” أيضًا لتشمل: “أمير الحرب”، و”الجنرال المنشق”، و”قائد شرق ليبيا”، و”القائد العسكري المنافس”، وغيرها. وامتد الأمر كذلك إلى التداعيات المحتملة بين من يسلط الضوء على النفط الليبي، ومن يشكك في التداعيات المرتقبة على حقوق الإنسان، ومن يتساءل عن دول الجوار.

وفي ضوء ذلك، تتزايد أهمية رصد وتحليل ما قدمته أبرز وسائل الإعلام العالمية على صعيد رؤيتها وتوصيفها للوضع الليبي، ورصدها لتطورات الأوضاع، مع التركيز على أبرز وسائل الإعلام الأمريكية، والأوروبية، والروسية، على نحوٍ يبين بدوره الاختلاف والتباين في مواقف بعض الدول الكبرى، خاصةً في ظل اعتراف الأمم المتحدة والدول الأوروبية والولايات المتحدة بحكومة “فايز السراج”.

أولًا: الإعلام الأمريكي

وصفت قناة CNN الإخبارية المشهد الليبي “بالمناورات الحاسمة” التي يقوم بها “جنرال منشق”، على نحوٍ ينذر بتزايد الفوضى في ليبيا، والتي بدأت في أعقاب الحرب الأهلية الليبية منذ عام 2011. ووفقًا لها، قاد المشير “خليفة حفتر” الحركة الحالية للقوات من شرق البلاد باتجاه العاصمة طرابلس المكتظة بالسكان، ما يلقي الضوء على النتائج الدموية المحتملة، بالنظر إلى طبيعة الصراع على السلطة في ليبيا.

ونقلت القناة تصريحات “أحمد المسماري”، المتحدث باسم حفتر، التي أشار فيها إلى مواصلة التقدم نحو طرابلس، من عدة جهات، بعد أن تم تشكيل قواتٍ كبيرة من المشاة الخفيفة والميكانيكية. وأرجعت القناة تزايد قوة “حفتر” إلى كل من الدعم المصري والتعاطف الروسي. فوفقًا للقناة أظهر مسئولو الاستخبارات الأوكرانية مسارات الطائرات الروسية التي أنزلت المرتزقة الروس في كلٍّ من: بنغازي وطبرق. وتساءلت القناة عن أسباب الخطوة العسكرية الأخيرة التي لا يمكن الجزم بدوافعها.

وقال “حفتر” الذي يرأس الجيش الوطني الليبي: “سنواصل مسيرة النضال والاستجابة لنداء شعبنا في العاصمة كما وعدناهم”. وأضاف أنه يجب ضمان “سلامة ضيوفنا الأجانب ومؤسساتنا”. بينما دعا الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” في بيانٍ له إلى ضبط النفس، حيث تجري محادثات حاليًّا للتوصل إلى اتفاق سلام دولي. وقال اللواء “أحمد المسماري” المتحدث باسم قوات “حفتر” في بيانٍ متلفز، إن “الجيش الوطني الليبي يسيطر بالفعل على غريان، البلدة التي تبعد حوالي 100 كيلومتر جنوب العاصمة”. وفي وقتٍ سابق من هذا الأسبوع، أصدرت حكومة الوفاق الوطني بيانًا تقول فيه إنها في حالة تأهب عام.

ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن “رويترز” موقف مجموعة السبع الكبرى، التي حثت “حفتر” على وقف التقدم في العاصمة الليبية، لأنه لا يمكن حل الصراع عسكريًّا. مشيرةً إلى انتقال قوات “حفتر” إلى الضواحي الجنوبية لطرابلس في اتجاهٍ خطير ضد الحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة، والتي تسببت في انزعاج العواصم الغربية. وقد حث وزراء الخارجية الفصائل الليبية المتنافسة على ضبط النفس، ووضع مصالح الشعب في المرتبة الأولى. وقالت الصحيفة إن منشآت النفط في البلاد يجب ألا تُستخدم من قبل أي جماعة لتحقيق مكاسب سياسية.

وقال وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” للصحفيين نحن متفقون على أنه يتعين علينا استخدام كل الاحتمالات المتاحة لنا لممارسة ضغوط على المسئولين في ليبيا، خاصة الجنرال حفتر حتى نتجنب أي تصعيدٍ عسكري آخر، وبخاصة في ظل تزايد القلق بشأن استقرار ليبيا بسبب التوترات السياسية المستمرة في جميع أنحاء أوروبا بشأن الهجرة من شمال إفريقيا، على الرغم من أن أعداد الوافدين الجدد إلى أوروبا عبر وسط البحر المتوسط ​​قد انخفضت.

وأشارت الصحيفة إلى موقف الأمم المتحدة من عقد مؤتمرٍ وطني ليبي في الوقت المحدد، رغم تصاعد القتال. وكذا إلى تحذير وزراء خارجية مجموعة السبع لحفتر بالامتناع عن التوجه نحو العاصمة طرابلس، لأنه يهدد الحكومة المعترف بها دوليًّا هناك. مشيرةً إلى تقدم الجيش الوطني الليبي يوم الجمعة الماضي (5 أبريل) إلى الضواحي الجنوبية للعاصمة، واستيلائه على المطار الدولي السابق.

وبتسليط الضوء على الأبعاد الاقتصادية، هوّلت صحيفة “وول ستريت جورنال” من تداعيات “الأزمة” على أسواق النفط، على اعتبار أن النزاع المتصاعد في ليبيا يهدد بزعزعة العرض العالمي من النفط، في وقتٍ ترتفع فيه الأسعار. وفي هذا الإطار، تتزايد احتمالات تجديد الولايات المتحدة لإعفاءات بعض مشتري النفط الإيراني، واصفةً “حفتر” بالجنرال “المارق” و”أمير الحرب الليبي” و”القائد العسكري الليبي المنشق” الذي يسعى للاستيلاء على العاصمة الليبية، ما قد يُعرّض إنتاج النفط في البلاد للخطر بعد توقفه لفترةٍ طويلة. ووفقًا للصحيفة، تتزايد مخاطر نشوب حربٍ أهليةٍ شاملة في ليبيا الغنية بالنفط على عتبة أوروبا، خاصةً بعد أن أعاقت الأزمة إنتاج ليبيا من النفط، وحولت البلاد إلى طريقٍ للهجرة إلى أوروبا.

ونقلت صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” عن “الأسوشيتد برس” المخاوف من اندلاع حربٍ أهلية أخرى. ووفقًا لها، اشتبكت الميليشيات في غرب ليبيا مع “قائدٍ عسكريٍ منافس” أعلن هجومه للاستيلاء على طرابلس، عاصمة الدولة الغنية بالنفط، وإن نجحت الميليشيات الموالية للحكومة في أسر 100 من جنوده، وشنت غارةً جوية على أحد مواقعه. وعليه -وفقًا للصحيفة- قد تُغرق المواجهة بين جيش حفتر والميليشيات ليبيا في موجةٍ أخرى من العنف، ربما هي الأسوأ منذ الحرب الأهلية التي أطاحت بمعمر القذافي.

وطبقًا للصحيفة أيضًا، استولت قوات حفتر يوم الخميس الماضي (4 أبريل) على بلدة غريان، على بعد 30 ميلًا إلى الجنوب من طرابلس دون قتال، ما جعلها أقرب إلى الميليشيات من أي وقتٍ مضى، ثم أمر حفتر قواته بالتظاهر في العاصمة، قائلًا في تسجيلٍ صوتي نُشر على الإنترنت: “نحن قادمون، طرابلس.. نحن قادمون”. كما حث قواته على دخول المدينة بشكلٍ سلمي، ورفع أسلحتهم فقط في وجه من يسعون للظلم ويفضلون المواجهة والقتال. ولكن، أعلنت مجموعة من الميليشيات المتحالفة مع قوات حماية طرابلس المشتركة المتمركزة في المنطقة المحيطة بطرابلس أنها ستنتشر أيضًا لصد هجوم حفتر.

وحذرت صحيفة “الواشنطن بوست” الأمريكية -نقًلا عن رويترز- من اندلاع حربٍ أهلية شاملة مع اقتراب القتال من العاصمة طرابلس. ففي ظل وجود عشرات الميليشيات في العاصمة المكتظة بالسكان، يمكن أن تتسبب الحرب في خسائرٍ فادحة في صفوف المدنيين، حيث اشتبكت قوات قائد شرق مع ميليشياتٍ موالية للحكومة بالقرب من العاصمة طرابلس، وفشلت محاولة الأمم المتحدة في وقف الهجوم. ووفقًا للصحيفة أيضًا، ستشكل معركة السيطرة على طرابلس أهم تصعيدٍ للعنف في ليبيا الغنية بالنفط والغاز منذ الإطاحة بمعمر القذافي.

ووصفت الصحيفة “خليفة حفتر” بالديكتاتور المحتمل، و”أمير الحرب المنشق” الذي ادعى استيلاءه على منطقة بالقرب من المطار الدولي القديم في طرابلس. كما أنه سيعمق الفوضى والخروج على القانون، بعد أن تحولت ليبيا إلى مركزٍ لتهريب المهاجرين إلى أوروبا، ما سمح للدولة الإسلامية بترسيخ موطئ قدمٍ في مدينة سرت الساحلية، ما قد يؤدي إلى انعدام الأمن، ويسمح للمتشددين بإعادة تجميع صفوفهم، ويطلق موجةٍ جديدة من الأشخاص الفارين إلى البلدان المجاورة أو البحر المتوسط.

ووفقًا للصحيفة أيضًا، استهدفت طائرات مقاتلة للحكومة الليبية المدعومة من الأمم المتحدة قواتٍ من “قائدٍ منشق” يوم السبت (6 أبريل) في محاولة لوقف تقدمه في العاصمة الليبية في مواجهةٍ هددت بالامتداد إلى قتال مدني دموي. وحذرت الصحيفة من احتمالات إلقاء القبض على المدنيين، وتزايد انتهاكات حقوق الإنسان إذا تصاعد القتال للسيطرة على طرابلس، بما في ذلك عمليات الإعدام دون محاكمة، والهجمات العشوائية على المدنيين، والاعتقالات التعسفية.

ثانيًا: الإعلام الأوروبي

تناقلت وكالة الأنباء البريطانية “رويترز” الموقف الروسي من الأزمة الليبية، والاتصال الهاتفي الذي أجراه نائب وزير الخارجية الروسي “ميخائيل بوجدانوف” مع حفتر، والذي عكس الموقف الروسي الداعم لإيجاد حلٍ سياسي للأزمة في ليبيا. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيانٍ يوم السبت الماضي (6 أبريل) إن حفتر أبلغ بوجدانوف بجهود قتال الإرهابيين في ليبيا بما في ذلك قرب العاصمة طرابلس في غرب البلاد.

ووفقًا لتوصيف “رويترز” للأحداث، دخلت قوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر يوم الجمعة 5 أبريل الضواحي الجنوبية من العاصمة طرابلس في “توغلٍ محفوفٍ بالمخاطر” ضد الحكومة المعترف بها دوليًّا، في ظل احتدام القتال قرب المطار الدولي السابق الذي سيطرت عليه قوات حفتر بحلول ليل الجمعة. وجاءت هذه الخطوة في الوقت الذي غادر فيه “أنطونيو جوتيريس” الأمين العام للأمم المتحدة بعد اجتماعٍ مع حفتر في محاولةٍ لتفادي نشوب حربٍ أهلية.

وأشارت الوكالة إلى أن مجلس الأمن الدولي أبدى قلقه من النشاط العسكري قرب طرابلس، محذرًا من أنه يهدد استقرار البلاد، حيث دعا المجلس الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر إلى وقف كل التحركات العسكرية. ونقلت الصحيفة عن سفير ألمانيا بالأمم المتحدة “كريستوف هويسجن” الذي يرأس مجلس الأمن خلال شهر أبريل قوله، إن المجلس دعا قوات الجيش الوطني الليبي إلى وقف كل التحركات العسكرية، كما دعا إلى إنهاء التصعيد لاستحالة حل الصراع عسكريًّا.

وقالت الوكالة إن قوات حفتر سيطرت الخميس 4 أبريل على مدينة غريان التي تبعد نحو 80 كلم جنوبي طرابلس بعد مناوشات مع القوات المتحالفة مع رئيس الوزراء المتمركز في طرابلس “فايز السراج”. ثم سيطر الجيش الوطني يوم الجمعة على مناطق قصر بن غشير ووادي الربيع في الضواحي الجنوبية للعاصمة، مسيطرًا على مطار طرابلس الدولي السابق.

ونقلت “رويترز” تصريحات “أحمد المسماري” بأن قوات الجيش سيطرت على المطار السابق رافضًا ادعاء وزير الداخلية في حكومة طرابلس “فتحي علي باشاغا” بأن قواته استردت المطار. وعلى الرغم من مكاسبها، لم تتمكن قوات حفتر من السيطرة على نقطة تفتيش تبعد نحو 30 كلم غربي العاصمة ضمن محاولة لإغلاق الطريق الساحلي إلى تونس.

كما نقلت الوكالة تصريحات “محمد الحضيري” القائد بغرفة عمليات المنطقة الغربية حول أسر القوات المتحالفة مع طرابلس 145 مقاتلًا من الجيش الوطني الليبي في الزاوية إلى الغرب من طرابلس. وفي الوقت نفسه، دفعت قواتٌ متحالفة مع حكومة طرابلس المدعومة من الأمم المتحدة بمزيدٍ من الشاحنات الصغيرة المزودة بالأسلحة الآلية من مدينة مصراتة الساحلية إلى طرابلس للدفاع عن العاصمة في مواجهة قوات حفتر.

وحمّلت صحيفة “الجادريان” البريطانية “حفتر” مسئولية “العدوان”. ووفقًا لها، لم يضمن حفتر حتى الآن مستوى دعم الميليشيات الذي كان يتوقعه داخل طرابلس، وعلى الأرجح أساء قراءة الرسائل المتضاربة من حلفائه الخارجيين؛ فلا يستطيع أحدٌ أن يفهم السبب الحقيقي وراء شن الهجوم على طرابلس.

وأكدت الصحيفة أن فرنسا -التي يُنظر إليها على أنها أقوى شريك أوروبي لحفتر- قد تكون متوترة من خروجه عن السيطرة، مشيرةً إلى أن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” لا يريد حدوث خلافٍ عبر الأطلسي بسبب دعمه لزعيمٍ استبدادي في منتصف الانتخابات الأوروبية.

ووصفت هيئة الإذاعة البريطانية BCC)) “خليفة حفتر” بالقائد العسكري القوي، الذي ظل طيلة أربعة عقود وجهًا بارزًا في المشهد السياسي الليبي، ولكن مع تبدل موقعه بين فترةٍ وأخرى. وعددت الميليشيات التي تحمي العاصمة الليبية. وفي إطار عملية تحرير طرابلس، دفعت مدينة مصراتة بتعزيزاتٍ عسكريةٍ ضخمة في الوقت الذي أعلنت فيه السلطات الليبية المعترف بها دوليًّا الاستنفار العام. وأغلقت حكومة “فايز السراج” كافة المنافذ والمداخل المؤدية إلى طرابلس. وسيطر الجيش الوطني الليبي على بلدة غريان التي تبعد نحو 100 كلم عن العاصمة. واشتبكت قوات الجيش الوطني الليبي مع جماعاتٍ مسلحة جنوب طرابلس.

ووفقًا للصحيفة أيضًا، يأتي هذا التصعيد بالتزامن مع وصول الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا لعقد هدنةٍ بين الأطراف المتنازعة في البلاد، والذي استبعد الحل العسكري لإنهاء مشاكل ليبيا. وفي المدن الغربية، يتعقد المشهد أمام حكومة “السراج” التي تعاني من وجود ميليشياتٍ مسلحةٍ في العاصمة ومدن في غرب البلاد، ما حال دون فرض سيطرتها على العاصمة حتى الآن. وأمر “السراج” القوات الموالية للحكومة بالاستعداد لمواجهة جميع التهديدات، سواء من الجماعات الإرهابية أو المجرمين أو الخارجين عن القانون وكل من يهدد أمن كل مدينة ليبية.

وعلى صعيد الإعلام الألماني، وصفت “دويتشه فيله” عملية طرابلس “بالتحرك العسكري المكثف” الذي يثير مخاوف دول الجوار، وقلق الدول الكبرى، لتتساءل عن الأسباب الدافعة لذلك، ودلالات هذا التوقيت، مع تسليط الضوء على الدعم الذي يتلقاه “حفتر” من الدول الأخرى، على نحو يساهم في تشجيع العملية العسكرية الحالية. هذا فضلًا عن عوامل دولية وإقليمية أخرى وفَّرت لحفتر فرصةً ذهبية، يستغلها حاليًّا للمضي قدمًا نحو طرابلس. 

وأشارت الصحيفة إلى التسجيل الصوتي الذي تم بثه على شبكة الإنترنت، والذي دعا فيه المشير “حفتر” قواته إلى التوجه نحو طرابلس بعد تمكنه الخميس 4 أبريل من السيطرة على مدينة غريان التي تبعد عن العاصمة نحو 100 كلم فقط، رغبةً منه في إحداث تغييرٍ على أرض الواقع يمكن استخدامه كورقة تفاوض، خاصةً مع التحضير لعقد مؤتمرٍ وطني للمصالحة الليبية بمساعدة الأمم المتحدة.

ووفقًا للصحيفة، استغل الجيش الوطني الليبي بقيادة “حفتر” في عمليته العسكرية الحالية انشغال الجيش الجزائري بترتيب الأوضاع الداخلية؛ إذ تعد الجزائر واحدةً من أكبر معارضي الخيار العسكري لحل الأزمة الليبية؛ خوفًا من تداعيات ذلك على الأمن القومي الجزائري، خاصة على صعيد تسلل عناصر إرهابية عبر الحدود المشتركة.

وحذرت صحيفة “لوموند” الفرنسية من خطورة الوضع الليبي الراهن الذي قد يزداد اشتعالًا في ظل احتدام القتال في جنوب العاصمة طرابلس بين القوات الموالية لحفتر وقوات حكومة “فايز سراج”. وعلى صعيد تطورات المشهد، ذكرت الصحيفة تنديد الجيش الوطني الليبي بغارةٍ جوية ضد قواته، على بعد حوالي 50 كلم جنوب طرابلس، والتي شنت يوم الخميس 4 أبريل، حين أمر “خليفة حفتر” قواته بـالتقدم نحو طرابلس. وقال في رسالةٍ صوتية: “لقد حان الوقت،” ووعد بتجنب المدنيين، ومؤسسات الدولة، والمواطنين الأجانب. وأشارت الصحيفة إلى إعلان قوة الحماية في طرابلس على الفور استعداد الجماعات المسلحة القوية والهجومية في مدينة مصراتة الغربية لوقف تقدم الموالين لحفتر.

كما ذكرت الصحيفة أيضًا المحادثات التي أجراها الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” مع “حفتر” في بنغازي يوم 5 أبريل، حين اندلعت أولى المعارك الكبرى على حد وصفها. وتمكنت قوات الجيش الوطني من التقدم إلى المطار الواقع على بعد حوالي ثلاثين كلم جنوب العاصمة، والاستيلاء على المطار لفترةٍ وجيزة قبل طرده من قبل القوات الموالية. واستُؤنف القتال صباح السبت 6 أبريل، بما في ذلك في منطقتي وادي الربيع وبن غشير على بعد حوالي أربعين كلم جنوب طرابلس، حسبما أفاد صحفيون لوكالة “فرانس برس”.

وحسب الجيش الوطني، تم استهداف المدنيين في الغارة الجوية يوم السبت 6 أبريل، لكن لم يتم التبليغ عن وقوع إصابات. كما وعد الجيش الوطني “بردٍّ صارم”. ووفقًا للمتحدث باسمه “أحمد المسماري” تُعتبر المنطقة الغربية منطقةً عسكرية، ويحظر على أي طائرة عسكرية التحليق فوقها.

ووفقًا للصحيفة، حث وزراء خارجية الدول الصناعية السبع الكبرى (G7) -الذين اجتمعوا يوم الجمعة 5 أبريل في فرنسا- “جميع الجهات الفاعلة على الوقف الفوري لجميع التحركات العسكرية إلى طرابلس، والتي تعيق آفاق العملية السياسية بقيادة الأمم المتحدة؛ فلا يوجد حلٌّ عسكريٌّ للصراع الليبي”.

ثالثًا: الإعلام الروسي

وصفت قناة “روسيا اليوم” الإخبارية، “حفتر” بالرجل القوي. ووفقًا لرؤيتها للأحداث، سيطرت قواته على مطار طرابلس الدولي على بعد 34 كلم من المدينة، وسط تقارير تفيد بأن الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة استخدمت الضربات الجوية ضد قواته. فقد أمر “حفتر” جيشه الوطني الليبي بالتقدم إلى طرابلس يوم الخميس 4 أبريل، بعد سنوات من التنافس مع الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، لتحرير المدينة من “الميليشيات والإرهابيين”، إلى أن تمكن من السيطرة على بعض المناطق بها.

وأشارت القناة إلى موقف روسيا الرسمي المتمثل في الدعوة إلى وقف النزاع المتصاعد والجلوس للمحادثات. كما دعا وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف”، يوم السبت 6 أبريل، جميع أطراف النزاع إلى الامتناع عن استخدام القوة العسكرية، بما في ذلك الطائرات الحربية، والسعي إلى حلٍّ سلمي لخلافاتهم. وهي الدعوة التي وُجّهت إلى جميع القوى السياسية في ليبيا.

وردًّا على تقارير عن الغارات الجوية، قال الجيش الوطني الليبي إنه أعلن منطقة حظر طيران للطائرات العسكرية في شرق ليبيا. وقال إنه سيشن ضربات على القواعد الجوية، والتي سيحاول خصومه شن مزيدٍ من طلعاتها الجوية.

كما أشارت القناة إلى مناقشة مجلس الأمن للوضع في ليبيا، الذي دعا الجيش الوطني الليبي إلى وقف مناوراته والامتناع عن القيام بأي عمل عسكري آخر. وكذا إلى بيان وزراء خارجية الدول الصناعية السبع الكبرى، وتحديدًا موقف كل من: إيطاليا، وألمانيا. فقد قالت الأخيرة إن مجموعة السبع وافقت على ممارسة الضغط على المسئولين عن التصعيد، وحفتر بشكلٍ خاص. أما إيطاليا، فحذرت من تداعيات الهجوم، وما يمكن للمجتمع الدولي القيام به.

أما على صعيد تطورات الأوضاع في ليبيا عقب تقدم الجيش الليبي نحو طرابلس، فقد أوردت “سبوتنيك” (وكالة الإعلام الروسية) مقطع الفيديو الذي نشرته الحكومة الليبية يوم الجمعة 5 أبريل، والذي يُظهر “فايز السراج”، خلال جولةٍ تفقدية للبوابة 27 التي تقع غرب العاصمة الليبية طرابلس، والتي سبق وأعلنت قوات الجيش الوطني الليبي السيطرة عليها ضمن عمليات “تحرير طرابلس”.

وفي السياق نفسه، أشارت “سبوتنيك” إلى التدوينات التي قام الجيش الوطني الليبي بنشرها على صفحته على الفيسبوك، والتي قال فيها: “إن الجيش الوطني جاء لاجتثاث الإرهاب من أحد أكبر معاقله في شمال إفريقيا. ولذلك لن يكون الأمر بالبساطة التي نتوقعها جميعًا، فصبرًا جميلًا”. وتوثق الاستخبارات العسكرية بالصور كل من يتحرك ضد قوات الجيش أو يساند الميليشيات الإرهابية في العاصمة طرابلس.

فقد أمر قائد الجيش الليبي المشير “خليفة حفتر”، يوم الخميس 4 أبريل، قواته بالتقدم إلى العاصمة الليبية طرابلس، لاستهداف ما وصفه بالجماعات الإرهابية، وتوقع وقادته العسكريون السيطرة على طرابلس خلال 48 ساعة. وبدأ الهجوم بالسيطرة على مدينة غريان، التي تبعد نحو 80 كلم جنوب طرابلس، بعد مناوشاتٍ قصيرة مع القوات المتحالفة مع رئيس الوزراء المتمركز في طرابلس “فايز السراج”. ووفقًا لسبوتنيك، تمثل التطورات انتكاسة للأمم المتحدة والدول الغربية التي تحاول الوساطة بين “السراج” و”حفتر“، اللذين اجتمعا في أبوظبي الشهر الماضي، لبحث اتفاق لتقاسم السلطة.

وأشارت سبوتنيك إلى الاتصال الهاتفي الذي أجراه “حفتر” يوم السبت 6 أبريل مع نائب وزير الخارجية الروسي “ميخائيل بوغدانوف” بشأن آخر تطورات العملية العسكرية ضد الإرهابيين. وفيه، دعمت موسكو الحلول السياسية للأزمة الليبية في ظل المعارك الجارية بين الجانبين، بما في ذلك خطوات الوساطة التي اتخذتها الأمم المتحدة والممثل الخاص لأمينها العام في ليبيا “غسان سلامة”. كذلك جرى التأكيد على ضرورة توحيد الجهود لمكافحة الإرهاب والأيديولوجيات المتطرفة.

ووفقًا لسبوتنيك، شاركت روسيا “حفتر” المعلومات المتعلقة بالإجراءات التي اتخذها الجيش الوطني الليبي في الأيام الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بتكثيف القتال ضد الجماعات الإرهابية المنتشرة في كافة أنحاء البلاد، بما في ذلك طرابلس، والتي تشكل خطرًا على استقرار المجتمع الليبي، وإعاقة تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بإقامة عمليةٍ سياسيةٍ شاملةٍ مستدامة بين الليبيين.

ونقلت “سبوتنيك” عن وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” في مؤتمرٍ صحفي مشترك مع نظيره المصري “سامح شكري” بالقاهرة قوله: “ندعو لحوارٍ غير مشروط في ليبيا، وسنظل على اتصالٍ مع كافة الأطراف الليبية”. وأضاف “لافروف”: “ندعو مجلس الأمن إلى الأخذ في الاعتبار قلقنا، وأن بعض الأطراف قالت إنها ستستخدم الطيران ضد الجيش الوطني”. وتابع: “المشكلة الآن أن البلد أصبح مدمرًا بسبب “الناتو” والإرهابيين والسلاح والهجرة غير الشرعية”. وبدوره أكد وزير الخارجية المصري “سامح شكري” ضرورة تعزيز الحل السياسي، والتعامل بإيجابية مع جهود المبعوث الأممي، مؤكدًا أنه “لا حل عسكريًّا في ليبيا”.

واستندت “سبوتنيك” لإفادة المصادر المحلية، لتؤكد وصول كتيبة رقم 166 من مدينة مصراتة إلى منطقة تاورجاء شرقي طرابلس القريبة من مناطق الاشتباكات في العزيزية وعين زارة، وهي تابعة لحكومة الوفاق، ويقدر عددها بًـ120 مقاتلًا. ومن ثم، تصف نماذج من وسائل الإعلام الروسية ما يحدث في ليبيا بتصارع عشرات الميليشيات وتنازع حكومتين على السلطة، لتؤكد على ضرورة وقف العمليات العسكرية.

إجمالًا، ومما سبق يتضح تركيز وسائل الإعلام الدولية على رصد المشهد الليبي، دون محاولة تفسيره أو الوقوف على دوافعه، وهو الأمر الذي ظل محل تساؤل عددٍ من الصحف والقنوات الإخبارية. كما يتضح كذلك التباين في توصيف المشهد الراهن. بيد أنه من الملاحظ الابتعاد التام عن استخدام مسمى “تحرير طرابلس” الذي أطلقه “خليفة حفتر” من كافة وسائل الإعلام السابق الإشارة إليها. ويستثنى من ذلك وكالة الأنباء الروسية “سبوتنيك”.

كما لقبت “سبوتنيك” بجانب “قناة روسيا اليوم” الإخبارية “خليفة حفتر” بقائد الجيش الليبي، وما عداهما أطلقوا عليه تسمياتٍ عدة من قبيل: المارق، والمنشق، وأمير الحرب. وهو ما لا يمكن تحليله بمعزلٍ عن الموقف الروسي الداعم لليبيا مقارنة بالمواقف الأوروبية والأمريكية التي حمّلت “حفتر” مسئولية التصعيد، ورفضت الاعتراف به.

كما تجدر الإشارة إلى قلق وسائل الإعلام الدولية على النفط الليبي والهجرة إلى أوروبا أكثر من قلقها على المواطنين الليبيين أنفسهم. ناهيك عن غلبة الرؤية التشاؤمية على مختلف تحليلاتها، لتشمل: الفوضى، والحرب الأهلية، واستغلال النفط من قبل المليشيات المتصارعة، وصعوبة الجزم بمآلات المشهد الليبي، بل وصعوبة رسم الملامح الكلية له؛ فقد ركزت وسائل الإعلام على جزء من الصورة وتسليط الضوء عليها. لذا، لم تستطع أي منها توصيف المشهد الليبي على نحوٍ دقيق.

د رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني