تنمية ومجتمع

التمويل.. كلمة السر في نجاح نظام التأمين الصحي الشامل

يقوم مبدأ التغطية الصحية الشاملة على توفير التمويل اللازم لتأمين الرعاية الصحية لكل من يحتاجها، وبالتالي فإن مصادر وخطط التمويل التي تعتمدها الدول في القطاع الصحي تؤثر وبشكل كبير في تحقيق التغطية الصحية الشاملة. ومن هنا نشأ نظام التأمين الصحي الذي يعتبر بمثابة نظام اجتماعي يقوم على أساس من التعاون والتكافل بين الأفراد لتحمل ما يعجز عن تحمله أحدهم بمفرده، حيث توفر الحكومات عبر تطبيق نظام التأمين الصحي حماية من المخاطر المالية لمواطنيها من خلال تجميع الإيرادات الحكومية والضرائب واشتراكات التأمين الصحي، لتوزيع المخاطر المالية للاعتلال على جميع المواطنين، بما يتضمن نوعًا من الدعم غير المباشر من الأغنياء للمرضى من…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

يقوم مبدأ التغطية الصحية الشاملة على توفير التمويل اللازم لتأمين الرعاية الصحية لكل من يحتاجها، وبالتالي فإن مصادر وخطط التمويل التي تعتمدها الدول في القطاع الصحي تؤثر وبشكل كبير في تحقيق التغطية الصحية الشاملة. ومن هنا نشأ نظام التأمين الصحي الذي يعتبر بمثابة نظام اجتماعي يقوم على أساس من التعاون والتكافل بين الأفراد لتحمل ما يعجز عن تحمله أحدهم بمفرده، حيث توفر الحكومات عبر تطبيق نظام التأمين الصحي حماية من المخاطر المالية لمواطنيها من خلال تجميع الإيرادات الحكومية والضرائب واشتراكات التأمين الصحي، لتوزيع المخاطر المالية للاعتلال على جميع المواطنين، بما يتضمن نوعًا من الدعم غير المباشر من الأغنياء للمرضى من الفقراء. 

ويُعتبر إصدار قانون التأمين الصحي الشامل الجديد هو أول الخطوات الجادة التي اتّخذتها مصر في الطريق نحو تحقيق التغطية الصحية الشاملة، بما يعنيه ذلك من أن يكون للدولة نظام صحي قوي وفعال متاح للجميع وبأسعار ميسّرة.

ويتناول هذا المقال مشكلات نظام التأمين الصحي الحالي في مصر، وكيف يمكن لنظام التأمين الصحي الشامل الجديد حماية المواطنين من العوز المادي الناتج عن اعتلال الصحة.

حالة نظام التأمين الصحي الحالي

ترجع بداية تطبيق نظام التأمين الصحي الاجتماعي الحالي كنظام أساسي في تقديم الخدمات الصحية للمواطنين إلى عام 1964. ومنذ هذا التاريخ صدر العديد من التشريعات والقوانين التي استهدفت تحسين هذا النظام، وتوسيع قاعدة المستفيدين منه.

ورغم أن المنظومة الحالية تغطي حوالي 58% من المواطنين (العاملون المدنيون بالجهاز الإداري للدولة، والهيئات والوحدات العامة، وطلاب المدارس من رياض الأطفال حتى المرحلة الثانوية، والأطفال دون سن المدرسة)، إلا أنه وفقًا لآخر تقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية بشأن الوضع الصحي في مصر؛ فإن نحو 59% من الإنفاق على الخدمات الصحية يأتي من الأسرة نفسها، فيما يأتي حوالي 32% منها من الإنفاق الحكومي العام، ويأتي الباقي من المنظمات والهيئات غير الحكومية.

لجوء المواطنين للعلاج في المستشفيات والعيادات الطبية الخاصة هو نتيجة طبيعية لتدني مستوى الخدمات الطبية العامة، ونقص المستحضرات الدوائية والمستلزمات الطبية في المراكز والوحدات والمستشفيات الحكومية. لقد أدى انخفاض أجور الأطباء والإداريين بالمستشفيات الحكومية إلى وجود عجز في العنصر البشري والكوادر الطبية المؤهلة، وذلك بجانب عدم تطبيق نظم المعلومات أو الإحصاءات، والنقص في عمل الدراسات اللازمة حول اقتصاديات الصحة. وكل هذا أدى إلى ضعف منظومة التأمين الصحي الحالية. 

ولعل السبب الرئيسي في ضعف نظام التأمين الصحي الحالي هو آلية التمويل التي يعتمد عليها هذا النظام؛ فالتحصيل المالي للاشتراكات يُطبق بشكل إجباري على العاملين وأصحاب المعاشات التابعين للجهاز الإداري للدولة والقطاع العام فقط، بالإضافة إلى تحصيل 10 قروش كضرائب عن كل علبة سجائر، وهو ما يعني قلة الموارد المالية المتاحة لتمويل نظام التأمين الصحي، ذلك أن الإيرادات التي يتم جمعها للإنفاق على النظام تعتمد بشكل رئيسي على النسبة التي يتم تخصيصها لقطاع الصحة في الموازنة العامة للدولة والتي بلغت هذا العام 73 مليار جنيه. وكما يتضح من الشكل التالي، ذهب منها حوالي 23 مليار جنيه لتغطية نفقات نظام التأمين الصحي التقليدي خلال العام المالي 2019/2020.

ويعاني النظام الحالي للخدمة الصحية من مشكلة أخرى وهي تعدد وتداخل جهات تقديم الخدمة الصحية، الأمر الذي يؤدي إلى سوء توزيع وإدارة الموارد المالية التي تُنفقها الدولة لتوفير الخدمات الصحية للمواطنين، فالنظام المتبع حاليًّا يعتمد على وجود أكثر من متحكم في الموارد المالية (وزارة الصحة والسكان، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وهيئة التأمين الصحي)، بما يعني أن كل جهة تُنفق الجزء المخصص لها من قبل الدولة على المستشفيات التابعة لها وفقًا لقواعد ومعايير مختلفة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تقديم خدمات طبية مختلفة الجودة والتكلفة.

وفي وزارة الصحة وهيئة التأمين الصحي التابعة لها، التي تُعد المصدر الأكبر للخدمات الصحية العامة في مصر، فإن تمويل المنشآت الطبية يتم من خلال ميزانية معدّة مسبقًا للمستشفيات والوحدات الطبية التابعة، أي يتم تحديدها وفقًا للبيانات التي ترسلها المستشفيات عن احتياجاتها في الأعوام السابقة، في ظل غياب تقييم للأداء الفعلي لهذه المنشآت الطبية، وغياب الرقابة وآليات المساءلة القانونية، وافتقاد التشريعات المناسبة، ما يؤدي إلى انخفاض جودة الخدمات الطبية المقدمة.

نظام التأمين الصحي الشامل الجديد

توفير نظام صحي يشمل جميع المواطنين هو أحد التحديات الأساسية التي اهتمت القيادة السياسية بإيجاد حلول لها. من هنا جاء إقرار قانون التأمين الصحي الشامل كبداية تهدف إلى إنشاء نظام صحي تكافلي يغطي وبشكل إلزامي جميع المواطنين المقيمين داخل جمهورية مصر العربية، على أن يكون اختياريًّا للمصريين العاملين بالخارج، وكذلك للمقيمين مع أسرهم بالخارج. ويغطي النظام الجديد جميع المصريين من لحظة الميلاد وحتى الوفاة في كافة أنحاء الجمهورية تدريجيًّا. ووفقًا لهذا النظام سوف يتم إلغاء العمل بنظام التأمين الصحي القديم، وكذلك إلغاء نظام العلاج على نفقة الدولة في كل مرحلة يتم تطبيق النظام الجديد بها.

وأبرز ما يُميز قانون التأمين الصحي الجديد مقارنة بالقانون المعمول به حاليًّا هو سعي الدولة للتحول من آلية التمويل غير الفعال المتبعة حاليًّا، لتمويل فعال مبني على أساس خطة استراتيجية لتلبية كافة الاحتياجات الصحية للمواطنين، والمساواة بينهم في تلقي خدمة صحية موحدة التكلفة وذات جودة عالية، مقابل مساهمات سيتم تحصيلها من المواطنين بشكل يتناسب مع دخولهم، مع الالتزام الكامل للدولة بتقديم الخدمات الصحية بنفس الجودة لغير القادرين على تحمل تكلفتها.

وتوافر مصادر تمويل كافية هو أهم مصادر قوة نظام التأمين الصحي الجديد. وتتنوع مصادر إيرادات نظام التأمين الصحي الجديد بشكل كبير؛ فبالإضافة إلى اشتراكات المواطنين والجزء المخصص للتأمين الصحي من الإنفاق العام على الصحة، سيتم أيضًا تحصيل مجموعة من الرسوم الإضافية لدعم الموارد المالية للنظام الجديد على النحو التالي:

– 75 قرشًا من قيمة كل علبة سجائر، و10% من قيمة كل وحدة مباعة من مشتقات التبغ غير السجائر.

– 20 جنيهًا عن كل عام عند استخراج أو تجديد رخصة القيادة.

– مبلغ يتراوح بين 50-300 جنيه عن كل عام عند استخراج أو تجديد رخص تسيير السيارات وفقًا للسعة اللترية للسيارة.

– تتولّى وزارة المالية تحصيل نسبة تُعادل اثنين ونصف في الألف من جملة الإيرادات السنوية للمنشآت الفردية والشركات والهيئات العامة الاقتصادية.

– تقوم وزارة الصحة بتحصيل رسوم التعاقدات مع العيادات الطبية والصيدليات ومراكز الأشعة والتحاليل والتي ستتراوح بين 1000-15000 جنيه.

وبالنسبة لنسب المساهمات التي سيتم تحصيلها من المواطنين فستكون نسبة معينة من الأجر الكلي للفرد، أي ستكون هناك عدالة في تحصيل نسب الاشتراكات، وسيقدم الدعم اللازم لمستحقيه من غير القادرين لدفع ثمن الخدمات الصحية.

ووفقًا للنظام الجديد سيتم إدارة نظام التأمين الصحي من خلال ثلاث هيئات تختص كل منها بجزء معين في مشروع التأمين الصحي، وهي: الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، والهيئة العامة للرعاية الصحية، والهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية. وستكون الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل هي الجهة المنوط بها إدارة وتجميع وتوزيع الموارد المالية التي سيتم إنفاقها على الخدمات الطبية، أي إنها ستكون مصدر التمويل الوحيد لجميع المنشآت الطبية التي تقدم الخدمة ضمن نظام التأمين الصحي الجديد، وهو ما يعني فصل التمويل عن تقديم الخدمة. وسيقع على عاتق هيئة التأمين الصحي مهمة إنهاء الفجوة بين إيرادات ونفقات التأمين الصحي، بجانب مواءمة الإصلاحات المتعلقة بتحسين الخدمات الصحية مع التغييرات في جمع الإيرادات الخاصة بالنظام الجديد، وذلك في إطار حوكمي فعال يتميز بالشفافية والوضوح في إدارة الموارد المالية لضمان الاستمرارية في تقديم أفضل الخدمات الطبية للمواطنين.

وقد جاءت انطلاقة المرحلة الأولى من مشروع التأمين الصحي الشامل الجديد في بداية شهر يوليو الجاري من محافظة بورسعيد، على أن تتبعها محافظات السويس، والإسماعيلية، وجنوب سيناء، وشمال سيناء، بالتدريج خلال المرحلة الأولى بتكلفة إجمالية قدرها 17.5 مليار جنيه وافقت على اعتمادها لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب للعام المالي 2019/2020. وسوف يتم التوسع في تطبيق النظام الجديد بشكل تدريجي. ولهذا الغرض تم تقسيم محافظات الجمهورية إلى ست مراحل، يستغرق استكمالها خمسة عشر عامًا.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة