وحدة الدراسات الأفريقية

“عدوى الإرهاب” بالساحل الإفريقي.. الأنماط والمحفّزات

تتصاعد عدوى ظاهرة الإرهاب في دول ومناطق الساحل الإفريقي، فبعد أكثر من ست سنوات على التدخل الفرنسي في شمال مالي في عام 2013 لطرد جماعات إرهابية سيطرت على المنطقة؛ تمددت البؤر الإرهابية الساخنة إلى وسط البلاد، ثم اخترقت حدود جارتيها الحدوديتين (بوركينا فاسو، والنيجر)، بل وطرقت دولًا في الغرب الإفريقي (مثل: بنين، وكوت ديفوار). وأخذ ذلك التمدد -الذي رافقه توالد تنظيمات إرهابية جديدة، سواء عبر انشقاقات أو تحالفات- خطًّا جغرافيًّا متصلًا مع هجمات جماعة “بوكو حرام” في منطقة بحيرة تشاد (نيجيريا، النيجر، تشاد، الكاميرون)، لتصبح منطقة الساحل نطاقًا إرهابيًّا خطرًا يصل بين ظهيره الخلفي في منطقة شمال إفريقيا والمتخم بأزمة…

د. خالد حنفي علي

تتصاعد عدوى ظاهرة الإرهاب في دول ومناطق الساحل الإفريقي، فبعد أكثر من ست سنوات على التدخل الفرنسي في شمال مالي في عام 2013 لطرد جماعات إرهابية سيطرت على المنطقة؛ تمددت البؤر الإرهابية الساخنة إلى وسط البلاد، ثم اخترقت حدود جارتيها الحدوديتين (بوركينا فاسو، والنيجر)، بل وطرقت دولًا في الغرب الإفريقي (مثل: بنين، وكوت ديفوار). وأخذ ذلك التمدد -الذي رافقه توالد تنظيمات إرهابية جديدة، سواء عبر انشقاقات أو تحالفات- خطًّا جغرافيًّا متصلًا مع هجمات جماعة “بوكو حرام” في منطقة بحيرة تشاد (نيجيريا، النيجر، تشاد، الكاميرون)، لتصبح منطقة الساحل نطاقًا إرهابيًّا خطرًا يصل بين ظهيره الخلفي في منطقة شمال إفريقيا والمتخم بأزمة ليبيا، والأمامي في إفريقيا جنوب الصحراء.

ولأن جغرافيا الساحل الإفريقي التي تمتد من ساحل المحيط الأطلنطي غربًا إلى البحر الأحمر شرقًا، تتشارك في الأزمات السياسية والتنموية، وكذا البنى الاجتماعية – القبلية العابرة للحدود؛ بدت المعضلةُ الأمنية ذات طابع جماعي، الأمر الذي دفع رئيس النيجر “محمدو إيسوفو” إلى المطالبة، عشية القمة الإفريقية الاستثنائية في العاصمة نيامي في أوائل يوليو 2019، بتشكيل تحالف دولي لمكافحة الإرهاب بالمنطقة، على غرار ما جرى في مكافحة تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، محذرًا من أن هزيمة هذه الدول يعني انتقال الإرهاب إلى أوروبا والولايات المتحدة.

وبينما دلل ذلك التحذير على أزمة الإرهاب المضاعف التي تواجه النيجر من حدودها المختلفة، لكونها همزة وصل جيوسياسية في قلب الساحل؛ إلا أنه يعكس بلوغ التهديد الإرهابي مستوى غير مسبوق يهدد أمن واستقرار دول المنطقة. الأهم أن استراتيجيات مكافحة الإرهاب صارت محل شكوك حول فعاليتها، حتى إن الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيرش” اعتبر خلال مؤتمر للتصدي للإرهاب بنيروبي في شهر يوليو 2019 أن قوة دول الساحل الخمس لا تكفي لمواجهة تمدد الإرهاب في غرب إفريقيا.

ومن ثم، بدا السؤال المطروح هنا هو: كيف تمددت العدوى الإرهابية في الساحل الإفريقي لتمتزج تارة بتهديدات الهجرة والجريمة المنظمة المتفشية بالمنطقة، وتارة أخرى بالمظالم المحلية التي لم تجد علاجًا ناجعًا من أنظمة المنطقة، لتخلق بالتالي معضلة أمنية معقدة تتحرك جغرافيًّا، وبالتالي يظهر معها انكشاف حاد لبنية الدولة، بخلاف ما تُفرزه من تداعيات إنسانية واقتصادية على المجتمعات، على الرغم من تنامي وتيرة العسكرة الإقليمية والدولية؟.

أنماط العدوى

تـنبني فكرة العدوى الإرهابية بالأساس على حدوث انتشار للفواعل الإرهابية المسلحة في نطاقات جغرافية واجتماعية متقاربة نسبيًّا، كونها أكثر قابلية لذلك من حيث طبيعة أزماتها السياسية والتنموية والأمنية والاجتماعية. وتستهدف تلك الفواعل من ذلك نشر التهديدات على نطاق واسع تحقيقًا لأغراض سياسية وأيديولوجية متطرفة، فضلًا عن بناء ظهير محلي يوفر مصادر متجددة للتجنيد والتمويل والملاذات الآمنة التي تُخفف الضغوط العسكرية، سواء للحكومات أو القوى الإقليمية والدولية. وأخذت تلك العدوى أنماطًا رئيسية في منطقة الساحل الإفريقي خلال السنوات الست الماضية؛ أولها ذو طبيعة أفقية (انتشار جغرافي)، والثاني ذو طبيعة رأسية (اختراق مجتمعي). أما النمط الثالث، فيتعلق أكثر بالتسابق على الارتباط بالحركات الإرهابية العالمية العابرة للحدود، ويمكن تفصيل تلك الأنماط ومؤشراتها على النحو التالي:

النمط الأول- التمدد الجغرافي الأفقي: حيث انتقلت التنظيمات الإرهابية في الساحل الإفريقي من استراتيجية التوطن أو السيطرة على منطقة بعينها إلى التنقل الجغرافي، إما داخل مناطق الدولة الواحدة، أو اختراق الحدود الإقليمية الهشة التي تَضْعُفُ السيطرة عليها من قبل حكومات المنطقة. فبعد أن فقدت جماعات إرهابية (مثل: أنصار الدين، وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) سيطرتها على شمالي مالي إثر التدخل الفرنسي في 2013، أعادت تجميع نفسها مرة أخرى لتعاود ضرباتها في مدن كيدال وغاو وتمبكتو خلال العام نفسه. ثم برزت لاحقًا بؤرة إرهابية في وسط مالي خاصة موبتي، تقودها جبهة تحرير ماسينا في عام 2015.

كذلك، تمدد النشاط الإرهابي، سواء من قبل تنظيم “داعش” الصحراء الكبرى، أو جماعة أنصار الإسلام والمسلمين، من شمال ووسط مالي ليخترق المنطقة الحدودية بينها وبين بوركينا فاسو والنيجر، ثم زحف إلى دول غرب إفريقيا، ولا سيما بنين، حيث تم اختطاف فرنسيين في مايو 2019. ناهيك عن أن ساحل العاج كانت هدفًا بالأساس للإرهابيين في عام 2016، عندما قُتل 18 شخصًا في منتجع سياحي، وتبنى الهجوم آنذاك تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب العربي”، كرد على التدخل الفرنسي في المنطقة. ومنذ ذلك الحين، تصاعدت التحذيرات الاستخباراتية حول أن غانا وتوجو قد تكونان هدفين مقبلين للعمليات الإرهابية بفعل تسرب عناصر متطرفة للدولتين.

النمط الثاني- الاختراق المجتمعي الرأسي: حيث سعت تنظيمات الإرهاب في الساحل الإفريقي إلى توظيف السكان الغاضبين من ضعف الحكومات وإهمال التنمية واحتكار الثروات لدى نخب بعينها في بناء حواضن محلية تمكنها من الصمود في مواجهة الضغوطات الأمنية، وعكس ذلك التوظيف تمازج العوامل الدينية والقبلية في ظاهرة الإرهاب الإفريقي. وبرز جليًّا منذ تفجر أزمة شمال مالي. إذ صاغت آنذاك جماعة أنصار الدين من قبيلة الإيفوغاس الطوارقية علاقة تحالفية مع كلٍّ من حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا وتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب العربي”؛ ما أسهم في اجتياح شمال مالي في عام 2012. وتمدد ذلك التمازج القبلي – الجهادي إلى إثنية الفولاني في وسط مالي، عبر جبهة تحرير ماسينا، مستندًا في ذلك إلى إرث إمبراطورية ماسينا الإسلامية في القرن التاسع عشر، والتهميش السياسي والتنموي، حيث يشكو الفولاني انحياز الحكومة لصالح قبائل المزارعين (مثل: البامبارا، والدوجون).

ومع تمدد الفولاني في دول وسط وغرب إفريقيا، برزت اختراقات إرهابية أخرى، مثل جماعة أنصار الإسلام في شمال بوركينا فاسو، كتعبير عن المظالم المحلية في المنطقة، وفي الوقت نفسه محاولة استعادة حلم الإمبراطورية الفولانية لتطبيق الشريعة. وبرغم أن الجماعات ذات الانتماءات القاعدية بدت أكثر سعيًا لبناء ظهير محلي في منطقة الساحل، مقارنة بداعش التي تميل هجماتها إلى مناطق الفراغات الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو؛ لكن ذلك لم يمنع “داعش الصحراء الكبرى” من محاولة اجتذاب عناصر من الفولاني لإثارة أزمات محلية بينهم وبين الطوارق، خاصة أن ذلك التنظيم هاجم ميليشيات طوارقية موالية للحكومة المالية، مثل: مجموعة أمغاد طوارق للدفاع عن النفس والحلفاء (GATIA)، وحركة إنقاذ الطوارق (MSA).

لقد ظلّ الاختلاط بين الدوافع الإرهابية والبنى المجتمعية القبلية حاضرًا طيلة الوقت في منطقة الساحل، وإن اتسعت عدواه، مثل تنظيم المرابطين في شمال مالي، الذي برز كائتلاف بين جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا وتنظيم الملثمين في عام 2013، فالجماعة الأولى تعتمد في تجنيدها على القبائل العربية في شمال مالي، بينما الثانية ترتكز على العناصر الجزائرية والمالية والموريتانية. على الجانب الآخر في منطقة الساحل، اعتمدت “بوكو حرام” في أحد مصادر تجنيد أفرادها على قبيلة الكانوري الممتدة في دول بحيرة تشاد، والتي ترفض بدورها هيمنة الهوسا – الفولاني على السلطة في ولايات الشمال النيجيري، بخلاف استعادة الحدود القديمة للمملكة الإسلامية القديمة التي حملت اسم (كانم برنو)، وضمت مناطق في نيجيريا والنيجر والكاميرون وتشاد.

النمط الثالث- الارتباط بالإرهاب العالمي: تسابقت التنظيمات الإرهابية في الساحل الإفريقي إلى الارتباط بحركات الإرهاب العالمي لاعتبارات تتعلق باكتساب النفوذ المعنوي والدعم المادي، وبالتالي حيازة شرعية في أوساط الجهاديين. وساعد على ذلك وجود مقاتلين أجانب وافدين على تنظيمات الساحل من خارج المنطقة. وبعدما هيمنت الانتماءات القاعدية على المرجعيات الأيديولوجية لتنظيمات الإرهاب بالمنطقة، كأنصار الدين والمرابطين، و”القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”؛ جاء صعود “داعش” في عام 2014 في سوريا والعراق كمنافس للقاعدة ليدفع بعض تنظيمات الساحل لإعلان ولائها له، وهو ما أحدث تصدعات داخلية.

إذ برز تنظيم “داعش الصحراء الكبرى” في عام 2015، كتعبير عن انشقاق “أبو الوليد الصحراوي” عن كتيبة المرابطين (التي يقودها مختار بلمختار، وتدين بالولاء للقاعدة) ليعلن مبايعته لـ”الدولة الإسلامية”. وكثف هذا التنظيم هجماته منذ أكتوبر 2016، وكان من أبرزها إعلان مسئوليته عن هجوم في منطقة تيلابيري جنوب غرب النيجر قُتل فيه أربعة جنود أمريكيين ومثلهم من النيجر في أكتوبر 2017. كما لوحظ أن أكثر من 90% من هجمات “داعش” تتمحور حول المناطق الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بخلاف أنه ارتبط بحوالي 42% من قتلى العمليات الإرهابية في 2018 بمنطقة الساحل، وفقًا للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية.

بالمثل، استغلت “بوكو حرام” تحولات الإرهاب العالمي لتبايع “داعش” في عام 2015، ما أدى إلى انشقاق الجماعة إلى فرعين، أحدهما يقوده “أبو بكر شيكاو”، والآخر “أبو مصعب البرناوي”، وفضّل “داعش” “البرناوي” على “شيكاو” في أغسطس 2016، ليكون حاكمًا لولاية “داعش” في غرب إفريقيا. في الوقت نفسه، فإن فصيل “البرناوي” (الذي ذكرت تقارير أنه أُقيل من قيادته في عام 2019 دون إعلان بديل) صار معروفًا باسم تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا، وبات يشن هجمات مكثفة في بحيرة تشاد من جهة النيجر، خاصة الأهداف العسكرية بالمنطقة، قياسًا بفصيل شيكاو الذي لا يفرق بين الأهداف المدنية والعسكرية في هجماته، والتي تتكثف أكثر في المنطقة الحدودية بين شمال شرق نيجيريا والكاميرون. من هنا، بدت هنالك إمكانية لتلاقي الخطوط الإرهابية لـ”داعش الصحراء الكبرى” الذي يتركز في مالي وبوركينافاسو والنيجر مع نظيره الداعشي في غرب إفريقيا، حول بحيرة تشاد، ولا سيما في ظل السيولة الحدودية في دول المنطقة.

محفزات للعدوى

أسهمت عوامل متعددة في انتقال عدوى الإرهاب بين دول الساحل الإفريقي، وهي تشكل في مضمونها علاقات سببية دائرية، أي إنها عوامل يغذي بعضها بعضًا، بما يشي بتعقد سياقات الإرهاب الإفريقي. ذلك أن أزمة عدم قدرة الدولة على أداء وظائفها الأمنية والتنموية وفرت للتنظيمات الإرهابية بيئة مواتية لنشر عدواها جغرافيًّا ومجتمعيًّا، والعكس صحيح. ويتداخل ذلك مع المظالم السياسية والتنموية والنزاعات القبلية المحلية على الموارد التي تتعرض للتقلص إثر ظواهر التصحر والجفاف في منطقة الساحل.

وتتغذى أزمةُ الدولة الهشة في الساحل الإفريقي على معضلات غياب الحكم الديمقراطي وضعف الأمن والتنمية، حيث خضعت الدولة في المنطقة إلى هيمنة شبكة مصالح ضيقة امتزجت فيها العوامل العسكرية والإثنية والسياسية منذ استقلالها عن الاستعمار الغربي، لتنتج بالتالي نخبًا زبائنية تحوز السلطة والثروة عبر ديمقراطية صورية، بخلاف نموذج تنموي مركزي يدعم مصالحها الضيقة، فيما عانت المناطق الطرفية من تهميش وفقر وبطالة، وهو ما يفسر بروز تنظيمات مثل “بوكو حرام” في شمال شرقي نيجيريا، وأنصار الإسلام في شمال بوركينا فاسو، والتنظيمات الإرهابية المتعددة في شمال ووسط مالي، أو اختراق العدوى الإرهابية للبنى القبلية، بل وبروز أنشطة الجماعات الإرهابية في الفراغات الأمنية الحدودية حيث تضعف السلطة الأمنية للدولة. 

ومن ثم، ليس من قبيل المفارقة أن يكون هنالك ارتباط بين عدوى الإرهاب وكون دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد تقبع في شريحة الدول الأقل نموًّا في العالم، برغم أنها تملك موارد معدنية، مثل النفط والذهب واليورانيوم. بل إن دولة كنيجيريا وعلى الرغم من أنها تعد أكبر منتج نفطي بالقارة الإفريقية؛ إلا أن غالبية سكانها في الشمال يرزحون تحت خط الفقر. وتتعقد الأزمة أكثر بالنظر إلى أن العدوى الإرهابية تُعزز الأزمات الاقتصادية بالمنطقة، فعمليات اختطاف السياح التي تمارسها التنظيمات الإرهابية تقلص من موارد النقد الأجنبي لهذه الدول، وبالتالي تضعف قدرتها على الإصلاحات التنموية.

وفي ظل هكذا دولة هشة؛ فإن الصراعات الداخلية الممتدة اجتماعيًّا تنطوي على تعقيدات في تسويتها ما يغذي عدوى الإرهاب، فبرغم توقيع اتفاق سلام بين حكومة مالي والجماعات المسلحة في 2015؛ إلا أن إحدى مشكلاته أنه يعاني بطئًا شديدًا في تنفيذه، خاصة إصلاح قطاع الأمن بما يتضمنه من نزع السلاح وتسريح المقاتلين، بخلاف معضلة إدماج الأطراف المسلحة غير الموقِّعة على الاتفاق. ناهيك عن أن الاتفاق الذي سعى لمعالجة مظالم الطوارق أوقد على الجانب الآخر مشكلات جماعات أخرى، مثل الفولاني الذين يشعرون أنه تم استبعادهم من مكاسب ذلك الاتفاق، كما أن لديهم مظالم تنموية وسياسية، في ظل اتهامات للحكومة باستهدافهم دون مراعاة لحقوق الإنسان، ومحاباة جماعات أخرى على حسابهم كما أُشير سابقًا، وهو الأمر الذي دفعهم لتشكيل ميليشيات مسلحة للدفاع عنهم، كما الحال مع “التحالف الوطني لحماية هوية بيول وإقرار العدل”، ناهيك عن التقارب مع جماعات إرهابية مثل أنصار الدين أو “داعش الصحراء الكبرى”.

على صعيد آخر، راكمت التنظيمات الإرهابية في الساحل على مدار السنوات الماضية مجموعة من الآليات التكيفية التي سمحت لها بتعزيز استراتيجيتي البقاء والتوسع. فمن جهة، لجأت للتحالف لتوسيع القدرة على شن الهجمات وحشد مواردها التنظيمية، مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (تحالف تأسس بقيادة “إياد أغ غالي” في مارس 2017، ويضم كلًّا من أنصار الدين، والمرابطين، وكتائب ماسينا، وإمارة الصحراء). ومن جهة أخرى، فإنها تجلب موارد مالية عبر تجارة الرهائن بالمنطقة، فضلًا عن أنشطة الجريمة المنظمة (تهريب السلاح، والسلع، الهجرة، المخدرات) عبر الحدود.

وعزز البيئةَ الناقلة للإرهاب في الساحل الإفريقي تصاعدُ حدة ظواهر التدهور البيئي، مثل نشوء ظواهر الجفاف والتصحر، التي تسببت بدورها في نشوب نزاعات محلية بين المزارعين والرعاة حول الموارد، ولا سيما مع تقلص الأراضي الصالحة للرعي وموارد المياه، ناهيك عن ضعف الاستجابة التنموية للدول لحل هذه الأزمات. وتشير الأمم المتحدة إلى تدهور 80% من الأراضي القابلة للزراعة في منطقة الساحل، ما تسبب في أزمة أمن غذائي لأكثر من 33 مليون شخص، وتصاعد موجات الهجرة والنزوح. 

ويُعد التدهور البيئي في وسط مالي أحد مغذيات الإرهاب بالمنطقة، ذلك أن الصراع بين الرعاة (الفولاني) والمزراعين (الدوجون) نشأ على خلفية تقلص موارد المياه في نهر النيجر، وهو ما أحدث موجة فقر في أوساط الفولاني وفرت بيئة قابلة للتحالفات مع جماعات الإرهاب بالمنطقة، خاصة جبهة تحرير ماسينا في منطقة موبتي في وسط مالي. وبالمثل، فإن أحد جوانب تغذية عنف “بوكو حرام” واتساعه في بحيرة تشاد يأتي على خلفية أزمة التصحر والجفاف التي أفقدت البحيرة 90% من أراضيها، وفقًا للأمم المتحدة، ما حد من قدرة سكان المنطقة المطلة على البحيرة على ممارسة الصيد والزراعة وتربية الماشية، وهو الأمر الذي شكل أحد دوافع الانخراط في الجماعات الإرهابية في المنطقة.

ولا تقل حدة العوامل الخارجية المحفِّزة لعدوى الإرهاب عن نظيرتها الداخلية في منطقة الساحل، إذا ما تم النظر إلى التأثيرات الممتدة للأزمة الليبية منذ نشوبها في عام 2011، بحكم التماسّ الحدودي لجنوب ليبيا مع كل من تشاد والنيجر والسودان، فضلًا عن التشابك العرقي والإثني (الطوارق، التبو)، بخلاف أن بروز الميليشيات والسلاح وتنظيمات الإرهاب في ليبيا حولت الأخيرة إلى مخزن ومعبر في آنٍ لإيواء الإرهابيين، سواء من الساحل أو الشرق الأوسط بعد هزيمة “داعش” في سوريا والعراق. 

وبرزت تداعيات الأزمة الليبية على عدم الاستقرار في الساحل الإفريقي، منذ عودة الطوارق الداعمين لنظام القذافي إلى مالي في 2011 لتنشب أزمة سيطرة جماعات إرهابية على منطقة الشمال. وتعززت تلك التداعيات في السنوات اللاحقة، مع فشل التسوية السياسية وانقسام السلطة بين غرب وشرق ليبيا منذ عام 2014، حيث بدا هذا البلد ساحة للمرتزقة والمقاتلين العابرين للحدود القادمين من مناطق النزاعات في الساحل، وهو ما ظهر في جنوب ليبيا، حيث يعج بميليشيات مسلحة تشادية ونيجرية وغيرها والتي أسهمت في تأجيج عدم الاستقرار بالمنطقة، قبل أن يسيطر عليها الجيش الوطني الليبي في أوائل 2019، والذي يواجه بين حين وآخر هجمات إرهابية خاصة في سبها (جنوب غرب) والجفرة (وسط) بعد نشوب معركة طرابلس في أبريل الماضي.

تأثيرات متعددة

أدّت الأنماط المتعددة العدوى الإرهابية ومحفزاتها إلى العديد من التأثيرات على أمن واستقرار دول الساحل الإفريقي، ومن أبرزها: تصاعد الخسائر البشرية في الهجمات الإرهابية، حيث تشير إحصاءات مشروع بيانات النزاعات المسلحة ACLED إلى تضاعف أعداد وفيات الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل في السنوات الماضية، إذ بلغت 1686 شخصًا في عام 2018، مقارنة بـ949 و320 في عامي 2017 و2016 على الترتيب. وتركزت غالبية الوفيات في مالي، وخاصة منطقتي موبتي (وسط)، وغاو (شمال شرق). كما تم إحصاء أكثر من 185 هجومًا إرهابيًّا بأشكال متنوعة في بوركينا فاسو خلال عام 2018، أي أكثر من أربعة أمثال الهجمات في عام 2017. كما أنه، ومع تصاعد الهجمات الإرهابية تردت الأوضاع الإنسانية في منطقة الساحل، حيث يقدر عدد النازحين داخليًّا والمشردين عبر الحدود بقرابة 5 ملايين شخص، بينما يحتاج قرابة 24 مليون شخص إلى المساعدة الغذائية، بخلاف إغلاق الهجمات الإرهابية أكثر من ألفي مدرسة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وحرمان قرابة 400 ألف طفل من التعليم.

على الجانب الآخر، طالت تأثيرات العدوى الإرهابية النسيج الاجتماعي القبلي في منطقة الساحل، حيث تنامت أعمال العنف القبلي بشكل غير مسبوق بلغ حد التطهير العرقي، خاصة بين المزارعين والرعاة في وسط مالي خلال النصف الأول من عام 2019. ففي العاشر من يونيو 2019، هاجم مسلحون يُعتقد أنهم من الفولاني قرية يقطنها الدوجون في وسط مالي، وقتلوا قرابة المائة، وسبق ذلك مقتل 160 شخصًا من الفولاني في مارس الماضي على يد مهاجمين من الدوجون، وكذلك قتل 37 شخصًا في يناير الماضي من عرقية الدوجون في منطقة موبتي وسط البلاد. بل لوحظ أن الهجمات الإرهابية تمددت نحو النسيج الديني بالمنطقة، كما في شمال بوركينا فاسو، حيث استهدف إرهابيون كنائس بالمنطقة خلال شهر مايو 2019 بعدة هجمات متلاحقة، ناهيك عن استهداف البنى التحتية، وخاصة المدارس، لإظهار عجز الدولة عن حفظ الأمن.

إلا أن الأخطر هو اكتساب التنظيمات الإرهابية جرأة في هجماتها جراء انتشارها في الساحل، حيث تحولت من وضعية الدفاع إلى الهجوم. فعلى سبيل المثال، قُتل 18 جنديًّا وفُقد أربعة جراء هجوم شنته جماعات إرهابية يوم 27 يونيو 2019 في جنوب شرق النيجر في منطقة إيناتيس قرب الحدود مع مالي. وجاء ذلك بعد أقل من ثلاثة أسابيع من عملية مشتركة لقوات من النيجر وفرنسا والولايات المتحدة قتل فيها 18 مسلحًا ينتمون لـ”داعش الصحراء الكبرى” في منطقة تونجو تونجو في جنوب غرب النيجر، والتي كان قد قتل فيها 28 جنديًّا من قوات النيجر في مايو الماضي في كمين مسلح أعلن “داعش” مسئوليته عنه، كما تم تفجير سيارة مفخخة في قاعدة غاو شمال شرقي النيجر، في معسكر تتقاسمه قوتا برخان ومينوسما التابعة للأمم المتحدة في 22 يوليو 2019.

العسكرة ووقف العدوى

يقتضي عادة وقف عدوى التنظيمات الإرهابية مداخل متعددة، تبدأ من الإجهاز الأمني على عناصر الإرهاب لمنع عودة فلولها ثانية، مرورًا بخلق مناعة داخلية للحد من اتساعها جغرافيًّا أو اختراقها لبنية المجتمعات، عبر توفير بيئة سياسية وتنموية واجتماعية تعالج المظالم المحلية، وانتهاءً بدعم دولي عبر تجفيف مصادر التمويل والمساعدات الأمنية والتنموية لدول المنطقة.

والملاحظ هنا أن الشق العسكري والأمني هيمن على مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي، سواء لدى الحكومات التي رفعت ميزانيات الدفاع والأمن، أو عبر تحالفات أمنية خارجية، حيث بدت المنطقة ساحة لقوى عسكرية عديدة لمكافحة الإرهاب، كقوة برخان الفرنسية، وقوة دول الساحل الإفريقي الخمس، أو القوة المتعددة الجنسيات في بحيرة تشاد، أو قوة الأفريكوم، أو بعثات للاتحاد الأوروبي للتدريب وإصلاح قطاع الأمن. مع ذلك، لم يستطع هذا الحضور الأمني الواسع أن يوقف العدوى الإرهابية.

صحيح أن بعض الحكومات حققت مكاسب نسبية من وراء ذلك، سواء لجهة تثبيت سلطاتها الهشة أو تقليص الأراضي التي يسيطر عليها الإرهابيون، كما في حالة “بوكو حرام” في شمال شرق نيجيريا، لكن ظلت الإشكالية تكمن في نمط مجابهة تلك القوى العسكرية للعنف الإرهابي، حيث تعتمد أكثر على استراتيجية قنص قياداتها أو تشتيتهم جغرافيًّا، أكثر من الاشتباك المباشر معهم، لا سيما وأن التنظيمات الإرهابية تتبع نمط حروب العصابات في الضرب المفاجئ ثم الاختباء في ملاذات آمنة متنقلة أو لخشية القوات الأجنبية ذاتها من وقوع خسائر بشرية. ولعل عودة الإرهابيين في شمال مالي بعد التدخل الفرنسي في 2013 عبر عملية سيرفال، ثم تمددهم في دول الساحل، بدا تعبيرًا جليًّا عن تلك الإشكالية.

أضف لذلك، فإن التدخلات العسكرية الخارجية في الساحل جعلت لها اليد الطولى في مكافحة الإرهاب، كما الحال مع قوة برخان الفرنسية التي تلعب الدور الأكبر في مكافحة الإرهاب بالمنطقة، في وقت بدت فيه قوة دول الساحل الخمس (مالي، النيجر، موريتانيا، بوركينا فاسو، تشاد) محدودة الفعالية برغم مرور عامين على إطلاقها في يوليو 2017 برعاية فرنسية. ويرجع ذلك إلى نقص التمويل الثابت والتنسيق الذي تعاني منه هذه القوة، وهو ما أفصح عنه الأمين العام للأمم المتحدة في تقرير أرسله لمجلس الأمن في مطلع مايو 2019، عندما طالب بأن تحصل قوة الساحل على دعم ثابت ومنتظم، وأن يتم تفويضها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بما يجعلها قوة تابعة للمنظمة الأممية.

وبرغم أن فرنسا سعت لتحقيق ذلك الهدف الأخير، إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا تعارضان ذلك بحجة أن الأمم المتحدة تعاني أزمة تمويل، ومن ثمّ جاءت التمويلات لقوة الساحل من قوى بعينها، ما يعكس تنافسًا على النفوذ بالمنطقة، مثل الولايات المتحدة التي تعهدت في شهر يوليو 2019 بتقديم 111 مليون دولار لقوة الساحل الإفريقي الخمس، أما الاتحاد الأوربي فتعهد هو الآخر بـ138 مليون يورو إضافية لتمويل قوة الساحل الخمس.

من ناحية أخرى، فإن غياب قوى إقليمية رئيسية مثل الجزائر عن قوة الساحل الإفريقي عمّق من أزمة فاعليتها؛ فجنوب هذا البلد يعد جزءًا أساسيًّا من جغرافيا الساحل الإفريقي، بخلاف أنه إحدى المناطق التي تدفق منها الإرهابيون إلى شمال مالي بعد العشرية السوداء. أضف إلى ذلك أن للجزائر دورًا أساسيًّا كوسيط في عملية السلام في مالي. ومع كل هذا، لم تشارك الجزائر في قوة الساحل الخمس لرفضها التدخلات الخارجية. كذلك فإن الجزائر تفضل نمط التنسيقات الإقليمية الأمنية كما هو الحال مع مبادرة دول الميدان منذ عام 2010 لمكافحة تهديدات التطرف والجريمة المنظمة.

ومع ازدياد التدخلات الخارجية، تحولت منطقة الساحل إلى ساحة للتكالب بين القوى الدولية الساعية إما لتحجيم تهديدات الإرهاب والهجرة القادمة من قلب إفريقيا والمتجهة إلى السواحل الأوربية، أو تعزيز المصالح الاقتصادية، خاصة مع ما تملكه المنطقة من موارد معدنية مثل اليورانيوم والنفط. بخلاف كون المنطقة مرتبطة بخليج غينيا، حيث خطوط النفط والغاز في غرب إفريقيا. وبالتالي، لم يعد هدف القوى الخارجية التي تكرس وجودها في المنطقة مكافحة الإرهاب فحسب، وإنما البحث عن تواجد أمني طويل المدى للدفاع عن مصالحها بالمنطقة، كما الحال مع وجود قواعد فرنسية في النيجر وتشاد أو قاعدة أمريكية للطائرات دون طيار في شمال النيجر، بخلاف وحدات للتدريب والدعم الأمني في مالي والنيجر.

وما بين باريس وواشنطن، يسعى الاتحاد الأوروبي عبر برامجه الأمنية والتدريبية لإصلاح أجهزة الأمن للحد من الهجرة القادمة من منطقة الساحل. كما تبرز بعثة قوات حفظ السلام (مينموسا) في مالي منذ 2013، والتي تلعب دور الضامن لاتفاق السلام في 2015. وتعاني كل تلك الحشود العسكرية معضلة تنسيق، والأهم أن رفض السكان المحليين يصعب من مهامها على الأرض، ويعطي فرصًا مواتية للتنظيمات الإرهابية التي جعلت الوجود العسكري الأجنبي بالمنطقة هدفًا تبريريًّا لخطاباتها وهجماتها.

كذلك، فإن أزمة التنمية في منطقة الساحل لم تجد علاجات حقيقية، فعلى سبيل المثال، فقد برزت تعهدات الممولين الدوليين والشركاء الإقليميين بقيمة 2.4 مليار يورو في قمة نواكشوط في ديسمبر 2018، وذلك لتنفيذ مشروعات تنموية في غضون 3 سنوات بمنطقة الساحل، مثل خط سكة حديد وشركة طيران موحدة ومشاريع تستهدف المناطق الحدودية الأكثر فقرًا. لكن تلك الوعود لم تتحول بعد إلى واقع ملموس بسبب مخاوف الفساد المنتشرة في دول الساحل، وعدم بذل حكومات الساحل الجهود الكافية لتحسين الخدمات الاجتماعية والتعليم، أو الحد من هيمنة نخب موالية للحكومة تسيطر على الأراضي، مما يثير نزاعات محلية قبلية، كما يبرز في وسط مالي. 

يظل في الأخير أن مكافحة عدوى الإرهاب في الساحل الإفريقي ينبغي أن تنطلق بالأساس من إزالة العوامل المسبِّبة لها، وهي عوامل متداخلة بين ضعف الأمن والديمقراطية والتنمية وغياب العدالة والمصالحة، فضلًا عن اختلاط تنظيمات الإرهاب بتهديدات أخرى كالهجرة والجريمة المنظمة وغيرها. وإن عولجت هذه الأسباب فساعتها قد تتوفر السياقات المجتمعية القابلة للحد من العدوى.

د. خالد حنفي علي