وحدة الدراسات الأفريقية

دلالات الحضور المكثّف: إفريقيا في تقرير الأمن العابر للحدود 2019

في مظهرٍ من مظاهر الاهتمام العالمي بالأوضاع الأمنية في القارة الإفريقية، استضافت العاصمة النيجيرية أبوجا نهاية يونيو 2019 اجتماعًا مهمًّا قدّم فيه منتدى ميونخ للأمن تقريره للأمن العابر للحدود لعام 2019، بحضور الرئيس النيجيري “محمد بخاري”، والبوركيني “روك مارك كريستيان كابوري”، وذلك على هامش قمة “الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا” (إيكواس)، من أجل مناقشة أهم مخرجات التقرير مع عدد من كبار المسئولين وصانعي القرار وممثلي الهيئات الدولية والإقليمية ذات الاهتمام بقضايا أمن الحدود. ويُعد التقرير أحد أهم المخرجات الدورية لمؤتمر ميونخ للأمن. وقد جاءت النسخة الأخيرة منه تحت عنوان “التعاون عبر الحدود ومعالجة التدفقات غير المشروعة”. وقد ألقى التقرير الضوء…

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية

في مظهرٍ من مظاهر الاهتمام العالمي بالأوضاع الأمنية في القارة الإفريقية، استضافت العاصمة النيجيرية أبوجا نهاية يونيو 2019 اجتماعًا مهمًّا قدّم فيه منتدى ميونخ للأمن تقريره للأمن العابر للحدود لعام 2019، بحضور الرئيس النيجيري “محمد بخاري”، والبوركيني “روك مارك كريستيان كابوري”، وذلك على هامش قمة “الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا” (إيكواس)، من أجل مناقشة أهم مخرجات التقرير مع عدد من كبار المسئولين وصانعي القرار وممثلي الهيئات الدولية والإقليمية ذات الاهتمام بقضايا أمن الحدود.

ويُعد التقرير أحد أهم المخرجات الدورية لمؤتمر ميونخ للأمن. وقد جاءت النسخة الأخيرة منه تحت عنوان “التعاون عبر الحدود ومعالجة التدفقات غير المشروعة”. وقد ألقى التقرير الضوء على مختلف أشكال التدفقات غير المشروعة العابرة للحدود التي تمثل خطرًا كبيرًا على الأمن بأبعاده الوطنية والإقليمية والدولية. وبينما لا يظهر أي شك بشأن الأهمية الكبيرة لهذه القضية، إلا أن طبيعتها غير المشروعة تجعل من الصعب على الباحثين والمراقبين الحصول على بيانات محدثة وموثوقة، وهو المجال الذي بذل فيه القائمون على إعداد التقرير جهدًا كبيرًا من أجل سد الفجوة الكبيرة في البيانات المتاحة.

كما أبرز التقرير ما أكده “أنتونيو جوتيريش”، الأمين العام للأمم المتحدة، الذي اعتبر الإرهاب ظاهرة تتقاطع مع ظواهر أخرى عابرة للحدود كالجريمة الدولية المنظمة، وتهريب البشر، والمخدرات، والأسلحة، والفساد. وقد انقسم التقرير إلى عدد من المحاور، يتعلق أولها بتجارة السلع غير المشروعة بالتركيز على تجارة الأسلحة والمخدرات والتعدين غير الشرعي. أما المحور الثاني، فيتعلق بانتقال البشر غير المشروع عبر الحدود الدولية، سواء كلاجئين أو كرقيق. ويتعلق المحور الثالث بالانتقال غير المشروع للأموال عبر الحدود، والذي كثيرًا ما يرتبط بغسيل الأموال الناتجة عن التجارة غير المشروعة وغنائم الأنشطة الإرهابية، والتي يُعاد توظيفها مرة أخرى في العديد من الأنشطة وفي مقدمتها الإرهاب. ويتصل المحور الرابع بأحد أكثر أشكال التدفقات عبر الحدود حداثة وخطورة، وهو المتعلق بالانتقال غير المشروع للبيانات.

وعلى الرغم من أن التدفقات غير المشروعة العابرة للحدود تعد ظاهرة قديمة، إلا أن تجلياتها في الوقت الراهن تتخذ صورًا مغايرة لما كانت عليه في السابق، نتيجة لطبيعة الاقتصاد العالمي القائم الذي يضع الكثير من الضغوط على الحدود الدولية داعمًا كافة أشكال التجارة البينية والتكامل بين الدول والتكتلات الاقتصادية المختلفة، الأمر الذي يخلق بيئة مواتية تمامًا لكافة أشكال التدفقات غير المشروعة العابرة للحدود.

وتحمل هذه الأشكال من التدفقات مخاطر عدة، بعضها آنيٌّ كتهريب البشر والجرائم الإلكترونية والتي تُقدم دخلًا فوريًّا لمرتكبيها المتصلين عادة بالتنظيمات الإجرامية والإرهابية. وكثيرًا ما يُستخدم هذا الدخل في تمويل العمليات الإرهابية والصراعات الداخلية، فضلًا عن الصراعات بين الدول، وهو ما يُضاف لمخاطر أخرى تظهر آثارها السلبية على المدى الطويل، حيث تعيق التدفقات غير المشروعة العابرة للحدود من جهود التنمية في مختلف بلدان العالم، خصوصًا تلك التي لا تزال في مرحلة النمو، وذلك عبر إضعاف قدرات الدولة الاقتصادية بشقيها الاستخراجي والتوزيعي.

أولًا- الواقع الهشّ للحدود الإفريقية

بالنظر في البيانات التي قدمها تقرير الأمن العابر للحدود في إصداره الأخير، والتي تتعلق بالقارة الإفريقية، تتضح حقيقة مهمة تتعلق بكون إفريقيا واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة من حيث قدرة الحدود الدولية على أداء مهامها الأساسية ذات الطبيعة الأمنية. ففي غالبية المؤشرات الرقمية التي أوردها التقرير، كانت القارة الإفريقية عمومًا في صدارة قارات العالم، بجانب تخصيص التقرير بعض صفحاته لمناقشة الأوضاع في عدد من البؤر ذات “الحدود السائلة” في القارة الإفريقية والتي شهدت في السنوات الأخيرة الكثير من التمدد والاتساع، وفي مقدمتها مناطق شرق ووسط وغرب القارة الإفريقية. وفيما يلي قراءة تحليلية في أهم المؤشرات المتعلقة بالأمن العابر للحدود في القارة الإفريقية.

1- تهريب الخامات والسلع عبر الحدود

يخرج من قارتي إفريقيا وأمريكا اللاتينية سنويًّا كميات من الذهب تعادل قيمتها نحو 23 مليار دولار أمريكي، وتكمن المشكلة في أن 60% من هذه الكميات هي نتاج عمليات تعدين غير مشروعة. ففي إفريقيا تنتشر مواقع التنقيب عن الذهب وتنقيته، والتي يعمل بها ملايين الأشخاص في ظروف شديدة الصعوبة. ونظرًا لخروج هذه المواقع عن سلطة الدولة تنتشر فيها ممارسات من قبيل عمالة الأطفال والعمل الإجباري والعمل مرتفع المخاطر. ويُعد التعدين غير المشروع مصدرًا لنحو 17% من تمويل الجماعات المسلحة حول العالم، والذي يأتي في المرتبة الثانية بعد المخدرات بنسبة 28%. وتقدر رؤوس الأموال التي سُحبت من قطاع التعدين في القارة الإفريقية وحدها بنحو 50 مليار دولار على الأقل، كما تبلغ قيمة المعادن المصدرة بصورة غير مشروعة من إفريقيا نحو 98 مليار دولار سنويًّا. 

وفي الوقت الذي تتصدر فيه القارة الإفريقية قارات العالم من حيث انتشار التعدين غير المشروع، تشير خريطة انتشار هذا النشاط إلى علاقة ارتباط واضحة مع نشاط الجماعات الإرهابية والجماعات المسلحة المتمردة. على سبيل المثال، يعتمد نشاط التنظيمات الإرهابية في حوض بحيرة تشاد بدرجة كبيرة على أنشطة التعدين غير المشروعة، وهو الوضع الذي لم يختلف كثيرًا عن إقليم الساحل الإفريقي، فضلًا عن دول وسط القارة في منطقة البحيرات العظمى. ويقدم التقرير اهتمامًا خاصًّا بحالة إقليم كيفو في أقصى شرق الكونغو الديمقراطية والذي يخرج منذ سنوات عن سيطرة الحكومة في كينشاسا، ويُعد معقلًا للعديد من الجماعات المسلحة المتمردة والإرهابية التي كان أحدثها ظهورًا التنظيم الذي حمل اسم “ولاية وسط إفريقيا” التابعة لتنظيم “داعش”. وتقوم هذه الجماعات بالتنقيب عن عدد من المعادن المهمة وفي مقدتها الذهب والماس والكولتان، والتي تعتمد عليها كل هذه التنظيمات في تمويل أنشطتها عبر تصديرها للخارج بالتجاوز لسلطة للدولة.

ولا يختلف وضع إفريقيا كثيرًا بالنسبة لتجارة الأسلحة الصغيرة والخفيفة والتي تبلغ القيمة الإجمالية لتجارتها سنويًّا نحو 875 مليون دولار. إذ تُعد القارة الإفريقية المنطقة التي تشهد أكبر تداول لهذا النوع من الأسلحة حول العالم. وبالنسبة لتجارة المخدرات، لا تزال منطقة غرب إفريقيا تمثل معبرًا مهمًّا للمخدرات من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا، قبل أن تصبح مؤخرًا معبرًا مهمًّا للمخدرات الأفغانية كذلك لأوروبا. وتبرز حالة مالي على وجه التحديد كمعبر استثنائي للمخدرات، حيث تضافرت فيها مشكلات ضعف الدولة المركزية، وتصاعد نشاط الحركات المسلحة (الإرهابية والمتمردة) التي تعتمد على تجارة المخدرات كمصدر أساسي لتمويل نشاطها.

2- تهريب المهاجرين غير الشرعيين والاتّجار بالبشر

أشار تقرير الأمن العابر للحدود إلى ظاهرة بالغة الخطورة تعاني منها القارة الإفريقية فيما يختص بتهريب المهاجرين غير الشرعيين والاتجار بالبشر عبر حدود دول القارة. فبينما صورت الدول الأوروبية أن المشكلة الأكبر تتعلق بالمهاجرين الأفارقة العابرين للبحر المتوسط صوب القارة الأوروبية، نالت ظاهرة تهريب البشر عبر الحدود الإفريقية-الإفريقية قدرًا قليلًا من الاهتمام، على الرغم من أن 90% من الأشخاص الذين خاضوا هذه التجربة لم يغادروا القارة الإفريقية قط. إذ كشف التقرير عن وجود أربعة تيارات لتهريب البشر في إفريقيا؛ أولها من شرق القارة إلى غربها، والثاني من شرق القارة إلى جنوبها، والثالث من جنوب القارة إلى شرقها، والرابع من غرب القارة إلى جنوبها. كما كشف التقرير أيضًا عن ظهور تيار خارجي جديد لتهريب البشر من دول شرق وجنوب آسيا إلى دول شرق وجنوب إفريقيا.

وتُعد الصراعات التي تعاني منها العديد من الدول الإفريقية هي المسئول الأول عن الأعداد الكبيرة للنازحين واللاجئين في القارة والتي تغذي تيارات الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر بصورة مستمرة. ومن بين المشكلات التي زادت الوضع تعقيدًا اعتلاء ثلاث من أكثر أربع دول إفريقية سكانًا قمة تصنيف الدول التي تشهد ظاهرتي النزوح واللجوء، حيث يُقدر عدد النازحين في الكونغو الديمقراطية بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة، وهو ما يضاف لنحو 2.2 مليون نسمة في نيجيريا ومثلها في إثيوبيا. وهو ما يضاف إلى الإسهام المستمر الذي تقدمه الدول التي تعاني من صراعات مزمنة كالصومال وجنوب السودان. 

3- التدفقات المالية غير القانونية

لم يكن نقل الأصول المالية حول العالم في أي وقت مضى أيسر مقارنة بالوضع الحالي. وعلى الرغم من التطور المستمر في التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية المنظمة للتدفقات المالية عبر الحدود؛ إلا أن وسائل التحايل تشهد بدورها الكثير من التطور الذي فتح الباب أم زيادة غير مسبوقة في التدفقات المالية غير القانونية. 

وبينما لا يمكن رصد رقم دقيق لحجم التدفقات المالية حول العالم، يشير التقرير -استنادًا لتقديرات صندوق النقد الدولي- إلى أن الحجم السنوي لنوع واحد من هذه التدفقات -وهو غسيل الأموال- يبلغ ما تتراوح نسبته من 2% إلى 5% من الناتج الاقتصادي الإجمالي للعالم. وتكمن المشكلة فى أن العائد من جهود مكافحة هذه التدفقات المالية لا يزال محدودًا للغاية؛ إذ أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن ما يتم ضبطه من هذه التدفقات لا تزيد نسبته عن 1% من حجمها الحقيقي.

وتُعد الدول الإفريقية من أكبر المتضررين من التدفقات المالية غير المشروعة، الأمر الذي يتفاقم أثره السلبي بسبب هشاشة الدولة وضعف قدرتها على المتابعة الدقيقة للتدفقات المالية الصادرة منها أو الواردة إليها. وتقدر خسائر الدول الإفريقية من أحد أشكال هذه التدفقات، والمتمثل في التسجيل الزائف للمعاملات التجارية Misinvoicing بأكثر من 70 مليار دولار سنويًّا، وذلك بين عامي 2000 و2015. 

وتحتل الدول الإفريقية مراتب متقدمة للغاية بين أكثر الدول تعرضًا لمخاطر التدفقات المالية غير المشروعة، سواء في قائمة الدول المستقبلة أو المرسلة لهذه التدفقات. إذ تحتل ليبيريا المرتبة الأولى عالميًّا في قائمة الدول المستقبلة، تليها زامبيا وتوجو في المرتبتين الرابعة والخامسة، ثم إفريقيا الوسطى وبنين في المرتبتين التاسعة والعاشرة. أما بالنسبة للدول المرسلة لهذه التدفقات فتحتل الكونغو الديمقراطية المرتبة الأولى عالميًّا، تليها زيمبابوي والسودان وسيراليون في المراتب من الثالثة وحتى الخامسة، وليسوتو وإريتريا في المرتبتين السابعة والثامنة، وموزمبيق في المرتبة العاشرة عالميًّا. كما تظهر دول مثل المغرب والجزائر والسنغال وليبيريا وغانا وتوجو وكينيا وتنزانيا وموزمبيق في القائمة الأمريكية للدول ذات الخطورة المرتفعة لغسل الأموال.

وقد أبرز التقرير حالة جنوب السودان بوجه خاص، حيث كانت التدفقات المالية غير المشروعة مسئولة عن تمويل الحرب الأهلية لسنوات بعدما تم رصد دور مباشر للقطاع البنكي. ذلك أن أكثر من نصف البنوك في جنوب السودان تخضع لسلطة أشخاص منخرطين في الصراع السياسي ومن الذين يحصلون على مزايا استثنائية في تيسير تعاملهم مع نظام نقل الأصول المالية للخارج والذين استخدموه لنقل كميات كبيرة من الأموال، الأمر الذي تسبب في موجة تضخمية كبيرة بعد أن تسبب في منع الشركات من استيراد السلع الأساسية. وعلى الجانب الآخر، تم رصد أكثر من 80 مليون دولار أمريكي في الفترة بين مارس 2014 ويونيو 2015 تم تحويلها من شركات خاصة في الخارج لحساب القوات المتقاتلة في جنوب السودان والتي تم استخدامها في شراء الأسلحة ودفع رواتب المقاتلين. 

ثانيًا- المشكلات الهيكلية للحدود الإفريقية

حملت المؤشرات المختلفة التي قدمها تقرير الأمن العابر للحدود لعام 2019 العديد من الدلالات بشأن المشكلات العميقة التي يُعاني منها أمن الحدود في القارة الإفريقية، بحيث يُصبح من غير الممكن فهم الخلل الوظيفي الحاد لهذه الحدود من دون رده إلى الأسباب البنيوية الصحيحة. ذلك أن الحدود بين الدول الإفريقية تعاني منذ الاستقلال من تناقضات كبرى لم تتمكن معها من أداء الحد الأدنى من وظائفها، ولا ينتظر لها أن تقوم بدورها على نحو أكثر كفاءة من دون معالجة هذه التناقضات بصورة حاسمة. وتتمثل أهم هذه التناقضات فيما يلي:

1- المفهوم المُلتبس للسيادة

منذ أن وضعت القوى الاستعمارية الحدود بين مستعمراتها في إفريقيا والتي ورثتها الدول الإفريقية بعد الاستقلال، كان من الواضح أن هذه الحدود تتعارض مع الكثير من الحقائق الأساسية المتعلقة بأنماط انتشار الجماعات الإثنية في القارة الإفريقية. ولما كانت الظاهرة السياسية قائمة بفاعلية في إفريقيا قبل وفود الأوروبيين إليها بقرون، فقد ظهرت مساحات كبيرة من التباين بين حدود المستعمرات ومن بعدها الدول المستقلة وبين نطاقات انتشار السلطة التقليدية في العديد من دول القارة. الأمر الذي خلق حالة من الازدواجية في مفهوم السيادة بين سلطة الدولة وبين السلطة التقليدية السابقة على الاستعمار وعلى الدولة الوطنية. 

وتتفاقم هذه المشكلة عندما تنتشر جماعة إثنية عبر أقاليم أكثر من دولة إفريقية، بحيث يعتبر أفراد الجماعة حركتهم عبر الحدود الدولية حركة طبيعية داخل أرضهم، وهي الحركة التي يتسع نطاقها بشدة في حالة الجماعات التي تحترف الرعي على وجه الخصوص، وتتنقل في مساحة كبيرة من الأرض تَعْبُرُ خلالها الحدود الدولية بين دولتين أو أكثر. كذلك تعتبر الكثير من الجماعات الإفريقية أن لها سيادة شبه مطلقة على “أرض الجماعة”، بحيث ترى لنفسها الحق في احتكار أنشطة مثل التعدين وغيره من أشكال الاستغلال الاقتصادي للأرض من دون حق للدولة في تنظيم هذا الاستغلال أو المشاركة في الحصول على عوائده. وتظهر محصلة هذا الوضع المعقّد في ظهور خرائط متعددة للحدود في إفريقيا، بعضها رسمي مُعترف به دوليًّا، والآخر غير رسمي. وكلما تجلّت مظاهر الضعف في النوع الأول زادت قوة النوع الثاني، الأمر الذي أصبحت معه الصراعات الداخلية على “الحدود” و”نطاقات السيطرة” بين الجماعات المختلفة داخل الدولة الواحدة النوع الأكثر حدة وخطورة من الصراعات في القارة الإفريقية والذي تفوق خطورته الصراعات بين قوات رسمية لدولتين إفريقيتين على خلفية نزاع على الحدود الدولية، وهو النمط الذي تراجع بشدة في السنوات الأخيرة.

2- تمدد أدوار التنظيمات الإقليمية

بدأت الدولُ الإفريقية جهودها للتكامل القاري مبكرًا، حيث تأسست منظمة الوحدة الإفريقية قبل أن تنال جميع دول القارة استقلالها عن المستعمر الأوروبي. كما شهدت القارة كذلك تأسيس عدد كبير من التنظيمات الإقليمية الفرعية ذات الأهداف الاقتصادية والتي توسعت لتنشط في مساحات أوسع تضم المجالات السياسية والأمنية. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه إنكار حقيقة الدور الإيجابي للعديد من هذه المنظمات في تطوير العمل الإفريقي المشترك وتسوية الأزمات الإقليمية وحتى المحلية؛ لا يمكن إغفال حقيقة أن توسع دور التنظيمات القارية والإقليمية في إفريقيا جاء في الكثير من أبعاده على حساب سيادة الدولة الوطنية الإفريقية، بما تتضمنه عملية التكامل من تنازل طوعي عن بعض مظاهر السيادة المطلقة لصالح التجمعات الناشئة. ولا يمكن تسوية هذا التناقض إلا عبر حلول دقيقة تراعي خصوصيات كل إقليم من أقاليم القارة الإفريقية، بحيث تسمح للحدود الدولية بأن تقوم بوظائفها الأساسية من دون أن يعطل ذلك مسيرة التكامل الإقليمي، ومن ثم القاري. 

3- ضعف المناعة الإفريقية أمام المهدِّدات الخارجية

لا تتمثل المشكلة الوحيدة للحدود الإفريقية في ضعف الحدود البينية بين الدول الإفريقية وبعضها بعضًا، فهناك آثار سلبية بالغة تتعلق بالدول الإفريقية الساحلية المنفتحة على العالم عبر البحر المتوسط شمالًا والبحر الأحمر والمحيط الهندي شرقًا والمحيط الأطلنطي غربًا. إذ تعجز غالبية هذه الدول عن فرض رقابة كاملة على حدودها التي كثيرًا ما تُعد نقاط استقبال وإرسال مثالية للعديد من التدفقات غير المشروعة حول العالم.

وترتبط كافة أشكال التدفقات غير المشروعة العابرة للحدود الإفريقية بمصالح خارجية في غالبية الأحوال. فهناك دور خارجي واضح في تهريب البشر والسلع والبضائع والأموال من القارة الإفريقية وإليها. فعلى سبيل المثال، يتم تصدير النسبة الأكبر من مستخرجات التعدين غير المشروع إلى خارج القارة، كما يُعد عبور البحر المتوسط نحو السواحل الأوروبية المصدر الأهم لدخل عصابات تهريب البشر في دول جنوب أوروبا، وهي الظاهرة التي اتسعت بسبب ضعف الحدود الإفريقية لينخرط فيها “مورّدون” آسيويون اتخذوا من القارة الإفريقية معبرًا للمهاجرين من دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا نحو أوروبا.

ترتيبًا على ما تقدم، أكد تقرير الأمن العابر للحدود لعام 2019 الصادر عن مؤتمر ميونخ للأمن حقيقة التراجع الحاد في قدرة الحدود الإفريقية على أداء مختلف وظائفها، وفي مقدمتها الوظيفة الأمنية. كما أكد التقرير أن هذا التراجع يتفاقم بمرور الوقت، فالتطور في تقنيات اختراق الحدود لا يواكبه تطور مماثل في قدرة الدول الإفريقية على إدارة هذا الملف المعقد. وأمام هذا الواقع تبدو الحاجة ملحة لطرح قضية أمن الحدود الإفريقية بجدية باعتبارها ضرورة تفرضها التحديات الجسيمة الراهنة، والتي قد يفتح تجاهلها الباب أمام تغيرات كبيرة غير محسوبة قد تُسفر عن تغير البنية السياسية للقارة الإفريقية على النحو الذي عرفه العالم منذ استقلال دول القارة في أواسط القرن الماضي، كما تنذر بتحولات حادة في موازين القوى تكون الدولة الإفريقية الوطنية كفكرة وظاهرة سياسية الخاسر الأكبر فيها.

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية