وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف نجح البنك المركزي المصري في السيطرة على التضخم وسعر الصرف؟

في الثالث من نوفمبر عام 2016 فوجئ المصريون بقرار تحرير سعر الصرف من قبل البنك المركزي، والذي صاحبه ارتفاع في أسعار الفائدة بمقدار 3%، لترتفع أسعار الصرف الرسمية من 8.78 جنيهات للدولار لتصل إلى 13 جنيهًا للدولار في اليوم نفسه تقريبًا. وقد استمر انخفاض سعر الجنيه ليستقر لفترة عند حدود 18.5 جنيهًا للدولار. وقد واجه البنك المركزي العديد من الانتقادات خلال تلك المرحلة بعضها استمر إلى يومنا هذا. الواقع الاقتصادي عقب يناير 2011 في حقيقة الأمر، لا يمكن فهم سياسات البنك المركزي الأخيرة دون التأمل أولًا في المتغيرات السياسية والاقتصادية التي أثرت في كلٍّ من التضخم وسعر الصرف خلال الفترة…

أبانوب شنودة

في الثالث من نوفمبر عام 2016 فوجئ المصريون بقرار تحرير سعر الصرف من قبل البنك المركزي، والذي صاحبه ارتفاع في أسعار الفائدة بمقدار 3%، لترتفع أسعار الصرف الرسمية من 8.78 جنيهات للدولار لتصل إلى 13 جنيهًا للدولار في اليوم نفسه تقريبًا. وقد استمر انخفاض سعر الجنيه ليستقر لفترة عند حدود 18.5 جنيهًا للدولار. وقد واجه البنك المركزي العديد من الانتقادات خلال تلك المرحلة بعضها استمر إلى يومنا هذا.

الواقع الاقتصادي عقب يناير 2011

في حقيقة الأمر، لا يمكن فهم سياسات البنك المركزي الأخيرة دون التأمل أولًا في المتغيرات السياسية والاقتصادية التي أثرت في كلٍّ من التضخم وسعر الصرف خلال الفترة من ثورة يناير وحتى نوفمبر 2016 التي جعلت من الإصلاح ضرورة لا رفاهية. ونشير فيما يلي إلى أبرز هذه المتغيرات:

– في أعقاب يناير 2011 شهد الاقتصاد المصري تدهورًا كبيرًا في كافة المجالات، شمل: تراجع معدل النمو الاقتصادي، وارتفاع معدل البطالة، وتراجع معدلات الاستثمار، فضلًا عن ارتفاع عجز الموازنة، وغيرها.

– تدهور الأوضاع السياسية والأمنية، بالإضافة إلى سلسلة الأعمال الإرهابية التي تسببت في هروب المستثمرين الأجانب وتراجع معدلات السياحة.

– تزايد اعتماد مصر على الواردات، وحدوث تراجع في حجم الصادرات كنتيجة لتراجع معدلات نمو الناتج المحلي ومعدلات الاستثمار ومعدلات التشغيل.

– تدخل البنك المركزي بمجموعة من القرارات لتحجيم سوق الصرف من أجل ضمان توفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الأساسية خلال الفترة من 2012 وحتى 2015، حيث قام بوضع قيود على السحب والإيداع وتحويل العملات الأجنبية.

– بالرغم من أن بعض هذه القرارات كانت ضرورية لمواجهة الأزمة، إلا أنه نتج عنها تراجع قدرة القطاع الرسمي على توفير العملات الأجنبية، مما انعكس في ظهور سوق موازية لسعر الصرف.

– تفاقمت الأزمة لتصل إلى أسوأ أوضاعها في أعقاب سقوط الطائرة الروسية في أكتوبر 2015، حيث تراجعت إيرادات السياحة إلى نحو 3.8 مليارات دولار فقط مقارنة بنحو 7.4 مليارات دولار في العام السابق (2014)، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2004، حيث تراجع عدد السائحين إلى 5.4 ملايين سائح خلال عام 2016 مقارنة بمتوسط 9.6 ملايين سائح في السنوات الثلاث السابقة.

– تراكم تلك الاختلالات تسبب في نزيف الاحتياطيات الأجنبية، حيث تراجع حجم هذه الاحتياطيات من 36 مليار دولار قبل يناير 2011 ليصل إلى 20 مليار دولار في يونيو 2015، واستمر في التراجع ليصل إلى 16.5 مليار دولار تقريبًا في يناير 2016.

نتيجة لما سبق، ومع تراجع مصادر النقد الأجنبي، اشتد عجز العملات الأجنبية في القطاع المصرفي، حيث سجل صافي الأصول الأجنبية (جميع الأصول الأجنبية التي يملكها القطاع المصرفي مطروح منها الالتزامات الأجنبية المطلوبة من القطاع المصرفي) أدنى مستوياته بعجز يعادل 197 مليار جنيه في نهاية عام 2016، وهو ما أوشك أن يتسبب في أزمة اقتصادية (أزمة عملة، وهي الأزمة التي تنتج عن نقص شديد في العملات الأجنبية، والذي يتسبب بتوقف بعض القطاعات الاقتصادية، أو عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها السيادية بالعملات الأجنبية، وغالبًا ما يصاحب أزمات العملة انهيار أسعار الصرف وارتفاع معدلات التضخم). وكان هناك احتمال عدم قدرة الدولة على توفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الأساسية، ومنها المواد البترولية والغذائية، فضلًا عن التأخر في سداد مستحقات الشركات الأجنبية العاملة في مصر. كما تفاقمت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر في السوق الموازية.

إجراءات الإصلاح

قام البنك المركزي بالقرار الأصعب في عملية الإصلاح الاقتصادي، وهو تحرير سعر الصرف اعتمادًا على قوى العرض والطلب داخل السوق. وكانت أهداف البنك المركزي من الإصلاح النقدي وتحرير سعر الصرف واضحة منذ البداية حتى وإن لم يتم إعلانها بشكل رسمي، والتي يمكن توضيحها فيما يلي: 

– إصلاح التشوه السعري بسوق الصرف والقضاء على السوق الموازية. 

– تمكين الدولة من توفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الأساسية، والوفاء بالتزاماتها نحو الشركات الأجنبية العاملة بالسوق المصرية.

– بناء الاحتياطي الأجنبي لمستويات ما قبل أحداث يناير 2011 ليغطي الواردات لمدة 6 أشهر على الأقل. 

– جذب الاستثمارات الأجنبية. 

– السيطرة على الموجة التضخمية الناتجة عن تحرير سعر الصرف، وتحقيق مستهدفات السياسة النقدية في استقرار الأسعار على الأجل المتوسط. 

– عقب تحرير سعر الصرف، شهد سعر صرف الجنيه المصري للدولار الأمريكي انخفاضًا من 8.78 جنيهات للدولار إلى 13 جنيهًا للدولار في اليوم نفسه تقريبًا. وقد استمر في الانخفاض ليستقر عند حدود 18.5 جنيهًا للدولار بعد هذا القرار، وهو ما تسبب في موجة تضخمية، حيث تخطت معدلات التضخم 33% في يوليو 2017.

وقد عمل البنك المركزي على تحقيق هذه المستهدفات منذ تحرير سعر الصرف وحتى الآن عبر الإجراءات التالية: 

– تخفيف القيود الرقابية التي سبق فرضها على عمليات النقد الأجنبي، ومن أهمها حدود السحب والإيداع، والتي ساهمت في القضاء على السوق الموازية للنقد الأجنبي.

– توفير العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد السلع الأساسية، وكذلك سداد مستحقات الشركات الأجنبية العاملة بالسوق المصرية.

– بناء الاحتياطيات الأجنبية التي وصلت إلى مستويات تاريخية بالرغم من المخاطر التي تعرضت لها الأسواق الناشئة في منتصف عام 2018. 

– اتباع سياسة نقدية تقييدية من أجل السيطرة على معدلات التضخم، والتي تضمنت استخدام مزيج من أدوات السياسة النقدية، ومنها: سعر الفائدة، ونسبة الاحتياطي الإلزامي، وعمليات السوق المفتوح OMO للسيطرة على مستويات السيولة بالسوق المصرفية. 

– إعلان مستهدفات التضخم في البيانات الصحفية للجنة السياسة النقدية لأول مرة في تاريخ البنك المركزي ما أدى إلى زيادة مستويات ثقة المستثمرين والمستهلكين في الاقتصاد المصري، وقدرة البنك المركزي على السيطرة على معدلات التضخم.

نتائج عملية الإصلاح

نجحت الإجراءات السابقة في تحقيق عدد من النجاحات المهمة، نشير فيما يلي إلى أبرزها: 

– سرعان ما بدأت السوق المصرية في التأقلم مع هذه التغيرات، حيث شهدت الفترة من مارس 2017 إلى يوليو 2019 تراجعًا قويًّا في سعر صرف الدولار، حيث انخفض من 18.30 تقريبًا في منتصف شهر مارس عام 2017 ليصل إلى 16.55 في نهاية يوليو 2019 بتراجع قيمته 1.75 جنيه، بنسبة 9.5%. 

– تحسن مصادر النقد الأجنبي، فقد أرجع تقرير لبنك Deutsche bank في 27 يونيو 2019 تحسن أداء الجنيه المصري أمام الدولار إلى جاذبية الاقتصاد المصري لاستثمارات المحافظ الأجنبية، خاصة من خلال القطاع المصرفي، بالإضافة إلى تحسن مصادر النقد الأجنبي التقليدية (السياحة، تحويلات العاملين بالخارج، قناة السويس). 

– تراجع معدلات التضخم بوتيرة أسرع مما كان متوقعًا من قبل المحللين، حيث كان من المتوقع أن يصل معدل التضخم في يونيو 2019 بين 10.1% – 11.3%، إلا أنه وصل في يونيو 2019 إلى 9.4%. واستمر معدل التضخم في الانخفاض ليصل إلى 8.7% في يوليو 2019 وهو أدنى مستوى له منذ يناير 2016، ما انعكس على توقعات المحللين بنجاح البنك المركزي في تحقيق مستهدفات السياسة النقدية بتراجع التضخم دون مستوى 10% بنهاية عام 2019 بالرغم من احتمال ارتفاع معدل التضخم بشكل طفيف كنتيجة لتحريك أسعار الطاقة والمواد البترولية. 

– ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية لتصل إلى 44.5 مليار دولار تقريبًا.

– تحسن جاذبية الاقتصاد المصري للاستثمارات الأجنبية، خاصة استثمارات المحافظ الأجنبية، وفقًا لتقرير بنك سيتي جروب في 16 يونيو، والذي أشار إلى جاذبية الدين المصري للاستثمارات الأجنبية، وذلك نتيجة أن العائد على أذون الخزانة أعلى من معدلات التضخم بما يضمن تحقيق الأرباح للمستثمرين الأجانب، في حين حذر التقرير من الاستثمار في الأصول التركية نتيجة تقلبات الليرة التركية وتراجع الاحتياطيات الأجنبية لدولة تركيا، وهو ما دعمه تقرير بلومبرج الصادر في 6 أغسطس الذي أشار إلى تدخل الرئيس التركي والذي تسبب في خفض أسعار الفائدة بنسبة 4% ليصل سعر الفائدة إلى 19.75%. وبالرغم من هذا لا يزال الرئيس التركي يطالب بتخفيض أكبر في أسعار الفائدة في ظل تراجع معدلات التضخم وخفض الولايات المتحدة لأسعار الفائدة. 

– لا يزال من المتوقع استمرار ارتفاع قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي؛ فوفقًا لـ”جاسون داو” Jason Daw (المحلل ببنك سوستيه جنيرال) من الممكن أن يصل سعر الصرف إلى 16 جنيهًا بنهاية عام 2019. وقد أشار التقرير أيضًا إلى أن أذون الخزانة المصرية لا تزال تعتبر الأصول المفضلة في الأسواق الناشئة بإفريقيا تتبعها نيجيريا وغانا. 

مما سبق، يتضح أن تحرير سعر الصرف كان ضرورة حتمية فرضتها التغيرات السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد في الفترة من يناير 2011 وحتى نوفمبر 2016.

وبالرغم من النتائج الإيجابية التي تحققت خلال الفترة الأخيرة؛ إلا أن الاقتصاد المصري لا يزال -كغيره من الاقتصادات عمومًا، والاقتصادات النامية خصوصًا- يتعرض للعديد من المخاطر التي قد تؤثر على معدلات التضخم وأسعار الصرف نظرًا للطبيعة العالمية لبعض المتغيرات، حيث لا يكون التأثر فقط بتطورات الاقتصاد المحلي، وإنما أيضًا بالأسواق العالمية، سواء كانت الأسواق المالية أو أسواق السلع. وما لا يمكن إغفاله أن النتائج الإيجابية التي شهدها الاقتصاد المصري مؤخرًا -كما سبق أن أوضحنا- لم تكن وليدة الصدفة، وإنما نتيجة لسياسة واضحة تم تنفيذها بإتقان من جانب البنك المركزي الذي استطاع الخروج بالاقتصاد المصري من أزمة حقيقية. 

المصدر: البنك المركزي المصري 

المصدر: بلومبرج

يوليو – مارس 9 أشهر فقط لا عام. 

المصدر: البنك المركزي المصري

المصدر: البنك المركزي المصري

أبانوب شنودة