وحدة الدراسات الاقتصادية

تطور صِنَاعَتَيِ الغزل والنسيج والملابس الجاهزة في مصر (2007-2017)

جاءت ثورة 25 يناير 2011 أساسًا للمُطالبة بتحسين الحالة الاقتصادية لقطاعات واسعة من المصريين، لم تكُن قد استفادت من مُعدلات النمو الاقتصادي المُتسارع الذي حققته البلاد مُنذ مطلع القرن وخصوصًا فيما بعد عام 2005، حيث استأثرت بعوائد النمو فئة محدودة تشكلت في مُعظمها من رجال أعمال ارتبطوا بالسُلطة السياسية. لذلك انصبّ غضب المصريين على هذه الفئة والطبقة الحاكمة التي دعمتها، وهو ما أدى إلى إسقاط نظام “مُبارك”، وأنهى تحالف المال والسُلطة الذي صاغ شكل الاقتصاد المصري في هذه الحقبة. لكن ذلك صاحبه انهيار في القطاع الصناعي بشكلٍ عام -كُنا قد سلطنا الضوء عليه في مقال سابق- وهو ما انعكس على…

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

جاءت ثورة 25 يناير 2011 أساسًا للمُطالبة بتحسين الحالة الاقتصادية لقطاعات واسعة من المصريين، لم تكُن قد استفادت من مُعدلات النمو الاقتصادي المُتسارع الذي حققته البلاد مُنذ مطلع القرن وخصوصًا فيما بعد عام 2005، حيث استأثرت بعوائد النمو فئة محدودة تشكلت في مُعظمها من رجال أعمال ارتبطوا بالسُلطة السياسية. لذلك انصبّ غضب المصريين على هذه الفئة والطبقة الحاكمة التي دعمتها، وهو ما أدى إلى إسقاط نظام “مُبارك”، وأنهى تحالف المال والسُلطة الذي صاغ شكل الاقتصاد المصري في هذه الحقبة. لكن ذلك صاحبه انهيار في القطاع الصناعي بشكلٍ عام -كُنا قد سلطنا الضوء عليه في مقال سابق– وهو ما انعكس على الاقتصاد الكُلي في جُملته، سواء من زاوية المؤشرات الكُلية كالنمو والبطالة والتجارة الخارجية، أو القطاعية مثل الإنتاج الصناعي. ويستكمل هذا المقال التعرف على أثر التقلبات السياسية على صناعتي الغزل والنسيج والملابس الجاهزة باعتبارهما من أهم وأقدم الصناعات المصرية، واللتين من المُفترض أن تمتلك فيها مصر ميزة تنافسية نسبية.

أولًا– عدد المُنشآت الصناعية في قِسْمَيِ الغزل والنسيج والملابس الجاهزة

امتلك القطاع العام عند نهاية عام 2003 مصنعين فقط للملابس الجاهزة، ما لبث أن تخلى عنهما بنهاية عام 2005 في ظل برنامج الخصخصة الذي كان قد بدأ عام 1991، أما بالنسبة لصناعة الغزل والنسيج فكان القطاع العام لا يزال ضخمًا حيث بلغ عدد المُنشآت العامة العاملة فيه 81 مُنشأة، انخفضت بحلول عام 2005 لتبلغ 77 مُنشأة، بعد بيع أربعة منها جرى تصفيتها بالكامل بعد خصخصتها، حيث إن القطاع الخاص كان قد بدأ يشهد هجرانًا واسعًا مُنذ 2003 لصناعة الغزل ليتحول منها إلى صناعة الملابس الجاهزة، إذ بلغ عدد مُنشآت القطاع الخاص العاملة في صناعة الغزل في ذلك العام 424 مُنشأة، في حين بلغت مصانع الملابس الجاهزة 208 مصانع، لكن بحلول عام 2008 كانت الأولى قد انخفضت إلى 377 مصنعًا في حين ارتفعت الثانية إلى 300 مصنع، ويوضح الشكل التالي هذه التطورات. 

يتضح من الشكل الاتجاه العام للانخفاض في صناعة الغزل خلال الفترة (2003-2008)، وعكس ذلك الاتجاه بالنسبة لصناعة الملابس الجاهزة، حيث كانت الحكومة قد تبنت اتجاهًا لخفض أسعار الملابس الجاهزة في مصر، ولذلك أتاحت لمصانع الملابس الجاهزة أولًا استيراد أقمشة مُصنَّعة بالخارج، حيث أصدر رئيس مجلس الوزراء قراره رقم 1635 لسنة 2002 بشأن القواعد الخاصة بالاستيراد، وسُمي بنظام السماح المؤقت لبعض السلع ومن بينها الأقمشة، كما استتبعت الحكومة ذلك بدعم تصدير المُنتجات المُصنّعة من هذه الأقمشة المُستوردة عبر نظام دعم الصادرات، وهو ما رفع ربحية مصانع الملابس الجاهزة على حساب مصانع الغزل، التي لم تعد تستطيع تصريف جزء من إنتاجها مُرتفع الثمن نظرًا لاستخدامها أقطانًا مصرية عالية الجودة، وهو ما أسفر في النهاية عن اتجاه القطاع الخاص إلى الاستثمار في صناعة الملابس الجاهزة. وانعكس ذلك القرار كذلك على مُنشآت القطاع العام التي انحصرت في صناعة الغزل والنسيج، حيث انطبقت عليها نفس أوضاع مصانع القطاع الخاص، وهو ما تسبب لها بخسائر كبيرة، أتاحت وفقًا للقانون 203 لسنة 1991 خصخصتها بداعي الخسارة، وهو ما أسفر عن بيعٍ جائرٍ لعددٍ كبيرٍ من هذه المصانع بلغ 39 مصنعًا في عام 2007 وحده، لينخفض إجمالي عددها من 68 شركة إلى 29 شركة بحلول عام 2008، وما زاد وضع هذه الصناعة سوءًا أن هذه المصانع جرى تصفيتها بعد خصخصتها، مما حرم الاقتصاد الوطني بالكامل منها.

وظل الوضع ذاته قائمًا من حيث التحول إلى صناعة الملابس الجاهزة وترك صناعة الغزل في القطاع الخاص حتى عام 2009 عندما قررت الحكومة إلغاء الرسوم الوقائية التي تفرضها على واردات الغزل واستبدالها بتقديم مُساندة مالية مُباشرة للمُنتجين بواقع 2.75 جنيه عن كيلو الغزل المصنوع من القطن المصري، وهو ما خفض سعر واردات الغزل بعد رفع الرسوم الوقائية عنه وشجع مصانع النسيج على زيادة استيراده ما شكّل ضربة جديدة للقطاع وخاصة مصانع الغزل القائمة على القطن المصري. وبحلول عام 2010 كان عدد مصانع الغزل قد بلغ 354 مصنعًا، في حين بلغت مصانع الملابس الجاهزة 317 مصنعًا، لتأتي بعد ذلك ثورة 25 يناير وما صاحبها من سيولة أمنية وتدهور في الأحوال الاقتصادية وضغوط عُمالية، لتُسبب انهيارًا حادًّا في قطاع الصناعة بالكامل، ومن ضمنه الصناعتان محل النقاش، حيث بلغ عدد المصانع بحلول عام 2016 نحو 193 مصنع غزل و200 مصنع للملابس الجاهزة، فيما يُمثل ضربة قاصمة لهذه الصناعة التي طالما تمتعت مصر فيها بميزة نسبية مُنذ تأسيسها في عهد “طلعت حرب باشا”.

توقف هذا النزيف بحلول عام 2017 الذي شهد ارتفاعًا في كلا الصناعتين إلى 209 مصنع غزل و210 مصانع ملابس جاهزة، وهو أول ارتفاع لعدد المُنشآت في الصناعتين مُنذ عام 2009، وذلك بفعل الاستقرار السياسي وبرنامج الإصلاح الاقتصادي وانعكاساتهما على الاقتصاد الكُلي، ما مكّن الحكومة من استقطاب استثمارات صينية ضخمة لتأسيس ما أطلق عليه مدينة “مان كاي” بلغ رأس مالها المدفوع 2 مليار دولار، والتي من المُفترض إقامتها على مساحة 3.1 ملايين متر مربع وبإجمالي عدد 568 مصنعًا، وهو رقم أكبر من كافة المصانع العاملة في الصناعتين في عام 2017. كذلك تجدر الإشارة إلى تبني الدولة في عام 2019 برنامجًا لإعادة هيكلة مصانع الغزل المملوكة للقطاع العام وذلك بتكلفة إجمالية أكثر من 20 مليار جنيه.

ثانيًا- عدد العاملين وقيمة الأجور

تستوعب مصانع الملابس الجاهزة الخاصة عددًا أكبر من العُمال مُقارنة بمصانع الغزل في الغالب الأعم من السنوات، فباستثناء عامي 2007 و2013 كان عدد عُمال الأولى أكبر من الثانية. ففي عام 2008 بلغ إجمالي عدد العاملين في مصانع الملابس الجاهزة 91 ألف عامل، في حين بلغ عدد عُمال مصانع الغزل في العام ذاته 84 ألفًا، وقد بلغ أقصى تشغيل للعُمال في مصانع الغزل خلال فترة الدراسة 86 ألفًا خلال عام 2007، بينما بلغ ذلك الرقم بالنسبة لمصانع الملابس الجاهزة 104 آلاف في عام 2010، في حين بلغ أقل عدد من العُمال في الصناعتين عام 2016 بواقع 49 ألف عامل للغزل و65 ألفًا للملابس الجاهزة. أما فيما يخص القطاع الحكومي فإن عدد العمُال يتجه دومًا للانخفاض، وذلك لسببين: أولهما انخفاض عدد المصانع أو استقراراها، وثانيًا عدم الإحلال محل ما انتهت خدمته في المصانع التي ما زالت مملوكة للدولة، ويوضح الشكل التالي تطور عدد العُمال في الصناعتين. 

يتأكد نفس الاستنتاجين بالنظر إلى متوسط عدد العُمال في المُنشأة الواحدة، حيث ظل هذا المتوسط فوق مستوى 320 عاملًا للمُنشأة في قطاع الملابس الجاهزة، وفوق 240 عاملًا في قطاع الغزل، وهو ما يُفسر انحياز الحكومات في عهد الرئيس “مُبارك” بدعم مصانع الملابس الجاهزة مقارنة بمصانع الغزل. أما بالنسبة للقطاع الحكومي فقد ظل ذلك المُعدل يدور حول 2000 عامل للمصنع، وتُشير هذه الأرقام إلى حقيقة اختلاف نُظم الإنتاج في مؤسسات القطاع الحكومي عن الخاص، حيث تميل مؤسسات القطاع الخاص إما إلى صغر الحجم أو الاتجاه لاستخدام تكنولوجيا أعلى من تلك المُستخدمة في القطاع الحكومي.

وبالنظر إلى مسألة الأجور يتضح أن متوسط أجر العامل في القطاع الحكومي أعلى من نظيره في القطاع الخاص –في صناعة الغزل- وذلك على الأقل بنسبة 120%، وقد بلغت هذه الزيادة النسبية أقصاها في عام 2016، حيث بلغ متوسط أجر عامل القطاع العام السنوي 59.4 ألف جنيه، وهو ما نسبته 193% من متوسط أجر عامل القطاع الخاص الذي بلغ 30.6 ألف جنيه. كذلك يلاحظ أن أعلى نسبة نمو شهدتها أجور القطاع العام كانت بنسبة 36% تقريبًا في عام 2012، وهو ما يؤكد ذات الاتجاه الذي انطبق على كل القطاع الصناعي من حيث ارتفاع أجوره بغير مُبرر اقتصادي عقب ثورة 25 يناير نظرًا لما مارسه العمُال من ضغوط فئوية في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي التي كانت تُعاني منها البلاد، ويوضح الشكل التالي تطور متوسط أجر العامل في الصناعتين على أساس سنوي. 

يتضح كذلك من الشكل أن مُتوسط أجر العامل السنوي في قطاع الغزل أعلى من نظيره في قطاع الملابس الجاهزة طوال فترة الدراسة وهو ما بلغ أقصاه في عام 2015 عندما بلغ الفارق بين المتوسطين حوالي 10 آلاف جنيه، لكن على العكس من ذلك زاد متوسط الأجر في قطاع صناعة الملابس الجاهزة بمُعدل 155% في المتوسط خلال الفترة من 2007-2017 وهو أعلى من مُعدل نمو متوسط الأجور في غزل القطاع الخاص الذي بلغ 132% في الفترة ذاتها.

ثالثًا- مُستلزمات الإنتاج وقيمته

بلغت مُستلزمات الإنتاج في مُنشآت غزل القطاع العام أعلى قيمة لها في عام 2017 عند مستوى 2.65 مليار جنيه، وذلك بعد ارتفاعها من 1.87 مليار جنيه، في أول نمو لعامين مُتتالين خلال فترة الدراسة، مُتأثرة في ذلك ببرنامج الإصلاح الذي قررته الحكومة لمصانعها، وما يجري من خطوات للنهوض بالقطاع بأكمله من كبوته التي يعيشها في الوقت الحاضر. كما شهد العام نفسه ثاني أكبر نمو في مُخصصات هذه المُستلزمات بزيادة تبلُغ 42% من مُخصصاته في عام 2016، ولم تزد هذه النسبة على ذلك خلال فترة الدراسة سوى في عام 2010 عندما شهدت الأسواق العالمية ارتفاعًا في أسعار الغزل مما هدد بتوقف مصانع النسيج المحلية، وهو ما دفع بالشركة القابضة للغزل والنسيج إلى تخفيض أسعار الغزول المُنتجة في شركات الغزل، والتعاقد على استيراد 20 ألف قنطار قطن من بوركينافاسو وبنين، لسد ارتفاع الطلب المُتوقع، وبذلك شكل الطلب المُرتفع من جانب مصانع النسيج والكميات المُستوردة من القطن ضغطًا على أسعار مُستلزمات الإنتاج، فنمت بنسبة 54% كأكبر نسبة نمو خلال فترة الدراسة، كما يوضح الشكل التالي:

أما بالنسبة لصناعة الغزل في القطاع الخاص فقد شهدت نسبُ نمو مُستلزمات الإنتاج فيه ترديًا واضحًا يُشبه تمامًا ما عاناه القطاع الحكومي، حيث نما كلاهما خلال فترة الدراسة بنسبة 9% سنويًا في المتوسط وبما إجماليه 90% خلال كامل الفترة، وهي حقيقة تُشير إلى أن مُعاناة القطاع ترجع لأسباب هيكلية وليست تنظيمية تخص القطاع الحكومي فقط، فخلال فترة 11 عامًا ارتفعت مستلزمات الإنتاج من 5 مليارات جنيه في 2007 إلى 11 مليار في 2017 بالأسعار الجارية، أي محسوب معها مُعدلات التضخم، ما يؤشر إلى أن النمو قد يصل إلى حد الانعدام إذا ما استبعدنا مُعدلات التضخم. كما حققت مُستلزمات الإنتاج أعلى نسبة نمو في تاريخها عام 2017 بنسبة 47% من مُخصصاتها عام 2016 عندما كانت تبلغ 7.5 مليارات جنيه مدفوعة في ذلك بمُعدلات التضخم التي بلغت مداها في عام 2017. على العكس من ذلك، حافظت صناعة الملابس الجاهزة على مُعدلات نمو مُستقرة دارت في مُعظم الأعوام حول 15%، كما بلغ إجمالي النمو خلال كامل الفترة نسبة 152%، مدفوعة في ذلك بالانحياز الحكومي المُتمثل في السماح باستيراد الأقمشة وعوائد دعم الصادرات كما سبقت الإشارة، ولم يكن استثناء من هذه القاعدة سوى عام 2016 الذي حققت فيه المُستلزمات نموًّا بنسبة 38% مُتأثرة في ذلك بمستويات التضخم التي ارتفعت إثر تحرير سعر صرف الجنيه في مُقابل الدولار.

رابعًا- قيمة الإنتاج

ترتفع ربحية النشاط كُلما كانت قيمة المُخرجات أعلى من قيمة المُدخلات، إذ يعني ذلك ارتفاع القيمة المُضافة للنشاط، وعلى صعيد القطاع العام فقد شهدت صناعة الغزل أعلى قيمة للإنتاج خلال فترة الدراسة بحلول عام 2017 عندما بلغت 4.29 مليارات دولار، في حين كانت قد بلغت عام 2007 ما إجماليه 2.67 مليار، وقد بلغت الصناعة هذه القيمة عبر مُعدل نمو 6% سنويًّا في المتوسط، بإجمالي 62% خلال إجمالي الفترة، في حين كان أعلى مُعدل نمو على الإطلاق في عام 2017 وذلك بنسبة 41%. وبالنسبة لصناعة الغزل في القطاع الخاص فقد بلغت قيمة الإنتاج في 2017 ما إجماليه 15.4 مليار جنيه، في حين كانت قد حققت 7.91 مليارات جنيه في 2007، كما حققت مُعدلات نمو بنسبة 7% سنويًا في المتوسط، وبإجمالي نسبة 74% خلال إجمالي الفترة، وهنا تظهر الفروق التنظيمية بين القطاعين، ففي حين نمت مُستلزمات الإنتاج بذات النسب، فقد حقق القطاع الخاص نسب إنتاج أعلى، وبالتالي فإن مؤسسات القطاع الخاص تبدو أكفأ إنتاجيًّا من هذه الناحية. كما ظل عام 2017 يُمثل طفرة بالنسبة لمُعدلات النمو في القطاع، حيث بلغت نسبة النمو فيه 27%، وهي أعلى نسبة خلال الفترة. وبالنظر إلى صناعة الملابس الجاهزة نجد أن قيمة الإنتاج بلغت في 2017 ما إجماليه 13 مليار جنيه تقريبًا، في حين كانت تبلغ 3.8 مليارات جنيه في عام 2007، وبالتالي فقد حققت نسب نمو أفضل من صناعة الغزل في كلا القطاعين، حيث بلغ متوسط مُعدلات نموها 14% سنويًا، بإجمالي 136% خلال كامل الفترة، وظل عام 2017 يمُثل أعلى نسب نمو خلال الفترة، حيث حققت الصناعة خلاله مُعدل 41% نموًّا، إذ ارتفعت قيمة الإنتاج من 9.1 مليارات جنيه في 2016، ويوضح الشكل التالي تطور قيمة الإنتاج للصناعتين خلال فترة الدارسة.

بالإضافة إلى ما سبق فإن هناك زاويتين أخريين يجب النظر إليهما حيث تُعطيان صورة أفضل عن الكفاءة الإنتاجية في كل صناعة، وهما أولًا إنتاجية العامل، وثانيًا العائد على مُستلزمات الإنتاج، وبالنسبة للأولى فإنها تُحسب بقسمة إجمالي قيمة الإنتاج الصناعي على عدد العُمال، وقد بلغت إنتاجية العامل في صناعة الغزل في القطاع العام الأدنى بين الصناعتين وفي القطاعين حيث بلغت في المتوسط 46 ألف جنيه سنويًّا خلال فترة الدراسة، بلغت أقصاها على الإطلاق في عام 2017 عند مستوى 80 ألف جنيه سنويًّا، بينما أدناها كان عام 2007 بما قيمته 32 ألف جنيه سنويًّا. وعلى العكس من ذلك، بلغت إنتاجية العامل في صناعة الغزل بالقطاع الخاص الأعلى وذلك بمتوسط 157.9 ألف جنيه سنويًّا، وظل عام 2017 هو الأعلى وذلك عند مستوى 289 ألف جنيه سنويًّا. أما بالنسبة لصناعة الملابس الجاهزة فقد بلغت الإنتاجية في المتوسط 86.3 ألف جنيه، في حين بلغت الإنتاجية في عام 2017 مستوى 183 ألف جنيه كأعلى نسبة في تاريخ الصناعة. وعند الانتقال إلى العائد على مُستلزمات الإنتاج يتضح أن صناعة الملابس الجاهزة كانت الأفضل وذلك بعائد قدره 190% في المتوسط خلال فترة الدراسة، يحل بعدها صناعة الغزل في القطاع العام وذلك بعائد 173% في المتوسط، وفي ذيل القائمة تأتي صناعة الغزل في القطاع الخاص وذلك بنسبة 150%.

مما سبق يتضح مُعاناة صناعة الغزل والنسيج في القطاعين العام والخاص، وإن كانت في القطاع الخاص تتميز بإنتاجية أعلى نسبيًّا من نظيرتها في القطاع العام، كما اتضح أن صناعة الملابس الجاهزة ظلت في وضع أفضل منذ عام 2002 بسبب ما تتلقاه من مُعاملة تفضيلية. وتتمثل هذه المعاملة في عدم وجود قيود على استيراد الأقمشة من ناحية، بالإضافة إلى حصولها على إعانات تصدير عن إنتاجها، وهو ما جعل المُستثمرين يفضلونها على صناعة الغزل. كما اتضح جليًّا تأثير ما تلا ثورة 25 من يناير على الصناعتين والقطاعين، حيث دخلتا في مُنحى هبوط حادٍّ من حيث عدد المُنشآت أو عدد العمال لم يتوقف إلا في عام 2017 بفعل برنامج الإصلاح الاقتصادي من ناحية وبرنامج إعادة النهوض بالصناعة، سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، من ناحية أخرى. ومثّل بذلك عام 2017 نقطة تحول في مؤشرات الصناعتين في القطاعين، وحققت خلاله مُعظم المؤشرات أرقامًا قياسية، مدفوعةً في جزء منها بمُعدلات التضخم المُرتفعة، ومن المُرجّح أن تستمر هذه المؤشرات في الارتفاع حال التزام الحكومة بخططها في تطوير القطاعين.

د. محمد شادي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة