وحدة الدراسات الأمريكية

هل من فرصٍ لنجاح التفاوض مع إيران إذا ما بدأ فعلًا؟

كشفت السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” تجاه خصوم ومنافسي الولايات المتحدة، خلال العامين ونصف العام له في البيت البيض، عن عدم تفضيله استخدام القوة العسكرية، مقابل تفضيله الحوار والتفاوض، بالنظر إلى اقتناعه بقدراته في الضغط والتفاوض بهدف الحصول على تنازلات، وقدرته على إنجاز صفقات كتلك التي كان يُحققها في مجال العقارات. لهذا، رفض “ترامب” دعوات تيار الصقور داخل إدارته، وأبرزهم وزير الخارجية “مايك بومبيو”، ومستشار الأمن القومي “جون بولتون”، بجانب عدد من المسئولين بمجلس الأمن القومي، الذين كانوا يدفعونه إلى مواجهة عسكرية عاجلة مع إيران، وهو ما يتنافى مع وعده السابق بالانسحاب من الحروب الخارجية باهظة الثمن. وفي المقابل،…

عمرو عبد العاطي
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

كشفت السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” تجاه خصوم ومنافسي الولايات المتحدة، خلال العامين ونصف العام له في البيت البيض، عن عدم تفضيله استخدام القوة العسكرية، مقابل تفضيله الحوار والتفاوض، بالنظر إلى اقتناعه بقدراته في الضغط والتفاوض بهدف الحصول على تنازلات، وقدرته على إنجاز صفقات كتلك التي كان يُحققها في مجال العقارات.

لهذا، رفض “ترامب” دعوات تيار الصقور داخل إدارته، وأبرزهم وزير الخارجية “مايك بومبيو”، ومستشار الأمن القومي “جون بولتون”، بجانب عدد من المسئولين بمجلس الأمن القومي، الذين كانوا يدفعونه إلى مواجهة عسكرية عاجلة مع إيران، وهو ما يتنافى مع وعده السابق بالانسحاب من الحروب الخارجية باهظة الثمن. وفي المقابل، أبدى “ترامب” أكثر من مرة رغبته في الحوار المباشر مع النظام الإيراني، وأكد صراحة أنه لا يسعى إلى تغيير النظام السياسي الحالي في طهران، على عكس ما دعا إليه مستشاره للأمن القومي، وأنه يفضل اتّباع الأدوات الدبلوماسية لتسوية الأزمة مع إيران.

استراتيجية “ترامب” لإجبار الخصوم على التفاوض

تتأسس استراتيجية “ترامب” للتفاوض مع خصوم ومنافسي الولايات المتحدة على ثلاثة مرتكزات رئيسية، هي:

1- إعادة التفاوض على الاتفاقيات التي وقعت عليها الولايات المتحدة في السابق: حيث يرى “ترامب” أنه قد جرى التفاوض على هذه الاتفاقيات بشكل رديء، أو أنها جاءت على حساب المصالح الأمريكية، أو أنها أصبحت “عتيقة” وغير مناسبة لظروف اقتصادية وأمنية متغيرة، على عكس رؤية الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين السابقين الذين نظروا إليها في إطار الاستراتيجية التجارية والأمنية الأمريكية الأوسع.

ولذلك، أعلن الرئيس الأمريكي منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض عن رغبته في انسحاب الولايات المتحدة من العديد من الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف التي يرى أنها تقوض المصلحة الأمريكية. وبالفعل، انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (٥+١) (الاتفاق النووي)، واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، واتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. بالإضافة إلى تعديل اتفاقيات التجارة الحرة مع حلفاء الولايات المتحدة أو إلغائها، واتّباع سياسات حمائية تتعارض مع الالتزام الأمريكي الدولي بحماية التجارة الحرة والقيم الليبرالية للنظام الاقتصادي العالمي.

2- التصعيد من أجل الحوار: حيث تنطلق فلسفة “ترامب” في إدارة العلاقة مع خصوم ومنافسي الولايات المتحدة من أن تهديدهم وتصعيد الخطاب الأمريكي ضدهم، ثم فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة، سيدفع هؤلاء الخصوم إلى الجلوس على طاولة المفاوضات. 

3- إعطاء الأولوية للعقوبات الاقتصادية، باعتبارها إحدى أدوات قوة الإرغام الأمريكية، التي تأتي في مرتبة تالية للقوة الخشنة وفي مرتبه أعلى للقوة الناعمة، للضغط على الخصوم لتغيير سلوكهم، وتبني سياسات خارجية تتوافق وتخدم المصالح والأمن القومي الأمريكيين، مع التقليل من أدوات السياسة الخارجية الأخرى مثل الشراكات مع الحلفاء. 

وقد طبق الرئيس “ترامب” تلك الفلسفة مع كوريا الشمالية، حيث انتهى التهديد الأمريكي لنظام بيونج يانج وفرض العقوبات المالية والاقتصادية إلى عقد ثلاث قمم بين “ترامب” و”كيم جونج أون”، كانت الأولى في سنغافورة في 12 يونيو ٢٠١٨، والثانية في فيتنام في 28 فبراير، والثالثة في 30 يونيو. وعلى الرغم من عدم إحراز هذه القمم أي تقدم فيما يتعلق بتفكيك البرنامجين النووي والصاروخي لكوريا الشمالية؛ فإن “ترامب” يرى أن جلوس “كيم جونج أون” على مائدة المفاوضات يُعد إنجازًا في حد ذاته، لم تحققه أي من الإدارات الأمريكية السابقة (الجمهورية أو الديمقراطية).

ويطبق الرئيس “ترامب” هذه الاستراتيجية مع الصين أيضًا. ففي مواجهة حملة ما يطلق عليه “الغش الصيني”، فرض “ترامب” رسومًا جمركية متزايدة على صادرات الصين من السلع التقليدية للسوق الأمريكية، وتم استهداف قطاع التكنولوجيا الصينية؛ بهدف إرغام القيادة الصينية على التفاوض مع نظيرتها الأمريكية حول القضايا الخلافية. 

رفض التصعيد وترجيح التفاوض مع إيران

سعى الرئيس الأمريكي إلى تطبيق مرتكزات استراتيجيته للتفاوض السابقة تجاه إيران منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض، حيث تبنى سياسة عُرفت بـ”الضغوط القصوى”، شملت الانسحاب الأحادي من “الاتفاق النووي” في 8 مايو ٢٠١٨، وإعلان وزير الخارجية “بومبيو” اثني عشر شرطًا لقبول واشنطن التفاوض مع طهران.

وفي أعقاب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي أعادت الإدارة الأمريكية فرض العقوبات على إيران، وأتبعتها بعدد من الإجراءات العقابية التصعيدية ضد قطاعي النفط والبتروكيماويات، ثم الحشد العسكري ونشر القطع العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي. فضلًا عن اعتبارها الحرس الثوري تنظيمًا إرهابيًّا، وذلك بهدف إرغام النظام الإيراني على القبول بالتفاوض مع الولايات المتحدة وفقًا لشروطها.

وبعد فترة من تزايد دور تيار الصقور داخل الإدارة الأمريكية الذي يذهب لأبعد من الاتفاق النووي والقصور الذي يعتريه، إلى تغيير النظام “الثيوقراطي” في إيران، بل ودعوة الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة عسكرية استباقية ضد طهران؛ عمل الرئيس الأمريكي على تحجيم النفوذ المتزايد لهذا التيار، ولا سيما بعد إسقاط طهران طائرة التجسس الأمريكية بدون طيار في العشرين من يونيو الماضي، حيث دعا هذا التيار إلى ضرورة توجيه ضربة عسكرية ضد أهداف إيرانية كأجهزة رادار وبطاريات صواريخ. لكن الرئيس “ترامب” اقتنع في النهاية برأي عدد من كبار المسئولين بوزارة الدفاع (البنتاجون) وفي مقدمتهم رئيس هيئة الأركان المشتركة “جوزيف دانفورد”، الذي حذر من التحرك العسكري ضد طهران لكونه ينطوي على تهديد للقوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

وقد بدأ الرئيس “ترامب” في تحجيم نفوذ تيار الصقور بعد غضبه لما يراه من تخطيط حربي يقوم به هذا التيار يسبق تفكيره. وأشارت بعض التقارير الأمريكية إلى أن الرئيس غير مرتاح لحديث بعض مسئولي إدارته، ولا سيما “بولتون”، عن تغيير النظام الإيراني، الذي يراه مماثلًا لمناقشة الإطاحة بالرئيس العراقي السابق “صدام حسين” قبل الغزو الأمريكي في عام 2003. وتضيف تلك التقارير أن “ترامب” لا يميل إلى استخدام القوة العسكرية ما لم يكن هناك تهديد حقيقي وكبير من جانب الإيرانيين للقوات والمصالح الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط.

وفي خطوة مغايرة لرؤية تيار الصقور، أكد الرئيس الأمريكي في السادس عشر من يوليو الجاري عقب اجتماعه مع مسئولين في إدارته أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام في إيران، لكنها مصممة على منعها من امتلاك أسلحة نووية. كما أعرب عن رغبته في الحوار مع قادة النظام الإيراني، وترحيبه بأي دور لحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين والدوليين للعب دور الوسيط لحلحلة التوتر، وإقناع النظام الإيراني بالتفاوض والجلوس على طاولة المفاوضات. 

لماذا فشلت استراتيجية التفاوض؟

رغم نجاح “ترامب” في إرغام بعض خصوم ومنافسي الولايات المتحدة على القبول بالحوار والجلوس على طاولة المفاوضات، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تنجح حتى الآن في إحراز صفقة واحدة من الصفقات التي وعد بها، رغم مرور أكثر من عامين على دخوله البيت الأبيض. ولا يُتوقع أن تحقق استراتيجيته تلك نجاحًا ملموسًا في حالة إيران. وترجع أسباب هذا الإخفاق إلى جملةٍ من الأسباب، نوجزها فيما يلي:

1- أن الرئيس الأمريكي يدخل مرحلة التفاوض بدون تحديد جدول زمني لتنفيذ الخصم للشروط الأمريكية، مقابل جدول زمني آخر لرفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة عليه.

2- غياب الشخصيات القادرة على إدارة التفاوض داخل وزارة الخارجية الأمريكية التي تُعاني من تهميش كبير من قبل الرئيس الأمريكي منذ تولي “ريكس تريلسون” منصب وزير الخارجية، ونقل “ترامب” الكثير من الملفات التي كانت الوزارة مسئولة عنها إلى مستشاريه داخل البيت الأبيض. ناهيك عن فراغ كثير من المناصب العليا بالوزارة لأسباب ترتبط بعدم تسمية الرئيس مرشحين لها، أو لمعارضة مجلس الشيوخ الكثير من ترشيحات الرئيس لتولي المناصب القيادية بوزارة الخارجية الأمريكية.

3- توتر علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين بعد اتخاذ الرئيس “ترامب” قرارات أحادية تتعارض مع مصالحهم ورؤيتهم للقضايا المشتركة، بجانب تهديده العلاقات التاريخية معهم. وهو الأمر الذي أفقد واشنطن الدعم الدولي لتحركاتها الخارجية، وجعلها تتحرك على الساحة الدولية بمفردها، ما أفقدها الكثير من قدراتها التأثيرية التي كانت تستند إلى إجماع حلفائها وشركائها حول العالم.

4- النتائج العسكرية للاستراتيجية الأمريكية، حيث لا تدفع العقوبات الخصوم والمنافسين إلى تغيير سياساتهم والجلوس على طاولة المفاوضات، لكنها قد تدفعهم إلى التحدي والمواجهة؛ بما يُعمق من الأزمة بدلًا من تفكيكها وحلها.

في التحليل الأخير، لم تنجح استراتيجية الرئيس الأمريكي للتفاوض مع خصوم الولايات المتحدة ومنافسيها الاستراتيجيين حتى الآن في تحقيق أي نجاحات، بل جاءت بنتائج عكسية. فعلى الرغم من حملة الضغوط الأمريكية على نظام كوريا الشمالية، والقمم الثلاث بين “ترامب” و”أون”، فإن بيونج يانج تعزز من علاقاتها الاستراتيجية مع الصين العدو الرئيسي للولايات المتحدة. كذلك، فإن بكين مع حملة الضغوط والعقوبات الأمريكية عليها، بدأت في التقارب مع روسيا، ليشكل خصما الولايات المتحدة “تحالفًا” لمواجهة النفوذ الأمريكي دوليًّا.

وفي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأمريكي إلى تحجيم نفوذ تيار الصقور داخل الإدارة الأمريكية، خوفًا من الانزلاق إلى حرب غير مقصودة، وإبداء رغبته في أكثر من مرة الحوار والتفاوض مع النظام الإيراني، ولا سيما مع بداية الحملات الانتخابية للانتخابات الرئاسية القادمة في نوفمبر ٢٠٢٠؛ إلا أنه قد لا ينجح في إرغام قيادات طهران على الجلوس معه على طاولة المفاوضات؛ لأن المسئولين الإيرانيين -حتى الآن- يُعلنون رفضهم لشروط التفاوض الأمريكية التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكية في مايو 2018. وقد صرحوا أكثر من مرة رفض النظام للتفاوض مع “ترامب” إلا بعد عودته للاتفاق النووي لعام ٢٠١٥، الذي انسحب منه في الثامن من مايو ٢٠١٨، ورفع العقوبات التي فرضتها إدارته على اقتصاد دولتهم.

يضاف إلى ما سبق، أن الرئيس “ترامب” خلال أول عامين له داخل البيت الأبيض عمل على تدمير الأسس التقليدية التي تتم بناء عليها عملية صناعة القرار الأمريكي الخارجي. ناهيك عن تخلصه من كافة الكوادر القادرة على التعامل مع الأزمات والتطورات الدولية انطلاقًا من إعلاء المصلحة والأمن القومي الأمريكي بعيدًا عن النزوات الشخصية والأهواء الأيديولوجية، والمكاسب السياسية والحزبية الضيقة.

عمرو عبد العاطي
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية