وحدة الدراسات الأفريقية

أزمة الحزب الحاكم ومستقبل الديموقراطية في جنوب أفريقيا

تثير الأزمة الداخلية التي يشهدها المؤتمر الوطني الأفريقي African National congress (ANC) الكثير من الأسئلة بشأن مستقبل الديموقراطية في جنوب أفريقيا. فمنذ إتمام التحول السياسي الذي أنهى سنوات طوال من الحكم العنصري اعتبر المؤتمر الوطني الأفريقي ANC أحد دعائم الديموقراطية في البلاد، فعلى الرغم من بقاء الحزب في السلطة بصورة مستمرة من أواسط تسعينيات القرن الماضي إلا أن سياساته جاءت ملتزمة بقدر كبير من الانفتاح على أحزاب المعارضة وعلى احترام التعددية السياسية وقواعد المنافسة السياسية الحرة بشكل كبير. على هذه الخلفية جاءت سياسات الرئيس جاكوب زوما لتشكك في قدرة جنوب أفريقيا على الحفاظ على مكانتها كواحدة من أبرز النماذج الديموقراطية…

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية

تثير الأزمة الداخلية التي يشهدها المؤتمر الوطني الأفريقي African National congress (ANC) الكثير من الأسئلة بشأن مستقبل الديموقراطية في جنوب أفريقيا. فمنذ إتمام التحول السياسي الذي أنهى سنوات طوال من الحكم العنصري اعتبر المؤتمر الوطني الأفريقي ANC أحد دعائم الديموقراطية في البلاد، فعلى الرغم من بقاء الحزب في السلطة بصورة مستمرة من أواسط تسعينيات القرن الماضي إلا أن سياساته جاءت ملتزمة بقدر كبير من الانفتاح على أحزاب المعارضة وعلى احترام التعددية السياسية وقواعد المنافسة السياسية الحرة بشكل كبير.

على هذه الخلفية جاءت سياسات الرئيس جاكوب زوما لتشكك في قدرة جنوب أفريقيا على الحفاظ على مكانتها كواحدة من أبرز النماذج الديموقراطية الناجحة في أفريقيا جنوب الصحراء. فمع حرص زوما على تبني سياسات شعبوية تعزز من مصالح الجماعات الأكثر فقراً واحتياجاً والتي تنتمي غالباً للجماعة السوداء تنامى شعور الكثير من الجماعات بالاستبعاد وأصبحت الصيغة التوافقية التي ضمنت لمختلف مكونات الأمة الجنوب أفريقية الحد الأدنى من حماية مصالحها في موضع التهديد. ويتمثل الجانب الأكبر من الخطورة في امتداد الخلاف بشأن سياسات جاكوب زوما ليهدد تماسك الحزب الحاكم ومن ثم يفتح الباب أمام تغييرات جذرية قد تؤثر على مستقبل الديموقراطية في جنوب أفريقيا.

فقد شهد عام 2017 تصاعد وتيرة الأزمات الداخلية في المؤتمر الوطني الأفريقي ANC الحزب الذي يحكم جنوب أفريقيا منذ نهاية عهد الفصل العنصري في أواسط تسعينيات القرن المنصرم. وعلى الرغم من خبرة الحزب الطويلة مع الانشقاقات والصراعات الداخلية إلا أن الأزمات التي شهدتها الشهور الأخيرة هددت تماسك الحزب ووحدته على نحو خطير.

أزمة التعديل الوزاري وتصاعد حدة المعارضة الداخلية

في مواجهة الأزمات المتلاحقة التي واجهها الرئيس جاكوب زوما والتي عززت من مخاطر انشقاق المؤتمر الوطني الأفريقي ANC حرص قادة أجنحة الحزب المختلفة على الحفاظ على بقاء الحزب في الحكم عبر الإعلان في الأيام الأخيرة من شهر مارس ٢٠١٨ عن صيغة للتفاهم داخل الحزب يبقى بمقتضاها الرئيس جاكوب زوما في رئاسة الحزب  حتى مؤتمره العام المزمع عقده في ديسمبر من العاد ذاته بشرط تخليه عن مساعيه لإجراء تعديلات جذرية تشمل تغيير عدد من كبار المسئولين على رأسهم وزير المالية برافين جوردان الذي اعتبره زوما عائقاً أمام تنفيذ سياساته الشعبوية التي اتسمت بالكثير من التطرف.

ففي مواجهة الضغوط الشعبية المتزايدة اتجه زوما لتبني سياسات اقتصادية واجتماعية هددت الصيغة التوافقية التي أنهت عهد الفصل العنصري وسمحت بوصول الجماعة السوداء للسلطة مقابل حماية المصالح الاقتصادية للجماعة البيضاء. فقد استهدفت سياسات زوما إعادة توزيع الثروة لصالح الجماعة السوداء الأكثر فقراً، مع زيادة الإنفاق الحكومي بصورة كبيرة بهدف تقليل الفوارق الاقتصادية بين الجماعات الجنوب أفريقية، وهي السياسات التي عارضها جوردان علناً وتسببت في خلاف بينه وبين رئيس الجمهورية امتد لأشهر. وأمام توجهات زوما الجامحة اعتبر الكثير من معارضي الرئيس من داخل حزبه وخارجه أن بقاء وزير المالية في منصبه يعد أمراً ضرورياً للحد من خطورة السياسات التي يدعمها زوما. فقد تولى برافين جوردان منصب وزير المالية في أعقاب أزمة عميقة داخل المؤتمر الوطني الأفريقي ANC في ديسمبر من عام 2015 أسفرت عن رضوخ زوما لمطالب معارضيه  وإجراء تعديل وزاري محدود.

وعلى الرغم من إدراك زوما لحساسية وضعه ولهشاشة التوافق بينه وبين معارضيه، آثر في الحادي والثلاثين من مارس من عام 2017 انتهاج نهجاً تصعيدياً بأن أعلن عن تعديلاً وزارياً شمل عشر مناصب من بينها وزارة المالية، الأمر الذي كان يعني إقصاء برافين جوردان الذي ينال رضا الجناح المعارض داخل الحزب الحاكم وفتح الباب أمام تنفيذ سياسات زوما المتطرفة خاصة مع تولي مالوسي جيجابا أحد المقربين من زوما ووزير الداخلية السابق منصب وزير المالية على الرغم من افتقاره لأي خبرة في المجال الاقتصادي.

وأمام النجاح الملحوظ الذي أحرزه جوردان خلال فترة توليه الوزارة حرص جناح زوما على أن يبرر موقفه بإقالة وزير المالية بورود تقارير استخباراتية تفيد بعقد جوردان لقاءات سرية خلال رحلته إلى لندن تستهدف إسقاط حكومة زوما، وهو ما نفاه جوردان بشكل قاطع. وجاءت تصريحات زوما في أعقاب التعديل الوزاري مؤكدة لضرورة التعديل الوزاري في ذلك الوقت تحديداً من أجل الشروع في إجراء تحولات اقتصادية واجتماعية جذرية تضمن وفاء الحكومة بوعودها بحياة أفضل للطبقتين العاملة والفقيرة. وعلى الرغم من وجود ظهير شعبي مؤيد لسياسات زوما، أسفر خروج جوردان من الحكومة عن عدد من النتائج السلبية إذ سرعان ما انخفضت قيمة العملة الوطنية وأبدى الكثير من كبار المستثمرين الوطنيين والأجانب عن قلقهم بشأن مستقبل جنوب أفريقيا الاقتصادي خاصة في ظل التزام جوردان طوال فترة توليه الوزارة بسياسات ضبط الإنفاق الحكومي ومحاربة الفساد.

التنافس داخل الحزب الحاكم على خلافة جاكوب زوما

لا يمكن قراءة أزمة التعديل الوزاري بعيداً عن السياق السياسي الأشمل في جنوب أفريقيا، ففي ظل التراجع المطرد لمعدلات تأييد المؤتمر الوطني الأفريقي ANC  في الانتخابات المتتالية سعى جاكوب زوما لتأمين قاعدة تصويتية متماسكة لحزبه عبر تبني سياسات شعبوية بعد أن أكدت الانتخابات المحلية الأخيرة التراجع الحاد للحزب في المدن والمراكز الاقتصادية الكبيرة الأمر الذي يعظم من أهمية ترسيخ قواعد الحزب في المناطق الريفية والتجمعات الحضرية الأكثر فقراً.

وتجسد أزمة مارس 2017 انشغال زوما بتحديد من سيخلفة في رئاسة الحزب والبلاد بالتبعية. ففي عام 2019 سيتعين على زوما مغادرة منصبه كرئيس للجمهورية بعد انتهاء مدتيه الرئاسيتين، ونظراً لاتهامات الفساد التي تلاحقه منذ سنوات يحرص زوما على تأمين خروج مشرف من الرئاسة لا يستتبع إجراءات قضائية قد يكون من شأنها أن تقوض إرثه كواحد من قدامى المناضلين ضد نظام الفصل العنصري.

ويميل زوما لأن تخلفه زوجته السابقة نكوسازانا دلاميني-زوما والتي تعد واحدة من أبرز قيادات المؤتمر الوطني الأفريقي ANC والتي تمتعت بخبرة واسعة في المجال الدولي بعد أن شغلت منصب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي لسنوات. وعلى الرغم من حصولها على التأييد الكامل من جاكوب زوما إلا أن نكوسازانا دلاميني-زوما لا تتمتع بالقدر الكبير من الشعبية داخل الحزب.

وفي المقابل ترتفع أسهم عدد من المرشحين الآخرين لخلافة زوما الذين دفعتهم أزمة التعديل الوزاري للتحول إلى معسكر معارضي زوما داخل المؤتمر الوطني الأفريقي ANC وعلى رأسهم نائب رئيس الجمهورية سيريل رامافوسا ، حيث أعلن اعتراضه على التعديل الوزاري علنياً مؤكداً على رفض الكثيرين من الجناح المناصر لزوما لهذه الخطوة التي لم يسبقها عقد مشاورات جادة بشأن توقيتها ولا بشأن الأسماء المرشحة للخروج من الوزارة أو تلك المرشحة لخلافتها. كذلك أسفرت أزمة التعديل الوزاري كذلك عن اصطفاف جويدي مانتاشي الأمين العام للمؤتمر الوطني الأفريقي ANC مع معارضي زوما بعد أن أعلن “عدم ارتياحه” لقرارات الرئيس وللطريقة التي تم من خلالها الإعلان عن التعديل الوزاري.

موقف نواب الحزب الحاكم من التصويت على سحب الثقة من زوما

كل هذه الخلافات داخل الحزب الحاكم التي كشفت عنها أزمة التعديل الوزاري أغرت اثنين من أحزاب المعارضة بالسعي لسحب المجلس الوطني الثقة من جاكوب زوما. فعلى الرغم من الخلافات الأيديولوجية الكبيرة بينهما، اتفق نواب محاربو الحرية الاقتصادية أبرز أحزاب اليسار في جنوب أفريقيا مع نواب التحالف الديموقراطي ذو التوجهات اليمينية والذي يعد أقرب الأحزاب للجماعة البيضاء على اقتراح التصويت على سحب الثقة من زوما في انتظار تأييد عدد من نواب المرتمر الوطني الأفريقي ANC من معارضي زوما.

وجاء موقف اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأفريقي ANC ليقطع الطريق على محاولات المعارضة للإطاحة بزوما بعد أن أكد أعضاء اللجنة رفضهم التام لدعم مثل هذه المحاولات التي تشكل خطورة كبيرة على مستقبل الحزب. وعلى الرغم من هذا تماسك الموقف المعلن للحزب الحاكم إلا أن تقارير أشارت إلى أن اللجنة المركزية للحزب الحاكم شهدت نزاعاً داخلياً بين مؤيدي زوما ومعارضيه لم يحسم إلا بالتصويت الذي فاز به فيه مؤيدو زوما بفارق ضئيل بحصولهم على 45 صوتاً مقابل 41 لمعارضيه المؤيدين لمساعي المعارضة للإطاحة برئيس البلاد من منصبه.

وعلى الرغم من تمكن زوما من تجنب تصويت المجلس الوطني على سحب الثقة في مارس من العام الجاري، نجحت محاولة المعارضة في أغسطس حين صوت أعضاء البرلمان على سحب الثقة من زوما، إلا أن نتيجة التصويت لم تأت في صالح المعارضة حيث رفض 198 عضواً من أصل 400 عضو سحب الثقة ليستمر جاكوب زوما رئيساً للبلاد، لكن بعد أن قام نحو 50 نائباً من نواب المؤتمر الوطني الأفريقي ANC بالتصويت لصالح سحب الثقة من زوما الأمر الذي يشير إلى عمق الخلاف داخل الحزب الحاكم.

انعكاسات الأزمة على مستقبل الديموقرطية في جنوب أفريقيا

بالرغم من حدة الأزمة السياسية الحالية في جنوب أفريقيا وتعدد أبعادها، يمكن القول بأن العديد من العوامل ترجح قدرة المؤتمر الوطني الأفريقي ANC على تجاوزها بما يضمن الحفاظ على واحدة من أهم دعائم الديموقراطية في جنوب أفريقيا، وتتمثل هذه الأسباب في:

  • خبرة المؤتمر الوطني الأفريقي ANC في تجاوز الأزمات الداخلية على غرار أزمة خلافة تابو مبيكي التي تفجرت عام 2007.
  • الطبيعة غير المستقرة لأحزاب المعارضة والتي يعتريها العديد من مظاهر التفكك والضعف الداخلي.
  • الثبات النسبي للقواعد الإثنية للأحزاب السياسية، حيث يحظى المؤتمر الوطني الأفريقي بتأييد غالبية الجماعات السوداء في جنوب أفريقيا.

وتجتمع هذه العوامل الثلاثة لتعزز فرص المؤتمر الوطني الأفريقي ANC على الحفاظ على تماسكه ووحدته من ناحية، وعلى استمرار تفوقه النسبي على مختلف الأحزاب في جنوب أفريقيا والتي تعاني بدورها من العديد من مظاهر الانقسام والتفكك من ناحية ثانية، وعلى حصوله على غالبية أصوات الناخبين في الانتخابات القادمة مع استمرار حصوله على دعم أبناء الجماعة السوداء من المقيمين في المناطق الريفية والذين يشكلون المكون الاجتماعي الأكبر حجماً في جنوب أفريقيا وذلك من ناحية ثالثة.

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية