وحدة الدراسات الأسيوية

مكافحة الصين لوباء فيروس “كورونا” يجسّد مزايا نظام الحوكمة

منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية قبل 71 سنة، مرت الأمة الصينية بالعديد من المحن في تاريخها، لكنها لم تُقهر قط، بل على العكس، أصبحت أكثر شجاعة ونضجًا وأقدر على تخطّي الصعوبات. يُعتبر تفشي الفيروس المستجد اختبارًا صعبًا للصين حكومةً وشعبًا، ولكن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني تُولِي أهمية كبيرة لهذه القضية، وتنفّذ سلسلة من الإجراءات، ويتّحد أبناء الشعب الصيني الذين يبلغ تعدادهم 1.4 مليار نسمة في معركة الدفاع المشترك والمراقبة المشتركة، وذلك في سبيل تفعيل النظام المؤسّسي للحكم الوطني في الصين، واستكشاف طرق جديدة لمواجهة حالة الطوارئ الصحية العامة في البلاد. وقد قال الرئيس الصيني “شي جين بينغ”: “نتائج عمل…

د. وانغ قوانغدا
أستاذ بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية بالصين

منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية قبل 71 سنة، مرت الأمة الصينية بالعديد من المحن في تاريخها، لكنها لم تُقهر قط، بل على العكس، أصبحت أكثر شجاعة ونضجًا وأقدر على تخطّي الصعوبات. يُعتبر تفشي الفيروس المستجد اختبارًا صعبًا للصين حكومةً وشعبًا، ولكن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني تُولِي أهمية كبيرة لهذه القضية، وتنفّذ سلسلة من الإجراءات، ويتّحد أبناء الشعب الصيني الذين يبلغ تعدادهم 1.4 مليار نسمة في معركة الدفاع المشترك والمراقبة المشتركة، وذلك في سبيل تفعيل النظام المؤسّسي للحكم الوطني في الصين، واستكشاف طرق جديدة لمواجهة حالة الطوارئ الصحية العامة في البلاد. وقد قال الرئيس الصيني “شي جين بينغ”: “نتائج عمل الوقاية من الفيروس والسيطرة عليه أظهرت مجدّدًا المميّزات الرائعة لقيادة الحزب الشيوعي الصيني ونظام الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”.

ترجمة المزايا السياسية والتنظيمية الهائلة إلى مزايا لكبح الوباء

يوجد في الصين نظام مؤسّسي وبيئة اجتماعية يمكنها أن تعزّز القوة الوطنية للاستفادة من الموارد البشرية والمالية والمادية بفعاليّة في الوقاية من الأوبئة ومكافحتها، وذلك تحت القيادة الموحّدة والتنسيق الموحّد للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، التي تعمل على توطيد الثقة ومساعدة الجميع لبعضهم بعضًا ودعم البحث العلمي، وصنع السياسات والتدابير وتطبيقها بدقّة، من أجل الفوز بهذه المعركة.

أ- قوة الدعوة العظيمة 

تزامنت أزمة الفيروس مع عطلة عيد الربيع الصيني، حيث يتوقّف إنتاج المصانع ويعود معظم العمّال إلى بيوتهم. ولكن في سباق مع الزمن للحدّ من انتشار الوباء والسيطرة عليه، دعت الحكومة الصينية مصانع الكمامات إلى استئناف الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد، وتعهّدت الحكومة أيضًا بأن تجمع الفائض من الكمامات وتخزنه بعد انتهاء الوباء، مما أدّى إلى عودة مصنّعي الكمامات إلى ممارسة أعمالهم في أسرع وقت. وحتى 19 فبراير بلغت الطاقة الإنتاجية اليومية لكمامة “إن-95” الطبية 30 ألفًا، وتم إعطاء الأولوية لمدينة ووهان في توفير هذا النوع من الكمامات، وهذا يعادل ضعف الطاقة الإنتاجية للأقنعة قبل الوباء. وكان من المستحيل أن يتحقّق هذا الهدف بدون نظام الحكم الوطني الذي يوحّد جهود الشعب الصيني بأكمله لمكافحة الفيروس المستجد.

ب- القدرة التنسيقية القوية 

بعد تلبية الطلب على المواد الطبية، تواجه الحكومة الصينية تحديات هائلة متمثلة في توزيع المواد حسب المتطلبات المختلفة ومستوى الطوارئ. فأنشأت الحكومة منصة على الإنترنت لتوفير الإمدادات، مع الأخذ في الاعتبار احتياجات جميع الأطراف، وإعطاء الأولوية للخطوط الأمامية. كما تم توفير متطلبات الوقاية من الوباء والسيطرة عليه في المناطق الأخرى. لذلك سرعان ما تم سد نقص المواد الطبية في مقاطعة هوبي، واستقرت الإمدادات في كافة أنحاء البلاد أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، وفرت هذه المنصة المعلومات بشفافية مع مراعاة حق المواطنين في المعرفة، وتحديد مصدر المواد وأماكن توزيعها، إذ إن كل المعلومات يمكن إيجادها في المنصة، مما ضمن توزيع الموارد بشكل عادل، وزاد من فاعلية الوقاية من الفيروس والسيطرة عليه. ويرجع هذا إلى التنسيق المؤسسي الذي تقوم به الحكومة.

ج- القدرة التنظيمية الهائلة 

بنت الصين مستشفى “ليشنشان” و”هوهشنشان” في ووهان بسرعة فائقة من أجل كبح انتشار الفيروس، فتسابق أكثر من 10000 عامل مع الزمن وعملوا معًا ليلًا ونهارًا تحت كاميرات البث المباشر على شبكة الإنترنت العالمية لإنجاز المستشفيين، الأمر الذي أطلق شعاع أمل جديد للجميع. وفي السادس من فبراير بدأ تسليم مستشفى “ليشنشان” في مدينة ووهان بمقاطعة هوبي وسط الصين، ويتسع المستشفى لـ1600 سرير وأكثر من 2000 من الأطباء والممرضات. أما مستشفى “هوهشنان” فتم الانتهاء من بنائه في 10 أيام فقط، بدءًا من التصميم وحتى نهاية البناء. وعادةً ما يستغرق مشروع بناء مستشفى تبلغ مساحته 30 ألف متر مربع سنتين على الأقل. وانتشرت جملة “فقط الصين تستطيع فعل ذلك” بين مستخدمي وسائل الإعلام الاجتماعي خارج الصين.

وفي عطلة عيد الربيع، الذي يشهد لم الشمل العائلي بالنسبة للصينيين، سافر الآلاف من الأطباء والممرضات من جميع أنحاء الصين إلى مقاطعة هوبي لتقديم المساعدة الطبية، ويبلغ عددهم 11 ألف طبيب وممرضة حتى الآن. وأشاد الرأي العام الدولي بـ”القوة التنظيمية للصين” المتمثلة في تركيز الجهود لتحقيق إنجازات كبرى.

وتتجاوز العديد من التدابير التي تتخذها الحكومة الصينية متطلبات “اللوائح الصحية الدولية”. “هذا التماسك بين الصعود والهبوط شيء مذهل”، “كل ذلك يثبت القدرة الفريدة للصين في التضامن”.. لقد اكتسبت القدرة التنظيمية للصين احترامًا وثقة واسعة النطاق في شتى أنحاء العالم.

القيادة الرشيدة للحزب الشيوعي الصيني الشعبي

في أول يوم من السنة القمرية الصينية الجديدة (25 يناير)، عقدت اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني اجتماعًا حول سبل منع ومكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد. وترأس الأمين العام للجنة المركزية للحزب “شي جين بينغ” هذا الاجتماع، وألقى خطابًا مهمًّا فيه. وقرر الاجتماع تأسيس فريق لتنسيق جهود مكافحة الوباء تحت قيادة اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للجنة الحزب المركزية. كما قرر الاجتماع أيضًا إرسال فرق إرشادية إلى هوبي وغيرها من المناطق الأكثر تأثرًا بالوباء، لتعزيز جهود منع تفشي الوباء ومكافحته، الأمر الذي يدل على أن القيادات العليا في البلاد كانت تتابع هذه الجهود. كما تشير هذه الإجراءات إلى العزم الراسخ للحزب الصيني الحاكم في حماية سلامة الشعب وصحته، وتحمل مسئولياته في حماية سلامة الصحة العامة على نطاق العالمي، ويعكس أيضًا تميز الصين في نظم إدارة الدولة.

ويُعد هذا الوباء اختبارًا لطريقة إدارة الدولة وقدرة الحزب على الحكم. وتركز الصين تحت قيادة الحزب الحاكم جهودها في توفير عملية إنقاذ طارئة وفعالة للوقاية من وباء ووهان والسيطرة عليه. النجاح في إنجاز مهمة بناء المستشفيين كان مجرد صورة مصغرة لمعركة الصين ضد الوباء. وكانت الحكومة الصينية قد اتخذت استراتيجية غير مسبوقة للوقاية والعلاج، وأظهرت تحملها الكامل لمسئولية سلامة مواطنيها وصحتهم خلال هذه الفترة. ففي وقت سريع تم اكتشاف تسلسل الجينوم الفيروسي ومشاركته مع عدة دول، وتم اتخاذ قرار يُعد الأكثر حسمًا في التاريخ بإغلاق مدينة كاملة لكونها مصدر انتشار الفيروس، لذا فإن الكثير من المسئولين الدوليين يؤمنون إيمانًا راسخًا بأن الصين يمكنها الاعتماد على مزايا نظامها الفريد وقيادة الحزب القوية للسيطرة على الوباء. وكانت إشادة “إنيستو كاراسكو”، رئيس الاتحاد الطبي الإكوادوري، واحدة من تلك الأصوات، حيث قال: “تتخذ الصين الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب للتصدي للوباء، وتظهر القيادة التي تتناسب مع مكانتها كقوة عظمى، والتي تستحق الإشارة إليها والإشادة بها من قبل العالم”.

التضامن الكامل من أبناء الشعب الصيني

بالإضافة إلى مزايا نظام الحكم والقيادة الرشيدة للحزب الشيوعي الصيني، تعتمد مكافحة الوباء أيضًا على التضامن الكامل من أبناء الشعب الصيني؛ إذ يتمتع نظام الحكم، الذي يعكس إرادة الشعب الصيني ويحمي حقوقهم ومصالحهم ويحفز إبداعاتهم، بمزايا فريدة في عملية حكم البلاد. وتدل الإجراءات الأخيرة على أن عملية مكافحة الوباء تهدف في المقام الأول لحماية الشعب، وتعتمد بشكل رئيسي على الشعب. 

وتشهد مستشفيات ووهان هذه الأيام وصول العديد من الإمدادات الطبية التي تم التبرع بها من جميع أنحاء البلاد. على سبيل المثال، شركة تشيجيانغ للتكنولوجيا الحيوية المحدودة تمكنّت، في غضون 24 ساعة، من إعداد مجموعة كاملة من معدات فحص الحمض النووي الأوتوماتيكية بالكامل والمواد الاستهلاكية الداعمة لها. كما تبرّعت عشر مؤسّسات بكواشف اختبار لووهان تكفي لشهر، وقد بلغ حجم المساعدات أكثر من 500 قطعة و12 طنًّا. كما أرسلت الشركة 10 مهندسين مسئولين عن تركيب المعدات والتدريب على استخدامها، مع العلم بأن هذه المعدات ستتمكّن من الفحص الأوتوماتيكي الكامل للحمض النووي. ويمكن لعشرة أجهزة فحص الحمض النووي لـ5000 عينة في اليوم بمعدل 500 عينة في اليوم لكل جهاز. 

وبعد إثبات فاعلية العلاج بالبلازما من المرضى المتعافين من فيروس كورونا الجديد (كوفيد– 19) في علاج الحالات الخطيرة، تبرع أكثر من 100 شخص بالبلازما بعد تعافيهم من الالتهاب الرئوي الناجم عن الفيروس، مما ساعد في تحضير منتجات علاجية لعلاج 240 مريضًا يعانون من أعراض خطيرة وحرجة.

بالإضافة إلى التبرعات من داخل الصين، تلقت مدينة ووهان عددًا كبيرًا من التبرعات من دول الجوار والدول الشقيقة، مما يجعلنا ندرك أن محاربة الوباء جزء لا يتجزأ من الإيمان بمبدأ مجتمع المصير المشترك، وهذا المبدأ لا يقتصر على الصين فقط، بل يتضمن كل أنحاء العالم. فالإجراءات النافذة لمواجهة فيروس الكورونا المستجد هدفها حماية الشعب الصيني وحماية البشرية على حد سواء.

ختامًا، يمكن القول إنه من الاكتشاف السريع لتسلسل الجينات الفيروسية ومشاركتها مع العالم، إلى تطبيق أكبر عملية عزل بشري في التاريخ لمصدر تفشي الفيروس؛ اتخذت الحكومة الصينية موقفًا مسئولًا للغاية تجاه سلامة وصحة الشعب، وتبنت سلسلة من الإجراءات غير المسبوقة للحد من انتشار الفيروس، وتجاوزت الكثير من إجراءاتها متطلبات اللوائح الصحية الدولية. لقد أظهرت الصين تضامنًا كبيرًا بعملها الاستثنائي.

يفكر الآن الكثير من الناس في العالم: لماذا “سرعة الصين” كبيرة لهذا الحد؟ ولماذا “قوة الصين” تتدفق بلا نهاية؟ إزاء هذا السؤال، يدرك المجتمع الدولي بشكل متزايد أن الإجابة تكمن في مزايا النظام الصيني الذي يعكس إرادة الشعب ويحمي حقوقهم ومصالحهم ويحفز على الإبداع، إذ إن التماسك الصيني يستطيع التغلب على كل الصعوبات. 

من المؤكد أن حملة مكافحة فيروس كورونا الجديد ستصبح صفحة استثنائية في تاريخ البشرية. كما أن التماسك والتضامن الوطني الصيني في مواجهة الفيروس يجعل العالم يشعر على نحو متزايد بأن إرادة الشعب الصيني لا يمكن أن يتحداها شيء. 

لقد بذل 1.4 مليار صيني جهودًا مشتركة لمكافحة الفيروس، وأظهرت الصين كفاءة وقوة نظام الحكم الوطني، وتم اكتشاف طرق جديدة للاستجابة لحالات الطوارئ الصحية العامة. وفي هذا الصدد، يشيد الرأي العام الدولي بأنه “لا يمكن لأي دولة في العالم أن تتصرف بهذه الكفاءة العالية”، “كلما واجهت الصين تهديدًا، تستطيع التغلب عليه وعلى كل التحديات بعزمها القوي”.

ويتجسد تفوق النظام الصيني بصورة أفضل في اللحظات الحرجة. ومن المؤكد أن الصين ستنتصر في معركتها ضد فيروس كورونا الجديد تحت القيادة القوية للحزب الشيوعي الصيني، وبفضل المزايا الهائلة للنظام الاشتراكي ذي الخصائص الصينية، بالإضافة إلى الدعم القوي من المجتمع الدولي.

د. وانغ قوانغدا
أستاذ بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية بالصين