وحدة الدراسات الاقتصادية

السياسة النقدية المصرية في ظل أزمة فيروس كورونا المستجد

أعلنت لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك المركزي المصري بعد اجتماعيها الأخيرين، في 16 يناير و20 فبراير من العام الجاري، عن الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند مستوى 12.25% و13.25%، وكذلك الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند مستوى 12.75%، وذلك في ظل اتجاه عالمي لخفض أسعار الفائدة تحفيزًا للاقتصاد المحلي، في ظل ما يتعرض له من ضغوط ناتجة عن انتشار فيروس كورونا، ومن قبله الحرب الأمريكية مع شركائها التجاريين وعلى رأسهم الصين والاتحاد الأوروبي، وكذلك ما يعتري العلاقات الأوروبية-البريطانية من اضطرابات بسبب انفصال الأخيرة عن الكُتلة الأوروبية، وما يُسببه تراكم هذه التأثيرات من عدم يقين يدفع المُستثمرين إلى…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أعلنت لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك المركزي المصري بعد اجتماعيها الأخيرين، في 16 يناير و20 فبراير من العام الجاري، عن الإبقاء على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند مستوى 12.25% و13.25%، وكذلك الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند مستوى 12.75%، وذلك في ظل اتجاه عالمي لخفض أسعار الفائدة تحفيزًا للاقتصاد المحلي، في ظل ما يتعرض له من ضغوط ناتجة عن انتشار فيروس كورونا، ومن قبله الحرب الأمريكية مع شركائها التجاريين وعلى رأسهم الصين والاتحاد الأوروبي، وكذلك ما يعتري العلاقات الأوروبية-البريطانية من اضطرابات بسبب انفصال الأخيرة عن الكُتلة الأوروبية، وما يُسببه تراكم هذه التأثيرات من عدم يقين يدفع المُستثمرين إلى الإحجام عن المُخاطرة بأموالهم، ما سيُسفر في النهاية عن تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

هذا المقال يحاول تفسير قرار البنك المركزي بالإبقاء على مُعدل الفائدة رغم غلبة الاتجاه العالمي إلى الخفض. 

أولًا- الاتجاه العالمي نحو خفض سعر الفائدة في ظل كورونا

بدأت البنوك المركزية العالمية في أواخر عام 2019 تنفيذ سلسلة من الخفض لأسعار الفائدة، لمواجهة عراقيل عدم اليقين التي تكبح جماح النمو. ففي يوليو 2019 قام الفيدرالي الأمريكي بأول خفض لمُعدلات الفائدة مُنذ عام 2016، وذلك بمقدار 25 نقطة أساس من 2.5% إلى 2.25%، تلاها ثلاثة تخفيضات، كان آخرها في 3 مارس الجاري، جاءت اثنتان منها بـ25 نُقطة أساس، وكانت الأخيرة بـ50 نقطة كاملة لينخفض المُعدل الإجمالي إلى 1.25%. كذلك فعل بنك الشعب الصيني الذي بدأ الخفض في أغسطس 2019، وهو أول تخفيض مُنذ أكتوبر 2015، وذلك بمقدار 10 نقاط أساس من 4.35% إلى 4.25%، تلاها أيضًا بثلاثة تخفيضات آخرها في 20 فبراير 2020، اثنتان منها كُلٌّ بخمس نقاط أساس والأخيرة بـ10 نقاط، ليبلغ المُعدل الحالي 4.05%. أما البنك المركزي الأوروبي فقد حافظ على مُعدل الفائدة عند 0% وذلك مُنذ مارس 2016، لكنه أعاد إطلاق برنامجه لشراء الأصول من جديد بعد إنهائه في ديسمبر 2018، فيما يُعد أداة أخرى من أدوات البنوك المركزية للتوسع في السوق بخلاف تخفيض سعر الفائدة يُطلق عليها “عمليات السوق المفتوحة”، والتي تهدف في الأساس إلى زيادة المعروض النقدي في الاقتصاد، بما يؤدي في النهاية إلى نفس مُستهدفات خفض سعر الفائدة. وأخيرًا فإن بنك إنجلترا أجرى أول خفض مُنذ أغسطس 2018 خلال مارس الجاري وذلك بمُعدل 50 نقطة أساس من 0.75% ليبلغ السعر الحالي 0.25%. ويوضح الشكل التالي التغيرات في أسعار الفائدة لدى البنوك الأربعة خلال 12 شهرًا.

وقد جاءت هذه التخفيضات مدفوعة بالعوامل السابق الإشارة إليها، كالحروب التجارية الأمريكية التي سببت انخفاض الطلب على المُنتجات الصناعية الصينية بسبب ارتفاع أسعارها في الولايات المُتحدة، عقب رفع التعريفات الجُمركية عليها، وما صاحب ذلك من انخفاض الناتج الصناعي وانخفاض مُعدلات التوظيف في الصين. يُضاف إلى ذلك تلويح الرئيس “ترامب” الدائم برفع التعريفات الجُمركية على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المُتحدة، خاصة تلك المُتعلقة بالمُنتجات الغذائية من الجبن والنبيذ والسيارات كاملة التصنيع وقطع غيارها، وأخيرًا تنفيذه هذا التهديد فعلًا فيما يخُص الطائرات المدنية، وذلك بفرض رسوم على الواردات الأوروبية منها بنسبة 10-15% في فبراير 2020.

في ظل هذه الظروف انتشر فيروس كورونا ليزيد من مُعاناة القطاع الصناعي الصيني، فيتسبب في إغلاق آلاف المصانع الصينية، ويقطع سلاسل التوريد في العالم، ويضرب بشدة قطاعات السفر والسياحة والنقل الدولي. وعلى إثر ذلك انهارت البورصات العالمية، حيث انخفض مؤشرا “داو جونز” الصناعي و”ناسداك” المُركب الأمريكيان بنحو 25.7% و19.7% على التوالي. وفي أوروبا انخفض “يوروستوكس” بنسبة 32%. كما انخفض مؤشر “نيكي” الياباني بنحو 26.2%، وذلك لمحاولة المُستثمرين التخلص من أسهمهم وتسييل أصولهم وتحويلها إلى الملاذات الآمنة، ما يوحي باتجاه لعزوف جماعي عن الاستثمار في العالم.

دفع ذلك عددًا من الوكالات الدولية لخفض توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي، حيث خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو في 2020 من 3.3% إلى 2.9% مبدئيًّا مع استمرار فتح الباب لمزيد من الخفض في حالة تحول الفيروس للحالة الوبائية. كما خفضت وكالة “موديز” من توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى 2.5%. لذلك بدأت البنوك المركزية في التدخل بسياسات توسعية، مثل: خفض سعر الفائدة، وشراء الأصول لضخ مزيد من السيولة في السوق، وتشجيع المُستثمرين على الاقتراض لإعادة الحياة إلى الأعمال من جديد، ورفع مُستويات التوظف، وبالتالي دفع مُعدلات النمو. لكن على العكس من ذلك، وقف البنك المركزي المصري دون خفض مُعدلات الفائدة في اجتماعيه الأخيرين، وهو ما نحاول تفسيره.

ثانيًا- ظروف السوق المصرية وسياسة البنك المركزي:

تهدف السياسة النقدية التي يُنفذها البنك المركزي في العموم إلى تحقيق مستويات مُرتفعة للعمالة، والحفاظ على مستويات التضخم، ورفع مُعدلات النمو. ولذلك فإنه يجب أولًا النظر إلى المؤشرات الثلاثة السابقة لمعرفة كيف استجاب البنك المركزي لتغيراتها، وعلى ذلك نستعرض كُلًّا منها فيما يلي: 

1- مُعدلات النمو 

بلغ مُعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 5.7% خلال الرُبع الرابع من العام 2018/2019 ليُحقق في كامل العام 5.6% وهو ذات المُعدل الذي حققه خلال النصف الأخير من عام 2019، لكن هذا النمو جاء مدعومًا بالاستهلاك النهائي الخاص الذي استمر في الارتفاع ليبلغ خلال الرُبع الثالث من العام 797.9 مليار جنيه، ويبدأ مُعدل الاستهلاك الحكومي في الانخفاض ليصل إلى 84.8 مليار جنيه بعدما كان قد بلغ 88 مليارًا في الرُبع الثاني. كذلك ارتفعت مُعدلات الاستثمار الخاص إلى 187.5 مليار بعدما كانت قد بلغت 165.8 مليار جنيه في الرُبع الثاني. وتُشير هذه الأرقام إلى أن مُعدلات الاستهلاك والاستثمار في القطاع الخاص بدأت تأخذ دورًا أكبر عما كانت عليه في الماضي لدفع نسب النمو، وبالتالي فإن السياسة النقدية تؤدي دورها بشكل جيد في دعم مُعدلات النمو، خاصة مع تراجع دور الاستهلاك الحكومي النهائي. ويوضح الشكل التالي تغيُّر مُحركات النمو بسعر عوامل التكلفة. 

2- مُعدل التضخم

ارتفع مُعدل التضخم في يناير 2020 للشهر الثالث على التوالي، فمُنذ أكتوبر بدأ مُعدل التضخم في الارتفاع من مستوى 3.1%، إلى 3.6% في نوفمبر، ثم في ديسمبر قفز ليبلغ 7.1%، وفي يناير بلغ 7.16%، ثم انخفض في فبراير إلى 5.31%. كما ارتفع مُعدل التضخم الأساسي بداية من نوفمبر عند مستوى 2.11% وذلك ليبلغ مُستوى 2.37% في ديسمبر و2.66% في يناير، ثم انخفض ليبلغ مُستوى 1.91% في فبراير، وهو ما يُشير إلى أن مستوى التضخم وقت اجتماع لجنة السياسة النقدية كان على ارتفاع، مما عزز الاتجاه للمُحافظة على مُعدلات الفائدة، لكنه انخفض عند نهاية فبراير، وهو ما قد يُحرك اللجنة مُستقبلًا إن استمر هذا الاتجاه إلى خفض سعر الفائدة، خاصة في ضوء ما يستهدفه من مُعدل تضخم عند مُستوى 9% (3± %). ويوضح الشكل التالي معدلات التضخم على أساس سنوي. 

4- مُعدل البطالة 

ارتفع مُعدل البطالة للرُبع الثالث على التوالي، حيث وصل خلال الرُبع الرابع في عام 2019 إلى 8% مُقابل 7.8% في الرُبع الثالث، و7.5% في الرُبع الثاني، وبالتالي تُعد هذه المُعدلات عودة لمُعدلات الرُبع الأول من العام عند مستوى 8.1%، لكن المستويات في العموم ما زالت أقل من تلك التي سُجلت خلال عام 2017/2018 عند مستوى 8.9%، وبالتالي تظل مُعدلات الفائدة في الوقت الحالي تؤدي وظيفتها في الحفاظ على مُعدلات التوظف رغم الارتفاع الطفيف في مستوياتها خلال الرُبعين الأخيرين. 

وبالتالي أدت السياسة النقدية وظائفها الثلاث الأساسية في الحفاظ على مُستويات النمو والتضخم والتشغيل، في ظل أوضاع اقتصادية مضطربة للغاية شهدها العالم، لكن انتشار كورونا المستجد يُهدد هذه الأوضاع التي بدأت توًا في الاستقرار بعد انتهاء برنامج الإصلاح الهيكلي المالي المصري، ذلك أن كورونا يُهدد بعضًا من أهم تدفقات النقد الأجنبي الأساسية لمصر، وهي:

1- إيرادات قناة السويس التي يحكمها أولًا حركة التجارة العالمية التي تضررت بسبب إغلاق المصانع من ناحية، والحجر الصحي من ناحية أخرى، فضلًا عن انخفاض أسعار النفط.

2- إيرادات السياحة التي من المُرجّح أن تنخفض بشدة جراء الخوف من العدوى وإغلاق مطارات العالم في وجه الأجانب، ومنع الانتقال المتوقع من الدول الأساسية المُصدِّرة للسياحة لمصر وهي ألمانيا وأوكرانيا وروسيا إذا ما انتشر الفيروس سواء في أي من هذه الجهات أو في مصر.

3- تحويلات المصريين العاملين بالخارج، حيث بدأت مؤشرات لضبط السفر إلى بعض دول الخليج، ولذا من المتوقع أن تشهد التحويلات انخفاضًا، بسب انخفاض النشاط الاقتصادي عمومًا بسبب الفيروس في بلدان الخليج العربي وأوروبا.

4- استثمارات الحافظة الأجنبية التي تعمل في مصر من خلال أدوات الدين الحكومية، سواء قصيرة أو متوسطة وطويلة الأمد، حيث انسحب جزء مُعتبر منها إلى الملاذات الآمنة بسبب ما تواجهه من اضطرابات سوق المال العالمية، وقبل انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار.

خلاصة القول، هذه العوامل قد تسبب انخفاضًا في تدفقات النقد الأجنبي إلى الداخل المصري مما يرفع الطلب على الدولار في مواجهة الجنيه المصري مما يُخفض من سعر الأخير، وهو ما سيُسفر عن ارتفاع أسعار السلع الغذائية وبخاصة المُستورد منها، الذي يؤدي إلى ارتفاع مُعدلات التضخم، وتباطؤ الناتج المحلي الإجمالي المصري، مما سيستوجب على البنك المركزي التدخل ليس بتخفيض سعر الفائدة فقط بل باستخدام أدواته المالية جميعها من أجل تحقيق المُستهدفات الاقتصادية المصرية بشقيها المالي والنقدي. لذا نتوقع أن تتجه لجنة السياسة النقدية في اجتماعها القادم، في الثاني من أبريل، إلى الإقدام على خفض سعر الفائدة بمُعدلات ما بين 50 إلى 100 نقطة أساس إذا لم تحدث تغيُّرات جوهرية على ما سبق التعرض له من ظروف.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة