وحدة الدراسات الأفريقية

قوة “تاكوبا”: الخيارات الفرنسية الجديدة في الساحل الإفريقي

تعاني منطقة الساحل الإفريقي من تفاقم النشاط الإرهابي، بدءًا من مالي، ثم النيجر، وتشاد، ومؤخرًا بوركينافاسو، وشمال نيجيريا. وتعاني هذه الدول من مجموعة متداخلة من التهديدات الأمنية تجمع نشاط الجماعات الإرهابية بظواهر مثل: تداعيات الكوارث البيئية، والفقر، والصراعات الإثنية. وقد أصبحت مواجهة الإرهاب في الساحل الإفريقي مطلبًا ملحًّا بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية المتزايدة على أهداف عسكرية ومدنية في الأشهر الأخيرة من عام 2019، وكذلك عمليات نقل لعناصر من التنظيمات الإرهابية من ساحات القتال في الشرق الأوسط إلى القارة الإفريقية، وتفشي ظاهرة العنف الإثني، مما يؤكد عجز الجيوش والقوات الوطنية لدول الساحل عن مواجهة هذه التحديات بمفردها. وعلى الرغم من…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

تعاني منطقة الساحل الإفريقي من تفاقم النشاط الإرهابي، بدءًا من مالي، ثم النيجر، وتشاد، ومؤخرًا بوركينافاسو، وشمال نيجيريا. وتعاني هذه الدول من مجموعة متداخلة من التهديدات الأمنية تجمع نشاط الجماعات الإرهابية بظواهر مثل: تداعيات الكوارث البيئية، والفقر، والصراعات الإثنية. وقد أصبحت مواجهة الإرهاب في الساحل الإفريقي مطلبًا ملحًّا بعد سلسلة من الهجمات الإرهابية المتزايدة على أهداف عسكرية ومدنية في الأشهر الأخيرة من عام 2019، وكذلك عمليات نقل لعناصر من التنظيمات الإرهابية من ساحات القتال في الشرق الأوسط إلى القارة الإفريقية، وتفشي ظاهرة العنف الإثني، مما يؤكد عجز الجيوش والقوات الوطنية لدول الساحل عن مواجهة هذه التحديات بمفردها. وعلى الرغم من انخراط فرنسا في جهود مكافحة الإرهاب في الساحل منذ عام 2013، إلا أن الموجة الأخيرة من تصاعد التهديدات الأمنية في الإقليم دفعت فرنسا لمراجعة سياسات انخراطها العسكري، في ظل الارتباط بين أمن الساحل الإفريقي والأمن الأوروبي. 

مخرجات قمة “باو” الفرنسية لمُكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي

في الثالث عشر من يناير 2020 عُقدت القمة الفرنسية لتعزيز مُكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي بمدينة “باو” بجنوب غرب فرنسا، والتي جمعت الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” برؤساء مجموعة دول الساحل الخمس (مالي، والنيجر، وتشاد، وبوركينافاسو، وموريتانيا). وقد حرصت فرنسا من خلال عقد هذه القمة على تحقيق عدد من الأهداف، أهمها تعزيز شرعية وجود القوات الفرنسية في الإقليم، في ظل تنامي الشعور بالعداء لفرنسا، وتحديدًا في مالي التي شهدت في العاشر من يناير 2020 تظاهرات لنحو ألف شخص في العاصمة باماكو للمطالبة برحيل القوات الفرنسية والأجنبية. كما سعت فرنسا لاستغلال القمة في حث الحلفاء الأوروبيين على زيادة مشاركتهم في عمليات مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي عبر تحمل المزيد من الأعباء، سواء على مستوى الانخراط في تنفيذ العمليات على الأرض، أو في تقديم الدعم المالي لجهود مكافحة الإرهاب في الساحل. 

وقد أسفر عقد القمة عن اتفاق الرئيس الفرنسي وقادة الدول الإفريقية الخمس على استحداث آلية تنسيقية جديدة أكثر فاعلية تحمل اسم “التحالف من أجل الساحل”، والذي يجمع بين قوات دول الساحل الخمس وقوة “برخان” الفرنسية وقوات الدول الأوروبية المشاركة في جهود مكافحة الإرهاب في الساحل، حيث تم الإعلان في القمة عن إنشاء هيكل قيادة مشترك للتنسيق بين قوة “برخان” الفرنسية التي يبلغ قوامها 4500 فرد، وجيش مجموعة الخمس المكون من 5000 فرد، بجانب الإعلان عن نشر قوة جديدة تحمل اسم “تاكوبا” تضم أفرادًا من القوات الخاصة التابعين لعدد من الدول الأوروبية والتي أعلن عن تأسيسها في نوفمبر 2019. 

وقد أكد الرئيس الفرنسي “ماكرون” خلال القمة أن التحالف من أجل الساحل سيواصل مُحاربة جميع الجماعات الإرهابية في المنطقة، مع إعطاء الأولوية للحرب ضد تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى وتحديدًا في منطقة التقاء الحدود بين مالي والنيجر وبوركينافاسو، والتي تخرج عن سيطرة الدول الثلاث، الأمر الذي سمح بأن تتحول إلى مركز لنشاط التنظيمات الإرهابية. 

دوافع فرنسا لتغيير استراتيجيتها في الساحل الإفريقي

تعددت الدوافع وراء رغبة فرنسا في مراجعة استراتيجيتها في إقليم الساحل الإفريقي، والتي تضمنت عددًا من المسارات كان أهمها المزيد من الإشراك الفعال للدول الأوروبية في مُكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي. 

1- الدوافع السياسية: تنامت الانتقادات الحادة للوجود الفرنسي في ظل تصاعد الأصوات المطالبة بالانسحاب الفرنسي نتيجة الخسائر الضخمة في عدد الجنود الفرنسين. وبينما لا يُعد الانسحاب الفرنسي من الساحل في الوقت الحالي خيارًا واقعيًّا، لا يتقبل الفرنسيون الاستمرار وحدهم على ساحة القتال دون تدخل أوروبي فعَّال للدفاع عن أمن منطقة الساحل واستقرارها. 

2- الدوافع الاقتصادية: تعترض شريحة واسعة من الفرنسيين على تكلفة الحضور العسكري لبلادهم في منطقة الساحل الإفريقي، سواء على المستوى المادي والبشري، حيث قُتل العشرات من الجنود الفرنسيين هناك منذ انخراط فرنسا بعملية سرفال ثم برخان، حيث تكلف عملية “برخان” وحدها نحو 700 مليون يورو سنويًّا. وعلاوة على ذلك لم تنجح القوات الفرنسية على مدار السنوات الماضية في القضاء على الجماعات الإرهابية التي تعززت في المنطقة، واستطاعت استخدام تكتيكات جديدة يصعب على القوات الفرنسية مواجهتها بمفردها. 

4- الدوافع الأمنية والعسكرية: في ظل تزايد عدد الهجمات الإرهابية الأخيرة، تسعى فرنسا لمنع الجماعات الإرهابية والمتمردين المرتبطين بتنظيم القاعدة وداعش من التعمق في المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة في الساحل، والحد من مخاطر الهجرة غير الشرعية من دول الساحل الإفريقي وعبرها.

5- دعم الجيوش الوطنية: تستهدف فرنسا من تعزيز مُشاركة الدول الأوروبية الأخرى في مكافحة الإرهاب في الساحل توفير مصدر إضافي لدعم ومساندة الدول الإفريقية التي لا تتمتع بالقدرة الكافية على التصدي لتحدي الإرهاب وحدها، وتدريب ومرافقة القوات المحلية لتكون أكثر استعدادًا من الناحية العسكرية. 

قوة “تاكوبا”: مشاركة أكبر وتفويض أوسع

تُعد قوة “تاكوبا” تجسيدًا للتفاهمات الأوروبية بشأن تأسيس تحالف من القوات الخاصة بمنطقة الساحل الإفريقي، ومن المقرر أن تشارك الوحدات الخاصة بهذه العملية أولًا في دولة مالي قبل التمدد إلى بوركينافاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد لمحاربة الإرهابيين المدعومين من تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية “داعش”. وتعتبر قوة “تاكوبا” وحدة عسكرية تضم أفرادًا من القوات الخاصة لدعم قوة “برخان” في عام 2020 في مالي وتعزيز الوجود الأمني الأوروبي في الساحل الإفريقي، وهي قوة قتالية متطورة تشارك فيها فرنسا وعشر دول أوروبية من أجل مُكافحة الإرهاب. وتقترب قوة “تاكوبا” المزمع نشرها في الساحل الإفريقي مع القوات التابعة لفريق الارتباط العملياتي التوجيهي والتي كانت تعمل على مكافحة الإرهاب في أفغانستان. 

وتهدف قوة “تاكوبا” من اندماجها في عملية “برخان” إلى تدريب ومرافقة وحدات من الجيش المالي في القتال، وتطوير القدرات التشغيلية للقوات المحلية، ونقل المعرفة الاستثنائية والدعم القتالي، وتقديم المشورة ومساعدة القوات الشريكة في قتال الإرهابيين، وتدريب القوات المحلية لدعم مسيرتها صوب تحقيق الاستقلال الذاتي، والقدرة على الصمود أمام التحدي الإرهابي. 

وتسعى فرنسا إلى توسيع قوة “تاكوبا” لأكثر من 400 مقاتل من القوات الخاصة، بعدما تعهدت العديد من الدول الأوروبية الانخراط في قوة “تاكوبا”، ومنها بلجيكا والدول الاسكندنافية (السويد، والنرويج، والدنمارك) ودول البلطيق (إستونيا ولاتفيا) وأيرلندا وهولندا)، في حين رفضت ألمانيا والمملكة المتحدة المشاركة في العملية. ففي الثالث عشر من نوفمبر 2019 جاءت أولى الاستجابات الأوروبية للدعوة الفرنسية من وزارة الدفاع في إستونيا والتي أعلنت مشاركة قوات العمليات الخاصة الإستونية في قوة “تاكوبا”، وهو ما يأتي في ظل نشر قوات إستونية بالفعل في إطار عملية “برخان” منذ أغسطس من عام 2018، وتتمركز الكتيبة الإستونية حاليًّا في مدينة غاو بشمال مالي، وهي على استعداد لنشر 40 فردًا من القوات الخاصة في إطار قوة “تاكوبا”. كما أعلنت النرويج موافقتها على المشاركة في قوة “تاكوبا” بعد تلقيها طلبًا من الحكومتين الفرنسية والمالية، وهي العملية التي اعتبرها وزير الدفاع النرويجي “فرانك باكي جينسن” بمثابة العودة لإفريقيا بعد مشاركة سابقة لقوات نرويجية عام 2008 في تشاد.

على جانب آخر، رفضت ألمانيا المشاركة في العملية، حيث طلبت فرنسا من ألمانيا مرتين إرسال قوات خاصة لمُعالجة الوضع الأمني في مالي، لكن المطالب الفرنسية قوبلت برفض ألماني متكرر. وعلى الرغم من المشاركة الألمانية في قوة الساحل الإفريقي، لكنها تبقى مشاركة محدودة، خصوصًا أن عملية التفويض الأممية الخاصة بالاستعانة بالجيش الألماني لا تشمل مشاركته في العمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب، وإنما تقتصر على النواحي اللوجستية فقط. وقد رفضت ألمانيا التواجد في عملية برخان التي تقودها فرنسا في منطقة الساحل منذ تدشينها في عام 2014. وتسعى فرنسا لتعزيز دور القوات الألمانية العاملة في الساحل الإفريقي، والتحول من التدريب إلى المشاركة الفعلية في العملية القتالية، الأمر الذي يرفضه الألمان لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية. ففي الوقت الذي أكدت فيه المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” دعمها لزيادة مشاركة ألمانيا في الساحل، أعاق شركاؤها في الائتلاف الحاكم في الحزب الاجتماعي الديمقراطي أي التزام عسكري آخر. إجمالًا، تظل كافة الخيارات الممكنة مطروحة لفرنسا في الساحل الإفريقي، ومن ضمنها الخيار الأخير المتمثل في الخفض التدريجي لقواتها المنخرطة في الساحل، وهو الخيار الذي سيحمل بالتأكيد عواقب وخيمة على السياسة الفرنسية في إفريقيا، والتي تسعى فرنسا لتجنبها عبر الضغط على بلدان الساحل الإفريقي وشركائها الأوروبيين لتعزيز مشاركتهم في مكافحة الإرهاب، مؤكدة أنها تقاتل بالنيابة عن العالم في إفريقيا. ويبقى تقييم فعالية قوة تاكوبا بعد نشرها التدريجي في الساحل خلال العام الجاري من بين المحددات الرئيسية لمستقبل الانخراط العسكري في الساحل الإفريقي.

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية