وحدة الدراسات العربية والإقليمية

مستقبل اتفاق تقاسم السلطة في السودان: تحديات الاستدامة

بعد مسار طويل ومعقد اتخذته الأزمة السياسية في السودان، بدأت ملامح المرحلة الانتقالية في التشكل بعد توقيع الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير في أواسط يوليو الماضي، قبل أن يحرز الطرفان تقدمًا إضافيًّا في الرابع من أغسطس بالتوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقة الدستورية المنظِّمة لكافة خطوات الانتقال السياسي.  وقد شهدت الشهور الأربعة الفاصلة بين سقوط “البشير” والتوقيع على الوثيقة الدستورية طرح تصورات متباينة لطبيعة المرحلة الانتقالية في السودان، والقوى المشاركة في الحكم خلالها، ومدتها، وجدول أعمالها. فقد تمثل الطرح الأوّلي للمجلس العسكري الانتقالي في محاكاة الخبرات السودانية السابقة في الفترات الانتقالية، وذلك من خلال توليه منفردًا السلطة…

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية

بعد مسار طويل ومعقد اتخذته الأزمة السياسية في السودان، بدأت ملامح المرحلة الانتقالية في التشكل بعد توقيع الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير في أواسط يوليو الماضي، قبل أن يحرز الطرفان تقدمًا إضافيًّا في الرابع من أغسطس بالتوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقة الدستورية المنظِّمة لكافة خطوات الانتقال السياسي. 

وقد شهدت الشهور الأربعة الفاصلة بين سقوط “البشير” والتوقيع على الوثيقة الدستورية طرح تصورات متباينة لطبيعة المرحلة الانتقالية في السودان، والقوى المشاركة في الحكم خلالها، ومدتها، وجدول أعمالها. فقد تمثل الطرح الأوّلي للمجلس العسكري الانتقالي في محاكاة الخبرات السودانية السابقة في الفترات الانتقالية، وذلك من خلال توليه منفردًا السلطة السيادية لمدة لا تتجاوز عامين، يتم خلالها إدارة شئون البلاد عبر حكومة واسعة الصلاحيات تتكون من أصحاب الخبرة من غير السياسيين، تهيئ البلاد لعقد انتخابات عامة، والتي تتولى بدورها معالجة القضايا المعقدة العالقة، كالسلام، والإصلاح الاقتصادي وغيرها. وفي المقابل، تمثل الطرح الأولي للمعارضة في نقل السلطة كاملة بمختلف هيئاتها إلى المدنيين الذين تمثلهم حصرًا القوى الموقِّعة على إعلان الحرية والتغيير، على أن تتولى إدارة البلاد لفترة انتقالية تمتد لأربع سنوات تعالج فيها عددًا كبيرًا من القضايا معالجة جذرية.

وفي ظل التنافر الحاد بين تصور المجلس العسكري الانتقالي وتصور قوى الحرية والتغيير، كادت الأوضاع في السودان أن تنزلق للعنف كما حدث في أحداث فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو، أو ترتد بعودة نظام الإنقاذ على النحو الذي كشفت عنه المحاولات الانقلابية المتكررة من قيادات المؤسسة العسكرية. وعلى الرغم من التباعد المطرد في المسافة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، أدت الوساطات الإقليمية والدولية إلى التوصل لتسوية لكن بمنطق مغاير هو منطق تقاسم السلطة الذي لا ينتصر لأحد التصورين على الآخر بقدر ما يجعل من الطرفين شركاء في إدارة المرحلة الانتقالية، وهو خيار لم يكن مطروحًا لأي منهما منذ الحادي عشر من أبريل الماضي. وفي ظل هذا الوضع، جاء اتفاق تقاسم السلطة في السودان استجابة لضرورات آنية ملحة؛ إلا أنه فرض بدوره عددًا من التحديات الجسيمة التي سيتعين على الشركاء السودانيين الجدد مواجهتها معًا.

أولًا- تقاسم السلطة: مشكلات النموذج

منذ تعرض الدول الأقل تقدمًا للموجة الثالثة من التحول الديمقراطي، تكررت حالات اللجوء لاتفاقات تقاسم السلطة والتي كان العدد الأكبر منها في دول القارة الإفريقية. وتشير العديد من التجارب إلى حقيقة أن اتفاقات تقاسم السلطة تتسم بطبيعة غير مستقرة؛ إذ لا تتجاوز نتائجها الإيجابية المدى القصير بحيث تقتصر على تحقيق “فض اشتباك” بالمعنى الحرفي في حالة الحروب الأهلية، والمعنى المجازي في حالة الأزمات السياسية المعقدة. أما على المدى المتوسط والطويل، فقد أثبتت اتفاقات تقاسم السلطة أنها غير قابلة للاستدامة والنجاح بدرجة كبيرة، فغالبًا ما تعجز هذه الاتفاقات عن تجاوز الأوضاع الانتقالية المؤقتة إلى أوضاع مستدامة ومستقرة. على هذا النحو، يبدو الرصيد السلبي لاتفاقات تقاسم السلطة نتاجًا مباشرًا لعيوب هيكلية على مستوى النظرية قبل أن تكون على مستوى التطبيق بتبايناته من حالة لأخرى.

وبقدر ما تتعدد الأسباب المرجحة لصيغة تقاسم السلطة كتسوية فعالة للأزمات السياسية، كشفت التجارب العالمية والإفريقية على وجه الخصوص عن العديد من المشكلات التي تعتري هذا النموذج، وتجعل من استدامته أمرًا عسيرًا ومحل شك. وفيما يلي أبرز هذه المشكلات: 

– ارتباط الأحزاب والفصائل السياسية بجماعات ومكونات اجتماعية بعينها بصورة شبه حصرية، الأمر الذي عادة ما يؤثر على جدول أعمالها والذي تتأخر فيه المصالح الوطنية لمراتب دنيا لصالح الأولويات التي تفرضها الانتماءات الضيقة.

– ضعف الالتزام المتبادل بين الشركاء السياسيين الموقِّعين على اتفاق تقاسم السلطة بحصر الأدوات المستخدمة حال وقوع خلاف على التفاوض ووسائل الضغط السياسي. إذ عادة ما تستدعي الخلافات بين هؤلاء الشركاء أدوات إضافية تشمل التصعيد الاحتجاجي، وصولًا إلى إعلان العصيان المدني الكامل، فضلًا عن الأداة العسكرية التي عادة ما يتم توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية. 

– غياب التناظر بين الأطراف المشاركة في اتفاق تقاسم السلطة، ما يؤدي إلى غياب التجانس بين هذه الأطراف كشركاء في مؤسسات الحكم الجديدة التي تضم في عضويتها ممثلين عن المؤسسات الرسمية الممسكة بالسلطة أصلًا، والأحزاب السياسية المعارضة، والحركات المدنية الاحتجاجية، والمجموعات المسلحة والمتمردة. ويؤدي غياب التجانس بدوره إلى تضارب في أولوليات هؤلاء الشركاء بعد تقاسم السلطة، واختلاف تصوراتهم للمسار الواجب اتباعه مستقبلًا.

– سيولة التوازنات السياسية المؤسسة لاتفاق تقاسم السلطة وقابليتها للتغير الحاد في وقت قصير في ظل الأوضاع الانتقالية والاستثنائية، الأمر الذي يعني أن الأطراف المتضمنة في اتفاق تقاسم السلطة قد تفقد قوتها النسبية لصالح أطراف أخرى غير متضمنة في الاتفاق، وهو ما يُسفر سريعًا عن انهيار شرعية الاتفاق ذاته، وطرح اتفاق جديد يضم القوى الصاعدة.

– تغليب اعتبارات شمول اتفاق تقاسم السلطة وتمثيله لأكبر عدد من الأطراف المؤثرة في الحياة السياسية على اعتبارات الفاعلية والكفاءة، وهو ما يقلل من فرص الحكومة الناتجة عن الاتفاق في أن تكتسب الحد الأدنى من المؤسسية اللازمة لكي تتمكن من القيام بمهامها الأساسية. ومع فقدان المؤسسية تتصاعد نزعة التسييس لدى هذه الحكومة والتي غالبًا ما تأتي قراراتها نتاج حسابات سياسية لا نتاج اعتبارات موضوعية.

– الطبيعة غير الحاسمة لاتفاقات تقاسم السلطة والتي لا تُمكّن طرفًا من إقصاء الطرف الآخر بصورة نهائية، الأمر الذي يخلق شعورًا متناميًا بالغبن والتعرض للاستغلال لدى جميع الأطراف المشاركة. فمع مرور الوقت، يسود اعتقاد لدى كل طرف بأن الاتفاق لم يكن عادلًا بحقه، وأنه يسمح للطرف الآخر بأن يستخدم الاتفاق كأداة للحصول على مكاسب إضافية.

– التعجل المحيط بعملية الصياغة الفنية لاتفاق تقاسم السلطة والذي يأتي على حساب عمليات بناء الثقة بين الأطراف المشاركة والتي تدخل المرحلة الجديدة بذات التوجس والشكوك المتبادلة التي تعيق أي تعاون سياسي حقيقي في الحكومة الجديدة، كما تعيق أي فرصة حقيقية لتجاوز الانقسامات الأصلية وتكوين تحالفات سياسية جديدة عابرة لهذه الانقسامات.

ثانيًا- اتفاق تقاسم السلطة في السودان: ملامح بارزة

عكست الوثيقة الدستورية التي “تسربت” بعد التوقيع عليها بالأحرف الأولى مباشرة لوسائل الإعلام عددًا من الملامح البارزة التي يمكن الوقوف عندها بالقراءة والتحليل، لما تكشف عنه من طبيعة للعملية التفاوضية، وما ارتبط بها من توازنات بين القوى المختلفة. فقد قام الاتفاق على إقرار فترة انتقالية مطولة تمتد إلى تسعة وثلاثين شهرًا، يقوم الحكم فيها من خلال ثلاث مؤسسات انتقالية، هي: المجلس السيادي، ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي، والتي يشهد كل منها تقاسمًا لشغل المناصب أو اختيار شاغليها بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير. وتنحاز الوثيقة الدستورية في توزيعها للاختصاصات بين هذه المؤسسات إلى مجلس الوزراء الانتقالي في ترتيب يشابه ذلك المعمول به في النظم البرلمانية.

ويُعد المجلس السيادي رأس الدولة ورمز وحدتها وسيادتها، ويتشكل من أحد عشر عضوًا، يمثل خمسة أعضاء منهم المجلس العسكري الانتقالي، ويمثل الخمسة الآخرون قوى الحرية والتغيير، بجانب عضو مدني مرجح يتم اختياره بالتوافق بين الجانبين. أما مجلس الوزراء فيتكون من رئيس للوزراء تختاره قوى الحرية والتغيير، والذي يتولى تشكيل حكومة لا يتجاوز عدد وزرائها العشرين وزيرًا من خلال اختيار اسم من الأسماء الثلاثة التي تقترحها قوى الحرية والتغيير في كل منصب وزاري، باستثناء وزيري الدفاع والداخلية اللذين سيختارهما الأعضاء العسكريون بالمجلس السيادي. وفيما يتعلق بالمجلس التشريعي، فقد تم التوافق على أن يضم عددًا من الأعضاء لا يتجاوز ثلاثمائة عضوًا ممثلين لكافة المكونات السياسية والمجتمعية في السودان، على أن تحدد قوى الحرية والتغيير 67% من أسماء هؤلاء الأعضاء من داخل الأحزاب والحركات الموقِّعة على إعلان الحرية والتغيير، مقابل 33% من المقاعد للقوى السياسية من خارج الحرية والتغيير يتولى الأعضاء العسكريون في المجلس السيادي الحق في اختيارهم.

وقد حددت الوثيقة الدستورية عددًا من المهام لمؤسسات الحكم الانتقالي بلغ ست عشرة مهمة تنقسم بين مهام تحقيق السلام التي منحت أولوية، والتي تشمل: إنهاء الحرب، وتحقيق السلام العادل والشامل، وتتضمن معالجة الأسباب الجذرية لمشكلات الحرب، مع إقرار اتخاذ تدابير “تفضيلية مؤقتة” للمناطق المتأثرة بالحرب والأقل نموًّا والمجموعات الأكثر تضررًا. بجانب عدد من المهام التشريعية والقضائية التي تضمنت سن التشريعات المنظِّمة لأداء مهام الفترة الانتقالية، مع إنشاء آليات للإعداد لوضع دستور دائم، مع عقد المؤتمر القومي الدستوري قبل نهاية الفترة الانتقالية، وإلغاء القوانين التمييزية والمقيدة للحريات، ومحاسبة منتسبي نظام “البشير” على جرائمهم بحق الشعب السوداني، وكذلك الإصلاح القانوني وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية، وتشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة بدعم إفريقي عند الاقتضاء وفق تقدير اللجنة الوطنية لإجراء تحقيق في الانتهاكات التي وقعت في الثالث من يونيو وغيرها من الوقائع المشابهة التالية على الإطاحة بالبشير. وعلى الجانب الاقتصادي، حددت الوثيقة عددًا من المهام هي: معالجة الأزمة الاقتصادية، وتحقيق التنمية المستدامة عبر برنامج اقتصادي واجتماعي ومالي عاجل، بجانب وضع برامج لإصلاح أجهزة الدولة، مع إسناد مهمة إصلاح الأجهزة العسكرية للمؤسسات العسكرية. وكذلك القيام بدور فاعل في الرعاية الاجتماعية وتحقيق التنمية الاجتماعية. فضلًا عن المهام المتعلقة بعلاقات السودان الخارجية والمتمثلة في: وضع سياسة خارجية متوازنة تحقق مصالح السودان وتبني العلاقات الخارجية على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة.

كما تجاوزت الوثيقة أحد أهم عيوب الاتفاقات المبكرة بين الجانبين والتي جاءت بلا سقف زمني، حيث حددت الوثيقة جدولًا زمنيًّا قصيرًا ومحددًا لإتمام مهام تشكيل مؤسسات الحكم الانتقالي، يبدأ بالتوقيع النهائي على الوثيقة، ثم تشكيل المجلس السيادي، ثم تعيين رئيس الوزراء، ثم تشكيل الحكومة وذلك في فترة لا تتعدى أسبوعين.

ثالثًا- تحديات الاستدامة

إذا كانت اتفاقات تقاسم السلطة تتضمن عيوبًا هيكلية في التصميم تطرح تحديات مستقبلية كبيرة، فإن الأوضاع في السودان جاءت لتفاقم من هذه التحديات، الأمر الذي يطرح عددًا من الأسئلة الصعبة على مؤسسات الحكم الانتقالي إذا ما كان لدى القائمين عليها الالتزام الكافي لإنهاء المرحلة الانتقالية في ظل صعوبتها وطولها. وسيكون لأربعة تحديات فرضتها الوثيقة الدستورية الدور الأبرز في صياغة مستقبل العملية السياسية في السودان، خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها، والتي يمكن حصرها في:

1- تغليب الاعتبارات التمثيلية على الاعتبارات الوظيفية 

جاء ذلك من خلال التوسع في استحداث مناصب في مؤسسات الحكم الانتقالي بحيث تكون كافية للجميع، كتعويض لكل الأطراف المشاركة من المؤسسة العسكرية إلى الأحزاب السياسية والقوى المدنية وصولًا إلى الحركات والفصائل المسلحة. وتشمل هذه المناصب 11 مقعدًا في المجلس السيادي، و21 منصبًا وزاريًّا، و300 مقعد في المجلس التشريعي، والذي تم التوسع في عضويته لتتجاوز ضعف العدد الذي تم اقتراحه في السابق (120 مقعدًا) لأغراض التوسع في التمثيل فحسب. وينتظر أن يمثل المجلس التشريعي كافة القوى المشاركة في التغيير، على أن تتولى قوى الحرية والتغيير اختيار 67% من أعضاء المجلس، ويتم اختيار النسبة المتبقية بالتشاور بين قوى الحرية والتغيير والأعضاء العسكريين في مجلس السيادة. ويراعى في تكوين المجلس التشريعي تمثيل مكونات المجتمع السوداني بما فيها القوى السياسية والمدنية والمهنية والطرق الصوفية والإدارة الأهلية والحركات المسلحة الموقِّعة على إعلان الحرية والتغيير وغير الموقِّعة عليه. ولا يُستثنى من عضوية المجلس التشريعي سوى أعضاء المؤتمر الوطني والقوى السياسية التي شاركت في النظام البائد حتى سقوطه، وهي القائمة التي لن تشمل الكثير من الأحزاب التي شاركت في الحوار الوطني منذ عام 2014 وفي مؤسسات الحكم الناتجة عنه لكنها انفضت عن نظام “البشير” في شهوره الأخيرة. وبينما قد يكون من المهم لتدعيم اتفاق تقاسم السلطة أن تشمل مؤسسات الحكم الانتقالي أكبر عدد من الأشخاص الممثلين لمختلف القوى الفاعلة؛ إلا أن الكبر النسبي في حجم المؤسسات الانتقالية، خاصة مجلس الوزراء الانتقالي والمجلس التشريعي الانتقالي، قد يؤثر سلبًا على فاعلية هذه المؤسسات التي قد تتحول إلى ساحة للتنافس بين القوى المختلفة.

2- المحاصصات السياسية والإقليمية 

على العكس مما جرى التعبير عنه مرارًا من أن توزيع المناصب في هيئات الحكم الانتقالي لن يقوم على المحاصصة السياسية وإنما على اعتبارات الكفاءة؛ اقتضت الضرورة أن يسود منطق المحاصصة في اختيار شاغلي العديد من هذه المناصب. ففي دولة مثل السودان تتعدد أشكال الانقسام بين الانقسامات الأولية لعسكريين وسياسيين ونقابيين وأعضاء فصائل مسلحة، والانقسامات الأيديولوجية لأحزاب وقوى تشغل المساحة الممتدة من أقصى اليمين لأقصى اليسار، والانقسامات الجهوية التي تميز بين مركز وهوامش متعددة، والانقسامات الإثنية بقراءاتها التي تختلف تبعًا لتوظيفها السياسي، فضلًا عن الانقسامات الطبيعية النوعية والجيلية.

هذه الانقسامات المتعددة ألقت بظلالها على عملية اختيار شاغلي المناصب المختلفة. فعلى سبيل المثال، تقوم اختيارات ممثلي الحرية والتغيير في مجلس السيادة على انفراد كل مكون من مكوناتها (نداء السودان، الإجماع الوطني، التجمع الاتحادي، تجمع المهنيين، قوى المجتمع المدني) لأحد الأعضاء الخمسة، على أن يمثل كل عضو من هؤلاء الأعضاء واحدًا من المناطق الرئيسية في السودان (الشمال، والشرق، والوسط، والغرب، والجنوب). ومع تعدد هذه الاعتبارات الحاكمة ينتظر ألا تتحكم معايير الكفاءة وحدها في اختيار شاغلي هذه المناصب المهمة. ومن المتوقع أن يشهد اختيار الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي مراعاة مماثلة لاعتبارات عديدة لا تقتصر على الكفاءة والخبرة. وإذا كان هذا المنطق في الاختيار قد يوفر شعورًا قويًّا بالتضامن بين مختلف المكونات المجتمعية والسياسية في السودان؛ إلا أنه قد يثير توترات بشأن حصة كلٍّ من هذه المكونات من المناصب.

3- غياب الإجماع 

يبرر الصيغة الموسعة التي أقرتها الوثيقة الدستورية ضرورات شمول كافة القوى الفاعلة والمؤثرة في المشهد السوداني في اتفاق تقاسم السلطة، لكن الواقع يشير إلى أن هناك غيابًا للإجماع بشأن هذا الاتفاق. فداخل قوى الحرية والتغيير ظهرت الكثير من المواقف الرافضة للاتفاق، كان من أبرزها عدد من الفصائل المسلحة التي تعد من مكونات تحالف نداء السودان (أحد المكونات الرئيسية الموقعة على إعلان الحرية والتغيير). وترى هذه الحركات أن الوثيقة الدستورية لم تعكس مطالبها بأولوية قضايا السلام، وباعتبار اتفاقات السلام المزمع توقيعها خلال ستة أشهر على الوثيقة الدستورية تتمتع بسيادة على باقي بنود الوثيقة الدستورية أسوة باتفاق السلام الشامل الموقع عام 2005، وهو ما قوبل بالرفض من جانب الحركات والأحزاب السياسية داخل الحرية والتغيير. وظلت هذه القضية تمثل واحدة من العراقيل الأساسية، خاصة مع إعلان الجبهة الثورية التي تضم عددًا من هذه الحركات مقاطعتها المشاركة في حفل التوقيع النهائي على الوثيقة الدستورية، بالرغم من المفاوضات المطولة بين الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير التي بدأت في أديس أبابا، واستمرت في القاهرة، قبل أن يعلن عن استئنافها في جوبا في موعد لاحق. 

وبرز موقف الحزب الشيوعي الرافض للوثيقة الدستورية نظرًا لما تبنته من استمرار مشاركة المؤسسة العسكرية في حكم البلاد أبرز مواقف الرفض من داخل الأحزاب السياسية المشاركة في قوى الحرية والتغيير. كما أبدت العديد من الأحزاب السياسية من خارج قوى الحرية والتغيير رفضًا مماثلًا جاء في مقدمتها المؤتمر الشعبي الذي اعتبر الوثيقة الدستورية وثيقة سياسية لا دستورية. هذه الأطراف المعارضة لتقاسم السلطة -سواء من داخل قوى الحرية والتغيير أو خارجها- تمثل نقاط ضعف كبيرة يمكن من خلالها هدم الاتفاق كليًّا، خاصة إذا ما تعثّرت مؤسسات الحكم الانتقالي في أداء مهامها. ولعل المقترح الذي طرحته بعض الأطراف الساسية -دون إلحاح- بإجراء استفتاء عام على مخرجات التوافق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير كان من الممكن أن يمثل مخرجًا ملائمًا من خلال بناء المؤسسات الانتقالية على شرعية شعبية أصلية؛ إلا أن العديد من العقبات الإجرائية حالت دون ذلك.

ولم يسلم الشريك الآخر من ظاهرة غياب الإجماع، حيث كشفت المحاولات الانقلابية المتكررة (خصوصًا آخر هذه المحاولات التي قادها الفريق “هاشم عبدالمطلب”، رئيس الأركان وعضو المجلس العسكري الانتقالي) عن وجود تيار داخل المؤسسة العسكرية يسعى لإعادة نظام الإنقاذ للسلطة بأي وسيلة ممكنة. وفي المقابل، يظهر تيار آخر داخل المؤسسة العسكرية مؤيد لمطالب الفصيل السياسي الأكثر تشددًا من قوى الحرية والتغيير الرافض لأي دور سياسي للعسكريين في المرحلة الانتقالية، وهو ما كشفت عنه التحذيرات المتكررة من أعضاء المجلس العسكري للقوى السياسية الساعية لتجنيد أنصار لها من منتسبي المؤسسة العسكرية.

4- العلاقة بين المركز والهامش 

تشير الوثيقة الدستورية إلى قدر من التراجع الملموس في السلطات الموكلة إلى الولايات، إذ نصت الوثيقة على أن السودان دولة لا مركزية من دون إقرار مبدأ الفيدرالية المطبق في البلاد منذ نهاية التسعينيات، كما قضت بإلغاء دساتير الولايات. وحتى عندما ميزت المادة الثامنة من الوثيقة بين مستويات الحكم الثلاثة (اتحادي، إقليمي، محلي) نصت على سلطات المستويين الأعلى والأدنى لكنها تركت سلطات المستوى الأوسط لتحديدها وفق تدابير لاحقة، وهو الأمر الذي يؤكد النكوص عن المبدأ الفيدرالي، حيث يقوم على تقاسم السلطات بين المستويين الأول والثاني بصورة محددة ودقيقة. كما تجنبت الوثيقة التناول المفصل للعلاقة بين هذه المستويات بعد أن أحالت للقانون تحديد الاختصاصات والسلطات الحصرية والمشتركة لكل من مستويات الحكم الثلاثة وكذلك نصيب كل منها من الموارد، كما فتحت الوثيقة الباب أمام إمكانية إعادة النظر في التقسيم الجغرافي للمستويين الثاني والثالث لكن مع استمرار العمل بالتقسيم القائم حاليًّا لحين اتخاذ التدابير اللازمة.

لكن في المقابل، بدت الوثيقة وكأنها تتبنى موقفًا تمييزيًّا بين الولايات التي شهدت صراعات مسلحة وتلك التي لم تشهد هذا النمط من التفاعلات العنيفة. ففي إطار تناول الوثيقة لقضية السلام الشامل كانت القضية الجوهرية الأولى لمفاوضات السلام هي خصوصية المناطق المتأثرة بالحرب، وهو المبدأ الذي تميل بعض الحركات المسلحة لتفسيره على نحو واضح يصل لدرجة المطالبة بحق تقرير المصير. كذلك سيتم معالجة العديد من القضايا المهمة في مناطق الصراع من خلال التفاوض المباشر مع الحركات المسلحة، وهو ما سيشمل: الترتيبات الأمنية، والحلول المستدامة لقضايا النازحين واللاجئين، ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والولايات/ الأقاليم، وقضايا الأرض، وعدالة توزيع السلطة والثروة، والوضع الإداري للولايات/ الأقاليم المتأثرة بالحرب. على هذا النحو قد ينشأ نظام مزدوج للعلاقة بين المركز والهامش في السودان، يمنح مزايا استثنائية لمناطق الصراعات المسلحة في الغرب والجنوب الجديد وبقدر أقل الشرق مقابل إنهاء مظاهر العمل المسلح، بينما يعزز المركزية في الوسط والشمال، وهو ما من شأنه أن يورث مؤسسات الحكم الدائم المنتخبة مشكلة بنيوية معقدة.

رابعًا- الاتفاق.. بين المثاليّ والممكن

بالرغم من كل هذه التحديات الصعبة التي فرضها تقاسم السلطة في السودان، لا يبدو هذا الخيار خيارًا سيئًا كان من الأفضل تجنبه، حيث يظل تقاسم السلطة هو الحل الذي أنهى فترة طويلة من الغموض والاضطراب في مستقبل السودان، وهي الشهور الأربعة بين أبريل وأغسطس، والتي لا تنتمي لعهد “البشير” ولا تنتمي للمرحلة الانتقالية كذلك. فقد كان تقاسم السلطة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير أفضل البدائل الممكنة في ظل الأخطار الكبيرة المحيطة بالحلول الأحادية التي تُغلّب أحد الأطراف على الطرف الآخر، وفي ظل حسابات القوة على الأرض التي لم تسمح بمثل هذا التغلب. ويظل التوصل للاتفاق مجرد خطوة أولى تفرض على شركاء السلطة الجدد اتخاذ العديد من القرارات الصعبة إذا ما كانوا حريصين على ضمان استدامة هذا الاتفاق.

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية