تنمية ومجتمع

نظام التعليم الجديد يتطلب إعدادًا جديدًا للمعلمين أيضًا

صَاحَبَ التغيير الذي أدخلته وزارة التربية والتعليم على نظام التعليم في مصر حالة من الارتباك بين المعلمين بسبب عدم وضوح الرؤية، وتغير أدوار المعلم عما كانت عليه سابقًا. فقد بدأت الوزارة في تطبيق منظومة التعليم الجديدة منذ عامين، في محاولة لإصلاح المشكلات التي عانى منها التعليم المصري على مدار سنوات، فقدمت لمرحلة رياض الأطفال والصفوف الابتدائية نظام التعليم (2.0) بما يحتويه من مناهج وآليات تقييم جديدة تمامًا، وللمرحلة الثانوية قدمت نظام (1.1) الذي يعتمد على استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة في تنفيذ المناهج، وتقليل اعتماد الطلاب على المعلم لتحصيل المعلومات والمعارف، وتحفيزهم لاستخدام بنك المعرفة في التعلم الذاتي، وتعديل نظام التقييم…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

صَاحَبَ التغيير الذي أدخلته وزارة التربية والتعليم على نظام التعليم في مصر حالة من الارتباك بين المعلمين بسبب عدم وضوح الرؤية، وتغير أدوار المعلم عما كانت عليه سابقًا. فقد بدأت الوزارة في تطبيق منظومة التعليم الجديدة منذ عامين، في محاولة لإصلاح المشكلات التي عانى منها التعليم المصري على مدار سنوات، فقدمت لمرحلة رياض الأطفال والصفوف الابتدائية نظام التعليم (2.0) بما يحتويه من مناهج وآليات تقييم جديدة تمامًا، وللمرحلة الثانوية قدمت نظام (1.1) الذي يعتمد على استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة في تنفيذ المناهج، وتقليل اعتماد الطلاب على المعلم لتحصيل المعلومات والمعارف، وتحفيزهم لاستخدام بنك المعرفة في التعلم الذاتي، وتعديل نظام التقييم لتصبح الاختبارات بنظام الكتاب المفتوح. وقد أفرز هذا النظام حاجة ملحة إلى اتباع أساليب جديدة في إعداد المعلمين من شأنها تمكينهم من الوفاء بمتطلبات النظام التعليمي الجديد، الأمر الذي لا يبدو أنه قد حدث بشكل كافٍ حتى الآن.

وتوضح إحصاءات وزارة التربية والتعليم أن عدد المعلمين في الوزارة بلغ مليونًا و38 ألف معلم، وأشار الوزير في أكتوبر الماضي إلى أن الوزارة تحتاج إلى 320 ألف معلم إضافي، ما دفع الوزارة إلى فتح باب التعاقد مع 120 ألف معلم خلال العام الدراسي الجاري لسد العجز -وهو ما لم يحدث حتى الآن- بشرط حصول المتقدمين على عدد من الشهادات مثل (التنال ICDL- STEM – IELTS – DELF-) بالإضافة إلى المؤهل الجامعي في التربية، في إشارة ضمنية إلى أن الإعداد الجامعي وحده لم يعد كافيًا للوفاء باحتياجات النظام الجديد.

الإعداد الجامعي

تتنوع الكليات المسئولة عن تأهيل وتخريج المعلمين بين كليات التربية وكليات التربية للطفولة المبكرة وكليات التربية النوعية وكليات التربية الرياضية. ويبلغ عدد هذه الكليات مجتمعة 84 كلية، موزعة على 26 جامعة، وبلغ عدد خريجيها في عام 2017 -وفق النشرة السنوية لخريجي التعليم العالي الصادرة في نوفمبر 2018 عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء- أكثر من 53 ألف خريج.

تتبع كليات التربية في الجامعات المصرية نظامين في إعداد المعلمين، هما النظام التكاملي الخاص بالطلاب الحاصلين على شهادة الثانوية العامة ويرغبون في الالتحاق بكليات التربية، والنظام التتابعي الخاص بخريجي الكليات الأخرى الراغبين في العمل بمهنة التدريس. ويشمل برنامج الإعداد التكاملي الذي يمتد لمدة أربع سنوات، هي مدة الدراسة في كليات التربية، ثلاثة مكونات أساسية هي: المكون التخصصي الذي يشكل (60-65%) من إجمالي عدد الساعات الكلية للبرنامج، والمكون المهني الذي يشكل (20-25%) من إجمالي عدد الساعات الكلية للبرنامج، والمكون الثقافي الذي يشكل (10-15%) من إجمالي عدد ساعات البرنامج. ويُمنح الطالب درجة بكالوريوس العلوم والتربية أو ليسانس الآداب والتربية في الشعب المختلفة. ويعد النظام التكاملي هو النظام الأساسي لإعداد المعلمين، حيث يسير الإعداد التخصصي والتربوي في مسارين متوازيين خلال السنوات الأربع للدراسة.

أما النظام التتابعي فيختص بالراغبين في الالتحاق بمهنة التدريس من خريجي الكليات الأخرى مثل الآداب والعلوم والتجارة وغيرها، حيث يحصل المتقدمون على دبلوم عام في التربية بعد دراسة المواد التربوية فقط خلال عام واحد بالنسبة للطلاب المتفرغين للدراسة أو عامين للطلاب غير المتفرغين.

وتجدر الإشارة إلى أنه بجانب حصول طلاب كليات التربية أو طلاب الدبلوم العام في التربية على المعارف الأكاديمية والتربوية من خلال الدراسة، فإنهم يمارسون التدريب الميداني على مهارات التدريس في المدارس الحكومية مرة أسبوعيًّا على مدار السنتين الثالثة والرابعة للطلاب في مرحلة الإعداد الجامعي، والعام الدراسي أو العامين لطلاب الدبلوم العام، بالإضافة إلى تدريبات التدريس المصغر لتمكينهم من مهارات التحضير الجيد للدروس واختيار استراتيجيات التدريس والوسائل المناسبة لتحقيق النتائج المرجوة من الدرس. لكن وفقًا لكثيرين من طلاب كليات التربية فإن الطلاب لا يحصلون على الفرصة الكاملة في هذا التدريب، وأنهم نادرًا ما يقومون بالتدريس داخل الفصل بأنفسهم نتيجة ارتباط معلمي الفصول بجدول زمني لإنهاء المقرر الدراسي، وعدم تواجد المشرف الجامعي الموكل إليه ضمان سير التدريب وفق الخطة المقررة.

الأكاديمية المهنية للمعلمين: بداية التطوير.. ولكن

مع صدور القانون (155) لسنة 2007 الخاص بكادر المعلمين، وإنشاء الأكاديمية المهنية للمعلمين عام في 2008، أصبح من الشروط الأساسية للتعيين في وظائف التعليم الحصول على مؤهل عالٍ تربوي أو مؤهل عالٍ مناسب، بالإضافة إلى شهادة (إجازة) تأهيل تربوي. كما أصبحت الرخصة الدولية لقيادة الحاسب الآلي (ICDL)، وبعض التدريبات التكنولوجية ضمن شروط الحصول على شهادة الصلاحية لمزاولة مهنة التعليم، ما يعني أن استجابة المعلمين للتطور التكنولوجي والمتطلبات التربوية الحديثة لم تعد أمرًا اختياريًّا، بل ضرورة مفروضة.

ومنذ صدور هذا القانون أصبحت الأكاديمية المهنية للمعلم هي الجهة المسئولة عن تدريب وترقية المعلمين في مصر، وتتمثل مسئوليات الأكاديمية في إعداد ومراجعة معايير التنمية المهنية والترقي للمعلمين والمشرفين والعاملين في مجال التعليم بصفة مستمرة، وإجازة الشهادات للمعلمين ومنح شهادة الصلاحية لشغل الوظيفة، واعتماد مقدمي برامج التنمية المهنية، وجميع خدمات التدريب وإجراء الاختبارات، ودعم البحوث والدراسات في المجالات التربوية والتعليمية وتشجيع الاستفادة بنتائجها.

وتتناول البرامج التدريبية التي تقدمها الأكاديمية تنمية المهارات الإدارية، واستراتيجيات التعليم والتعلم، وإدارة الوقت، والتركيز على المتعلم. لكن هناك بعض الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على التدريبات التي تقدمها الأكاديمية، حيث يتم تدريب المعلمين أثناء العام الدراسي وليس أثناء إجازات نصف العام أو آخر العام، الأمر الذي يؤثر على انتظام المعلمين في تقديم الخدمة التعليمية طوال فترة التدريب، كما أنه لا يتم قياس أثر التدريبات التي يتلقاها المعلمون، أي إن المعلم يذهب إلى فرع الأكاديمية لتلقي التدريب ويتم تسجيل حضوره وانصرافه من قاعة التدريب، ثم يعود إلى المدرسة ليتابع عمله، دون قياس ما إذا كان يطبق ما تلقاه أثناء التدريب، أم أنه ما زال يقوم بالعمل بنفس طريقته القديمة.

احتياجات النظام التعليمي الجديد والاصطدام بالواقع

تحتاج عملية التطوير التي تقوم بها وزارة التربية والتعليم في الوقت الراهن إلى معلم قادر على الوفاء باحتياجات الطلاب المعرفية والمهارية والوجدانية كما هو مخطط في مناهج مرحلتي رياض الأطفال والتعليم الابتدائي، وتقديم المحتوى العلمي للمرحلة الثانوية بالكامل باستخدام “التابلت” و”بنك المعرفة المصري”، أي إن النظام الجديد يحتاج إلى معلمين مؤهلين تربويًّا وأكاديميًّا وتكنولوجيًّا. وتقسم دراسة علمية بعنوان “الاحتياجات التدريبية لمعلمي المدارس الثانوية العامة” مجموعة التدريبات التي يحتاجها المعلمون في النظام التعليمي الجديد إلى:

– معارف ومهارات تتعلق بالتعامل مع تكنولوجيا المعلومات والتعليم والتعلم الإلكتروني.

– معارف ومهارات تتعلق بالاستراتيجيات التدريسية (التعلم الذاتي، التعلم التعاوني، التعلم البحثي، التعلم الاستكشافي، التعلم القائم على حل المشكلات).

– معارف ومهارات تتعلق بأساليب التقويم (استقبال الأسئلة وحلها وحفظها إلكترونيًّا، ماهية بنوك الأسئلة وكيفية بنائها، تصحيح الامتحانات إلكترونيًّا).

– معارف ومهارات تتعلق بأساليب إدارة الفصل (إدارة الوقت، تفعيل دور الطلاب داخل غرفة الدراسة، تشجيع التعلم الذاتي، إرشاد الطلاب لمصادر المعلومات المتنوعة).

وبالرغم من عدم تدريب المعلمين على كل ما سبق، والتأكد من جاهزيتهم للنظام التعليمي الجديد؛ إلا أن الوزارة قررت أن تبدأ في تطبيق النظام، وأن تستثمر في إعداد المناهج الجديدة بشكل متسارع، بحيث تنتهي مرحلة إعداد المناهج الجديدة لكل المراحل الدراسية خلال 3 سنوات بدلًا من 10 سنوات كما كان مقررًا قبل ذلك، لضمان امتلاك مصر مناهج جديدة تتسق مع رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030. كما أن هناك تعاونًا مع عدد من الوزارات لإدخال مفاهيم جديدة في المناهج، خاصة المفاهيم المتعلقة بالبيئة والسياحة والتاريخ والهوية، الأمر الذي يؤكد وجود فجوة بين التطور في المناهج من ناحية، وإعداد المعلمين للتعامل مع هذا التطور من ناحية أخرى.

ويترتب على ذلك ظهور حاجة ملحة إلى إكساب المعلمين مهارات تمكّنهم من التفاعل بإيجابية مع نوعية التعليم التي يفرضها النظام الجديد، ليكونوا قادرين على فهم علوم العصر وتقنياته المتطورة بشكل مستمر، وتوظيفها بالشكل الأمثل في العملية التعليمية، وعرض المادة التعليمية بطريقة متميزة، وهذا يتطلب تطوير دور الأكاديمية المهنية للمعلمين في إعداد وتدريب المعلمين على كيفية توظيف هذه التقنيات في العملية التعليمية، وامتلاك استراتيجيات التدريس والتقويم المناسبة للتعامل مع النظام التعليمي الجديد الذي يعتمد بشكل كبير على توظيف التكنولوجيا، والتخلي عن الطرق التقليدية في التعليم والتعلم.

ترتيبًا على ما سبق، يتضح أن تطوير المناهج بوتيرة متسارعة لا يقابله الإعداد والتدريب المناسبان للمعلمين على نفس المنوال بما يخلق فجوة تعيق نجاح النظام الجديد بالشكل المأمول، حيث تفرض احتياجات هذا النظام واقعًا جديدًا على المعلمين، مطالبين فيه بتطوير قدراتهم في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، وفهم طرق التدريس التي تحقق النتائج المرجوة، وتطبيق استراتيجيات إدارة الفصل بصورة أكثر فاعلية، وإتقان المهارات اللازمة لنظام التقييم الجديد، وهو ما يجب أن تقدمه الأكاديمية المهنية للمعلمين بعيدًا عن التدريبات التقليدية، مع وضع آليات جديدة لقياس أثر التدريب الذي يتلقاه المعلمون، وإعادة النظر في توقيتات هذه التدريبات حتى لا تؤثر على سير الدراسة.

كما يلقي نظام التعليم الجديد مسئولية إضافية على عاتق كليات التربية، التي تحتاج إلى تطوير أساليب الإعداد التي تطبقها لتخريج معلمين أكفاء أكاديميًّا وتربويًّا قادرين على التعامل مع مقتضيات النظام الجديد. كما يتطلب الأمر درجة أعلى من التعاون بين كليات التربية والأكاديمية المهنية للمعلمين في وضع خطط وبرامج يكون مُخرجها النهائي معلمًا قادرًا على تقديم خدمة تعليمية جيدة.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة