وحدة الدراسات الأفريقية

مشروع ياماموتو: الترتيبات الأمريكية الجديدة في القرن الأفريقي

في سبتمبر من عام 2017 تم تعيين دونالد يوكيو ياماموتو قائماً بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية وهو المنصب الأكثر تأثيراً في عملية صنع السياسة الأمريكية تجاه القارة الأفريقية. ولم يأت اختيار ياماموتو لهذا المنصب من فراغ، فقد سبق له أن شغله بصورة دائمة خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بين شهري مارس وأغسطس من العام 2013.  ويعد ياماموتو من أكثر الدبلوماسيين الأمريكيين خبرة في الملف الأفريقي وخصوصاً في منطقة القرن الأفريقي حيث سبق أن مثل بلاده دبلوماسياً في دول الإقليم الأربع. فقد سبق له أن عمل سفيراً مؤقتاً للولايات المتحدة في إريتريا بين عامي 1997 و…

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية

في سبتمبر من عام 2017 تم تعيين دونالد يوكيو ياماموتو قائماً بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية وهو المنصب الأكثر تأثيراً في عملية صنع السياسة الأمريكية تجاه القارة الأفريقية. ولم يأت اختيار ياماموتو لهذا المنصب من فراغ، فقد سبق له أن شغله بصورة دائمة خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بين شهري مارس وأغسطس من العام 2013. 

ويعد ياماموتو من أكثر الدبلوماسيين الأمريكيين خبرة في الملف الأفريقي وخصوصاً في منطقة القرن الأفريقي حيث سبق أن مثل بلاده دبلوماسياً في دول الإقليم الأربع. فقد سبق له أن عمل سفيراً مؤقتاً للولايات المتحدة في إريتريا بين عامي 1997 و 1998، قبل أن يعين سفيراً للولايات المتحدة في جيبوتي بين عامي 2000 و 2003 ثم سفيراً للولايات المتحدة في إثيوبيا بين عامي 2006 و 2009، وأخيراً قائماً بأعمال رئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في الصومال عام 2016.

هذه الخبرة الميدانية الطويلة في شؤون القرن الأفريقي أهلت ياماموتو لأن يتولى تصميم المشروع الأمريكي الجديد في القرن الأفريقي بعد توليه مهام مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية. ويأتي مشروع ياماموتو في القرن الأفريقي تجسيداً لتوجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه أفريقيا والتي أعلن عنها بوضوح منذ فوزه في الانتخابات نهاية عام 2016. فقد شهدت مخصصات وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لأفريقيا انخفاضاً كبيراً في ميزانية ترامب الأولى قدر بنحو 30%، كما لم تعتمد أي مخصصات للمؤسسة الأمريكية للتنمية الأفريقية والتي تنفذ العديد من مشروعات التنمية في المناطق الأكثر احتياجاً في أفريقيا. 

كذلك أعلنت الولايات المتحدة تغيير النهج المتبع في دعم عمليات الأمم المتحدة  لحفظ السلام والتي تساهم الولايات المتحدة بنحو ثلث ميزانيتها من خلال تقييم كل عملية على حدة الأمر الذي يفتح الباب أمام تراجع كبير في عمليات حفظ السلام في أفريقيا التي تستقبل النصيب الأكبر من هذه العمليات عالمياً.

فالولايات المتحدة تتبنى مؤخراً في أفريقيا استراتيجية “منخفضة التكلفة” تقوم على ضغط الإنفاق للحد الأدنى، مع فتح الباب أمام أي فرص لتعظيم العائد الاقتصادي بالأساس من أي اشتباك أمريكي مع الملفات الأفريقية. هذا التوجه الجديد وضع القرن الأفريقي على رأس قائمة الأولويات الأمريكية لعدد من الأسباب أهمها استحواذه على نصيب كبير من الإنفاق الأمريكي خصوصاً في إطار مكافحة الإرهاب، وامتلاكه العديد من الفرص الاقتصادية الكبيرة غير المستغلة وعلى رأسها الثروات النفطية المكتشفة حديثاً في الصومال ومن قبلها إثيوبيا، وكذلك أهميته الاستراتيجية لاتصاله بالشرق الأوسط. كل هذه الأسباب دفعت الولايات المتحدة منذ أواسط عام 2017 لإقرار ترتيبات جديدة في القرن الأفريقي  أقامها دونالد ياماموتو على عدد من الأسس تمثلت في:

تحقيقالاستقرارالإقليمي

من بين أهم أركان الترتيبات الأمريكية الجديدة في القرن الأفريقي تحقيق قدر من الاستقرار يتلائم مع مخططات الاستغلال الاقتصادي للمنطقة. فالتدخل الأمريكي لإنهاء الصراع الإثيوبي الإريتري الذي دام لعقدين كان أحدد أسبابه الطبيعة المتجددة للصراع الذي شهد على سبيل المثال اشتباكاً بين قوات البلدين في عام 2010 في بلدة زالامبيسا وفي 2016 في بلدة تسورونا.

 وقد بدأت جهود ياماموتو في إيجاد تسوية نهائية للصراع الإثيوبي-الإريتري في سبتمبر من عام 2017 حين نسق مع مجلس الكنائس العالمي مهمة استكشاف القواسم المشتركة بين طرفي الصراع  والتي يمكن بناء التسوية عليها. كما لعب ياماموتو نفسه دوراً مباشراً في الوساطة بين الجانبين اختتمه بزيارة البلدين في ابريل الماضي لوضع اللمسات النهائية على الاتفاق الذي أعلن عنه بعد نحو شهر من الزيارة. 

كذلك يساهم إنهاء الصراع بين إثيوبيا وإريتريا في وقف الدعم المتبادل لحركات المعارضة الذي طالما قدمته حكومتا البلدين. فنظراً لانقسام أبناء جماعة العفر بين إثيوبيا وإريتريا قامت كل من الدولتين بدعم حركات انفصالية عفرية مسلحة في البلد الآخر الأمر الذي أسفر عن عدد من الحوادث الخطيرة كان أبرزها الهجوم على عدد من السياح الأجانب في إقليم العفر الإثيوبي في مطلع عام 2012.

تعظيمالعائدعبرالتحديثالاقتصادي 

بعد نحو ثلاثة عقود على سقوط الاتحاد السوفييتي لا تزال الجبهة الديموقراطية الثورية الحاكمة في إثيوبيا وكذلك الجبهة الشعبية  الحاكمة في إريتريا تتبنى إطار ايديولوجي مستمد من الماركسية-اللينينية. وقد انعكست هذه التوجهات على الجانب الاقتصادي بصورة كبيرة حيث تسيطر عليه الدولة بأذرعها المختلفة مع دور لا يذكر للقطاع الخاص في البلدين. وحتى الشراكة الاقتصادية القائمة منذ سنوات بين إثيوبيا والصين والتي تجلت في تبني الجبهة الديموقراطية الثورية للنموذج الاقتصادي الصيني رسمياً إنما تقوم على الشراكة بين الشركات المملوكة للدولة في البلدين، أو بتدخل موجه من الدولة للقطاع الخاص من الجانب الصيني وحده.

 هذه البنية التحتية للاقتصاد في كل من إريتريا وإثيوبيا لا يمكن معها تحقيق المصالح الأمريكية التي تقوم بالأساس على فتح المجال لشركات القطاع الخاص الأمريكي لمزاولة نشاطها بحرية في مختلف أنحاء العالم. لهذا كان من الضروري في ظل الترتيبات الجديدة أن يتولى أبيي أحمد مهمة فتح المجال الاقتصادي أمام القطاع الخاص المحلي والعالمي وهو ما حدث بالفعل بعد نحو شهرين من وصوله للسلطة بعد أن اتخذت اللجنة التنفيذية للائتلاف الحاكم في الخامس من يونيو الماضي عدداً من القرارات الاقتصادية أهمها الإعلان عن اعتزامها خصخصة العديد من شركات القطاع العام الكبرى على رأسها الخطوط الجوية الإثيوبية وشركة الاتصالات الوطنية.

تقليلالتكلفةبربطالقرنالأفريقيبالشرقالأوسط

في فترات سابقة اعتمدت الولايات المتحدة سياسة تقوم على الربط بين حلفائها في إقليمي القرن الأفريقي والبحيرات العظمى خاصة في جهود مكافحة الإرهاب الأمر الذي جسده المحور الذي جمع إثيوبيا بكينيا وأوغندا وبوروندي والذي تدخل في الصومال منذ عام 2006. 

هذه السابقة استفاد منها ياماموتو في تخطيطه لمستقبل القرن الأفريقي لكن بربطه بالشرق الأوسط هذه المرة خاصة بعد أن أثبتت إثيوبيا في السنوات الأخيرة عجزها عن لعب الدور الأساسي كفارض للاستقرار في المنطقة مع تصاعد أزماتها الداخلية ومع عجزها عن إنهاء المشكلات الأمنية في الصومال.

ومع وجود أولوية أمريكية في تقليل تكلفة إدارة مصالحها في القرن الأفريقي اتجه ياماموتو للاعتماد على شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في “إعادة تأهيل” القرن الأفريقي. فجزء من أسباب التدخل الأمريكي لفرض الاستقرار في القرن الأفريقي كان قرب الإقليم من دول الخليج ومن الممرات الملاحية الدولية، ومع الأخذ في الاعتبار التطور الكبير في القدرات العسكرية الذي حققته دول الخليج أًصبح من الممكن الاعتماد عليها في تحقيق الاستقرار في دائرة أكثر اتساعاً. على هذا لعبت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة دوراً أساسياً في التوصل لاتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا، كما قدمت الإمارات دعماً اقتصادياً لإثيوبيا قدر بنحو ثلاثة مليارات دولار لتجنب تفاقم أزمتها الاقتصادية، وهو ما يضاف إلى التواجد العسكري السعودي والإماراتي في العديد من نقاط التمركز على الساحل الغربي للبحر الأحمر أقيمت كجزء من الترتيبات الأمنية المتعلقة بالملف اليمني ويتوقع أن تستمر حتى بعد استقرار الأوضاع في اليمن.

كما تستهدف الشراكة الأمريكية مع السعودية والإمارات معادلة تأثير التمدد الصيني في القرن الأفريقي الذي اعتمد طويلاً على شراكته الاستراتيجية مع الجبهة الديموقراطية الثورية في إثيوبيا وعلى نشاطه الاقتصادي في مختلف دول المنطقة قبل أن يطور من مستوى تواجده ويعلن عن تأسيس قاعدة عسكرية في جيبوتي. 

وعلى الرغم من أن ياماموتو قد صرح في لقاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية أن علاقة الولايات المتحدة بالصين فيما يتعلق بالقارة الأفريقية هي علاقات “إيجابية”، إلا أن التطور الكمي والنوعي في مؤشرات القوة الصينية في القرن الأفريقي استدعت استجابة أمريكية حاسمة. وفي ظل قيود الانفاق التي وضعها الرئيس ترامب على النشاط الأمريكي في أفريقيا تحتم على ياماموتو تبني مقاربة جديدة كان للشركاء الشرق أوسطيين الدور الأبرز فيها.

الدعم “الغائي” للديموقراطية  

على خلاف إدارات أمريكية سابقة لا يتضمن المخطط الأمريكي القائم في القرن الأفريقي حالياً التزاماً كبيراً بدعم التحول الديموقراطي. فبعد أن وجهت الاتهامات للرئيس الإريتري إسياسي أفورقي لسنوات بعرقلة التقدم الديموقراطي في بلاده، اعتمد عليه ياماموتو مؤخراً كشريك في تحقيق الاستقرار على الرغم من بقائه في الحكم منذ 1993 من دون أفق لأي تغيير سياسي. وبالمثل لم تشهد العلاقات الأمريكية بجيبوتي تغير يذكر على الرغم من بقاء الرئيس إسماعيل عمر جيله في الحكم منذ عام 1999.

ومع ذلك أبدت الولايات المتحدة قدرة على توظيف أدوات دعم الديموقراطية لتحقيق غايات سياسية في القرن الأفريقي. ففي ابريل الماضي أصدر مجلس النواب الأمريكي القانون رقم 128 والذي حمل اسم “”دعم احترام حقوق الإنسان وتشحيع الحوكمة الشاملة في إثيوبيا”  والذي أتاح الفرصة لفرض عقوبات دولية ضد المسؤولين الإثيوبيين السابقين بشأن انتهاكهم حقوق الإنسان في مواجهة المحتجين. هذا القانون جاء ليساعد أبيي أحمد على اتخاذ عدد من القرارات التي تتماشى مع الترتيبات الأمريكية الجديدة في القرن الأفريقي وفي مقدمتها السلام مع إريتريا وخصخصة الشركات المملوكة للدولة في إثيوبيا. 

ويظل إسهام القانون الجديد في تحقيق ديموقراطية حقيقية في إثيوبيا محدوداً، فأبيي أحمد لم يصل للسلطة عبر انتخابات شعبية حصل فيها على تأييد مباشر من الهيئة الناخبة، بل وصل للسلطة في إطار ترتيبات داخلية في الائتلاف الحاكم. كما تتعدد المؤشرات على غياب الرغبة الأمريكية في الإقصاء الكامل للنخبة الإثيوبية القديمة من جماعة تيجراي والتي ستنسحب جزئياً من المجال السياسي مع استمرار سيطرتها على الاقتصاد (في وضعه الجديد) وعلى القوات المسلحة. فالتغييرات التي أعلنها أبيي أحمد في قيادات القوات المسلحة الإثيوبية استبدلت رئيس للأركان من جماعة تيجراي بآخر من نفس الجماعة.

بهذا تكتمل الترتيبات الأمريكية في القرن الأفريقي والتي تجمع بين انخفاض التكلفة وارتفاع فرص تحقيق العوائد في المستقبل وهو المشروع الذي وضعه دونالد ياماموتو وأتم تنفيذه قبل أن يتجه لتسوية آخر الملفات العالقة في القرن الأفريقي والمتعلق بالتحديات الأمنية والسياسية في الصومال. ويبدو أن تعقيدات الوضع في الصومال قد استدعت تغييراً في وضع ياماوتو نفسه الذي رشحه ترامب في الثاني عشر من يوليو الجاري لمنصب سفيراً فوق العادة للولايات المتحدة في العاصمة الصومالية مقديشيو ليشرف على تنفيذ المرحلة الثانية من مشروعه من موقع الحدث.

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية