وحدة الدراسات العربية والإقليمية

الانخراط الحذر: موقف المبعوث الأمريكي من الأزمة السودانية

منذ إزاحة الرئيس السوداني “عمر البشير” في أبريل من العام الجاري (2019)، تعالت الأصوات داخل الولايات المتحدة وخارجها لتطالب الإدارة الأمريكية بالانخراط السريع والمباشر في الأزمة السودانية، وهي المطالب التي أخذت في التصاعد كلما تعقدت الأوضاع على الأرض. لكن التدخل الأمريكي في الأزمة قد تأخر نسبيًّا، كما اتّسم بالكثير من الحذر. فعلى الرغم من الاهتمام الأمريكي البالغ بالأوضاع القائمة في السودان نتيجة ارتباطها بالعديد من المصالح الاستراتيجية الأمريكية، لم يظهر هذا الاهتمام في صورة مواقف متسرعة أو منحازة على غرار مواقف الإدارة الأمريكية السابقة من العديد من الأزمات الداخلية التي ضربت دولًا عدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مطلع…

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية

منذ إزاحة الرئيس السوداني “عمر البشير” في أبريل من العام الجاري (2019)، تعالت الأصوات داخل الولايات المتحدة وخارجها لتطالب الإدارة الأمريكية بالانخراط السريع والمباشر في الأزمة السودانية، وهي المطالب التي أخذت في التصاعد كلما تعقدت الأوضاع على الأرض. لكن التدخل الأمريكي في الأزمة قد تأخر نسبيًّا، كما اتّسم بالكثير من الحذر. فعلى الرغم من الاهتمام الأمريكي البالغ بالأوضاع القائمة في السودان نتيجة ارتباطها بالعديد من المصالح الاستراتيجية الأمريكية، لم يظهر هذا الاهتمام في صورة مواقف متسرعة أو منحازة على غرار مواقف الإدارة الأمريكية السابقة من العديد من الأزمات الداخلية التي ضربت دولًا عدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مطلع العقد الحالي.

وقد تمثّلت الخطوة الأمريكية الأهم تجاه الأزمة في إيفاد مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية للخرطوم، وتعيين مبعوث خاص للسودان وذلك بعد نحو أسبوع من أحداث فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو. ومنذ تعيينه مبعوثًا خاصًّا للولايات المتحدة في السودان في الثاني عشر من يونيو الماضي، تعددت تحركات السفير “دونالد بوث” في السودان وخارجها بحثًا عن حل لتجاوز أزمة المرحلة الانتقالية التي تأخرت بدايتها لنحو ثلاثة أشهر. وبينما انصبت جهود المبعوث الأمريكي على عقد لقاءات متكررة مع جميع الأطراف المنخرطة بصورة مباشرة وغير مباشرة في المشهد السوداني، لم تسنح له فرصة للتعبير عن رؤيته الشاملة للأزمة وسبل الخروج منها، باستثناء بيانات صحفية موجزة أدلى بها عقب انتهاء بعض اجتماعاته بأطراف الأزمة.

وفي الثاني من يوليو الجاري، نشرت صحيفة “البيان” الإماراتية حوارًا مفصلًا أجراه الصحفي السوداني “عثمان فضل الله” مع المبعوث الأمريكي للسودان “دونالد بوث” تناقلته وسائل الإعلام السودانية لأهميته البالغة، إذ تضمّن ما يمكن اعتباره “خريطة طريق أمريكية” لخروج السودان من أزمته، بجانب ما تضمّنه من عرض تفصيلي لموقف الولايات المتحدة من الأزمة ككل، ومن كل طرف من أطرافها. وبقدر ما كان للحوار من قيمة كبيرة نتيجة ما أبداه “بوث” من انفتاح كبير في إجاباته، فقد كشف الحوار كذلك بين سطوره عن بعض النقاط ذات الدلالة الكبيرة في الرؤية الأمريكية.

1- مهام وأولويات المرحلة الانتقالية

أعقب سقوط “البشير” طرح العديد من التصورات للمهام التي يجب إنجازها خلال الفترة الانتقالية، الأمر الذي انعكس في تعدد الرؤى للمدة الزمنية التي يجب أن تستغرقها هذه المرحلة. وعلى الرغم من التباين الكبير بين الرؤى المطروحة، يمكن اختصارها في رؤيتين أساسيتين؛ الأولى: عبّر عنها المجلس العسكري الانتقالي منذ بيانه الأول، وقامت على دخول السودان في مرحلة انتقالية مختصرة لا تتجاوز العامين، تكون المهمة الأساسية فيها تسيير الشئون اليومية، والتعجيل بكافة الترتيبات المتعلقة بإجراء انتخابات حرة نزيهة تفضي لهيئة حكم دائمة. الرؤية الثانية: هي تلك التي عبّرت عنها “الحرية والتغيير”، والتي رأت ضرورة امتداد المرحلة الانتقالية لأربع سنوات، تتضمن قائمة من الإجراءات التفصيلية التي تستهدف إحداث قطيعة تامة مع سياسات “البشير”، وتهيئة البيئة السياسية السودانية لعقد الانتخابات، وهو ما يتجاوز مجرد تأمين الجوانب الإجرائية واللوجستية للعملية الانتخابية وفق الطرح الأول. وعلى الرغم من توافق طرفي التفاوض في السودان على أن تمتد المرحلة الانتقالية لثلاث سنوات، لم يظهر توافق مناظر بشأن المهام المحددة التي ستضطلع بها هيئات الحكم الانتقالي خلال المرحلة الانتقالية، مما فتح الباب أمام تأويل التوافق المبدئي بشأن مدة المرحلة الانتقالية بصورة متباينة ومتعارضة في بعض الأحيان.

لم يهتمّ “دونالد بوث” كثيرًا بقضية المدى الزمني للمرحلة الانتقالية، كاشفًا عن تفهمه لدوافع كل طرف فيما طرحه من تصور، لكنه أعلن عن مهام أربع متراتبة يجب على هيئات الحكم الانتقالي الشروع فيها سريعًا من دون تقديم إحدى المهام على مهمة سابقة. فقد اعتبر “بوث” إنجاز كل مهمة بنجاح شرطًا مسبقًا لمباشرة المهمة التالية. وتتمثل المهمة الأولى -من وجهة نظره- في تشكيل مجلس للوزراء من التكنوقراط بعيدًا عن المحاصصة السياسية، يحظى فيه رئيس المجلس وجميع أعضائه بدعم مختلف الأطراف السودانية، على أن يتمتع المجلس بكافة الصلاحيات لمباشرة مهام تسيير شئون الحياة اليومية للسودانيين، فضلًا عن مزاولة مهام أخرى من قبيل تمثيل المصالح السودانية في الخارج.

أما المهمة الثانية فتتمثل في التفاوض مع الحركات المسلحة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان من أجل التوصل إلى اتفاق سياسي قابل للاستدامة يسمح لأعضاء هذه الحركات بالمشاركة الفعالة في العملية السياسية الانتقالية، وهو ما يعكس الأهمية الكبيرة التي يمنحها “بوث” للحركات المسلحة. وتتمثل المهمة الثالثة في تشكيل هيئة لصياغة دستور جديد يمثل الوثيقة الأكثر أهمية وتأثيرًا في مستقبل البلاد بما ستتضمنه من حسم للكثير من القضايا العالقة التي لا تزال محلًّا للجدل بما في ذلك كيفية إنهاء المرحلة الانتقالية وتشكيل هيئات حكم دائمة. وتتعلق المهمة الرابعة والأخيرة بتنظيم الانتخابات الحرة والنزيهة التي ستأتي بهيئات حكم منتخبة تعكس إرادة الشعب السوداني تبدأ في إجراء الإصلاحات الجذرية التي تُعد مطلبًا يحظى بتوافق واسع.

واللافت للنظر أن “بوث” في معرض حديثه عن المهام العاجلة المتعلقة بتشكيل هيئات الحكم الانتقالي لم يتحدث بوضوح وحسم سوى عن مجلس الوزراء، متجنبًا أي إشارة للمجلس السيادي والمجلس التشريعي اللذين كانا محلًّا لخلافات ممتدة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير. كما لم تتضمن المهام المقترحة أي إجراءات تتعلق بالتخلص من إرث النظام السابق، ولا أي إشارة لما اقتُرح من قبل البعض من استحداث آلية للعدالة الانتقالية في السودان. وبينما يمكن تفسير هذا السكوت بالتجاهل، يظل الاحتمال الأرجح هو تفضيل الولايات المتحدة أن تباشر هذه المهام التفصيلية سلطة دائمة منتخبة دائمة تتمتع بشرعية أصيلة بما يضمن فعالية هذه الإجراءات وعدم اصطدامها بالرأي العام السوداني.

2- الموقف من أطراف الأزمة السودانية

في إجاباته عن الأسئلة المختلفة، أبدى “بوث” موقفًا إيجابيًّا من المجلس العسكري الانتقالي ومن المؤسسة العسكرية بمختلف أجهزتها وفروعها. فقد عبر “بوث” عن الانطباع الذي وصله خلال لقائه بأعضاء المجلس العسكري الانتقالي، مؤكدًا أنهم “يعتبرون أنفسهم ينتمون إلى مؤسسة عسكرية واحدة، تتمتع بشرعية قانونية واحدة”، وهي الرؤية التي تُعارض المحاولات المتكررة لتصوير المجلس العسكري على أنه يعاني من الخلافات الحادة بين أعضائه، وهو ما يُقصد به عادةً الفريق أول “محمد حمدان دقلو” نائب رئيس المجلس العسكري وقائد قوات الدعم السريع. لكن هذا لم يمنع من رصد المبعوث الأمريكي قدرًا طبيعيًّا من التباين في بعض المواقف خلال النقاشات مع أعضاء المجلس العسكري، وهو ما يعتبره قاسمًا مشتركًا يعاني منه طرفا التفاوض.

وقد أبدى “بوث” اهتمامًا كبيرًا بتوضيح موقفه من قوات الدعم السريع، مؤكدًا عددًا من الحقائق؛ أولها: الدور الحاسم لقوات الدعم السريع في إسقاط “البشير” بعدما رفضت الانصياع لأوامره بفض الاعتصام بالقوة. وثانيها: هو ما يتعلق بالخطورة الشديدة لأي إجراء أحادي تجاه قوات الدعم السريع نظرًا لما تمتلكه هذه القوات من عدد وعتاد، ولانتشارها الحالي في العاصمة الخرطوم وغيرها من المدن السودانية، الأمر الذي قد يجعل من الإجراءات الأحادية دافعًا لرد فعل أحادي من جانب قوات الدعم السريع قد يزيد من تعقيد المشهد السياسي. وتتمثل الحقيقة الثالثة في أهمية بحث مستقبل القوات من جانب المجلس العسكري والحكومة المدنية الجديدة، خاصة على خلفية الدور الذي يُنسب لقوات الدعم السريع في أعمال العنف التي واكبت فض اعتصام الثالث من يونيو. وتأتي المقاربة الواقعية للمبعوث الأمريكي في موقفه من قوات الدعم السريع نتيجة لما تقوم به القوات من أدوار أمنية مهمة محلية وإقليمية عززت من مكانتها في المعادلة السياسية السودانية.

وفي المقابل، رأى “دونالد بوث” أن قوى الحرية والتغيير لا تزال تتمتع بقدرة على حشد الجماهير وتعبتهم وقيادتهم وراء مطالب سياسية تحظى بقدر كبير من التأييد في الشارع السوداني على نحو ما ظهر في تظاهرات الثلاثين من يونيو التي لاقت استجابة واسعة -من وجهة نظره- في العديد من المدن السودانية. فقد قيم “بوث” وضع قوى الحرية والتغيير الحالي بأنها تمكنت مؤخرًا من تدعيم موقفها ودحض اتهامات المجلس العسكري لها بأنها لا تمثل سوى أقلية محدودة من الشعب السوداني، وهو ما منحها انطباعًا إيجابيًّا لدى الجماهير، بعكس العديد من الأحزاب محدودة الشعبية التي شاركت في المؤتمر الوطني الذي دعا له الرئيس “البشير” عام 2015. كما قيم “بوث” بإيجابية محاولة قوى الحرية والتغيير الانفتاح على الأحزاب والقوى غير المنضوية تحت رايتها، وتأكيدها على مشاركة الجميع في هيئات الحكم الانتقالي.

ويظل من أكثر الملاحظات أهمية في رؤية المبعوث الأمريكي للمعارضة السودانية التمييز بين قوى المعارضة السياسية ممثلة في قوى الحرية والتغيير، وقوى المعارضة المسلحة، باعتبارهما طرفين منفصلين، مع منح أولوية نسبية للطرف الثاني باعتبار أن مشاركته في العملية السياسية تضمن إنهاء أشكال التهديدات الأمنية، وغلق الباب أمام الانزلاق للمسار العنيف، بجانب منح العملية السياسية المزيد من الشرعية، باعتبار ما لهذه الحركات من قاعدة جماهيرية كل في إقليمه.

وتأتي الكثير من المستجدات على أرض الواقع التي شهدتها الأسابيع الأخيرة لتؤكد من جديد صحة المقاربة الأمريكية الواقعية بعد أن تواترت اللقاءات بين قيادات المجلس العسكري وقيادات الحركات المسلحة في وقت تعلقت فيه المفاوضات المباشرة مع القوى السياسية، فضلًا عما أبداه عدد من قادة الجبهة الثورية السودانية التي تجمع عددًا من الفصائل المسلحة في مختلف أنحاء البلاد من تذمر بشأن إدارة اللجنة التنسيقية لقوى الحرية والتغيير لملف التفاوض مع المجلس العسكري، مهددة بإجراء مفاوضات منفصلة في المستقبل.

3- المخاطر المهدِّدة لمستقبل السودان

كشف “دونالد بوث” عن عددٍ من المخاطر التي تخشى الولايات المتحدة أن يقع فيها السودان خلال المرحلة الانتقالية. ويُعد انهيار المفاوضات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير أول هذه المخاطر، فقد أرجع المبعوث الأمريكي التعثر المتكرر للمفاوضات إلى أن الطرفين المتفاوضين لم يكونا من السياسيين ولا المفاوضين المحترفين، الأمر الذي اضطرهما لاكتساب الكثير من مهارات التفاوض أثناء المفاوضات ذاتها، وهو ما أسفر عن سلسلة من الأخطاء الإجرائية، مثل: المسارعة لعقد المؤتمرات الصحفية المشتركة والمنفصلة عقب جلسات التفاوض، والإعلان عن اتفاقات شفهية لم يتم تدوين أي منها في وثيقة ملزمة مما عاد بالمفاوضات لنقطة الصفر أكثر من مرة.

ويُعد الفراغ السياسي المصاحب لتعثر مفاوضات المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير ثاني المخاطر التي حذر منها “بوث”، إذ يشكل هذا الفراغ نقطة ضعف قد تفتح الباب أمام عودة سريعة وغير متوقعة لنظام “البشير”. وقد أكد “بوث” جدية المحاولات التي تستهدف عودة النظام القديم في السودان والتي تجد في أرض الواقع ما يبررها، سواء من خلال المحاولات الانقلابية التي أفصح عنها المجلس العسكري، أو من خلال جهود بعض رجال النظام القديم الذين يحاولون إعادة طرح أنفسهم كبدائل سياسية عبر كيانات سياسية وحزبية بديلة. ولعل هذه المخاوف هي التي دفعت “بوث” للإقرار بتفهمه مطالب القوى السياسية بالتأكد من توافر المدة الزمنية الكافية لها كي تتم تنظيم صفوفها وجمع مصادر الدعم لتكون قادرة على خوض المنافسة الانتخابية التي لا تزال تُشكل خطرًا بتسلل رموز النظام القديم.

وبجانب عودة النظام السابق، يرى المبعوث الأمريكي خطورة حقيقية في انزلاق السودان إلى دائرة من الفوضى نتيجة جنوح طرفي الأزمة السياسية للحلول الفردية أكثر من مرة، سواء من خلال قيام المجلس العسكري باتخاذ قرار فض الاعتصام وما أعقبه من تضييق على نشاط قوى الحرية والتغيير، أو في تجديد قوى الحرية والتغيير الدعوة للتظاهر والاعتصام باعتبارها أدوات تصعيدية فعالة ضد المجلس العسكري. وقد مثّل هذا الوضع دافعًا للمبعوث الأمريكي لتجديد المطالبة بتحقيق مستقل وموثوق فيه بشأن أعمال العنف التي واكبت فض الاعتصام في الثالث من يونيو تتولاه جهة دولية كالاتحاد الإفريقي أو الأمم المتحدة.

4- أهمية الدعم الدولي

على الصعيد الدولي، أوضح “بوث” أن الولايات المتحدة لا تعمل بمفردها في مساعيها لحل الأزمة السياسية في السودان، مشيرًا إلى اجتماعات مجموعة أصدقاء السودان التي تجمع الولايات المتحدة بعدد من دول جوار السودان كمصر وإثيوبيا وعدد من القوى الإقليمية ذات التأثير المهم في المشهد السوداني كالسعودية والإمارات، وكذلك الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأوروبية. وقد أشاد “بوث” بتكاتف الجهود الدولية التي منحت الوساطة الإفريقية أفقًا جديدًا في وقت دفعتها فيه مواقف الأطراف المحليين للتعثر.

ومنذ تكليفه بالمنصب، كان من بين المهام الأساسية للمبعوث الأمريكي للسودان تنسيق المواقف الدولية، على النحو الذي تجلى في إعلان الولايات المتحدة دعمها للوساطة الإفريقية-الإثيوبية، وامتناعها عن تقديم مبادرة مستقلة، وعلى النحو الذي تمثل في الزيارات المبكرة التي أجراها “بوث” لعدد من العواصم المهمة من بينها القاهرة وذلك للخروج بموقف دولي موحد من الأوضاع في السودان. وقد عكست تحركات “بوث” الأخيرة حرصًا منه على تنسيق الجهود الدولية لتقديم المساعدة المطلوبة للسودانيين للوصول إلى اتفاق سياسي سريع يحسم الوضع غير المستقر للمرحلة الانتقالية، ويسمح بانخراط المجتمع الدولي في ملف الدعم المالي والاقتصادي للسودان في ظل أوضاع بالغة الصعوبة يعاني منها السودان منذ نحو عام.

وبالجمع بين هذه الأبعاد المختلفة لموقف المبعوث الأمريكي للسودان، يتضح أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الأزمة السودانية تقوم على رؤية واضحة لأبعاد هذه الأزمة وسبل تجاوزها، وعلى مواقف واضحة من أطرافها. هذه الرؤية الأمريكية لم تكن إلا نتاج تحولات أوسع في العلاقات الأمريكية-السودانية شهدتها الأعوام الأخيرة، عززت الدوافع الأمريكية للانخراط في الشأن السوداني. ففي الوقت الراهن، تسعى الولايات المتحدة لتأمين عدد من المصالح الأساسية عبر الانخراط في الأزمة السياسية التي أعقبت سقوط الرئيس “البشير” في السودان. وتتمثل هذه المصالح بالأساس في ضمان استمرار الجهود السودانية في مكافحة الإرهاب على ذات المسار الذي بدأ في نهاية عهد الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” والذي ارتبط بوعود أمريكية برفع العقوبات الاقتصادية ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

كذلك، تسعى الولايات المتحدة لضمان عدم تحول السودان لمصدر تهديد للأمن الإقليمي، فنتيجة لموقع السودان الاستراتيجي، تخشى الولايات المتحدة من أن تمثل الفوضى في السودان نقطة التقاء بين نشاط الجماعات الإرهابية في القرن الإفريقي ونظيرتها في إقليم الساحل الإفريقي، في ظل ترتيبات هشة للأمن الإقليمي تأتي على خلفية اضطراب الأوضاع السياسية في كل من إثيوبيا وكينيا وظهور حركات تمرد مسلحة في شمال تشاد، فضلًا عن الأوضاع غير المستقرة في ليبيا. وأخيرًا، جاء خروج “البشير” من المشهد السياسي السوداني ليمثل مصدر راحة للولايات المتحدة بعد الخطوات المتسارعة للتقارب مع روسيا منذ لقائه نظيره الروسي “فلاديمير بوتين” في سوتشي في خريف عام 2017 والتي دفعت التعاون بين البلدين قدمًا، خاصة في المجال العسكري والأمني، الأمر الذي أدخل منافسًا قويًّا جديدًا للمصالح الأمريكية في شرق إفريقيا تحاول الولايات المتحدة تحجيم نفوذه المتصاعد.

بهذا جاء الانخراط الأمريكي الأخير في الأزمة السودانية نتاج الضرورة التي تقتضيها حماية المصالح الأمريكية بأبعادها المختلفة، لكنه جاء كذلك على قدر كبير من الحذر بحكم تعقد المشهد السوداني وانفتاحه -منذ البداية- على العديد من الاحتمالات الخطيرة.

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية