loader

السياسة المصرية تجاه الأوضاع الإقليمية الراهنة

نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

كنت قد قررت أن أقتصر في مقالي هذا على موضوع محدد هو السياسة المصرية تجاه الأوضاع الإقليمية الراهنة، وكيف يتم التعامل معها، لكني وجدت أن من واجبى الوطني أن أتعرض في البداية إلى قضية مهمة للغاية أصبحت تمس حياتنا اليومية وترتبط بكل تحركات الدولة وهي أزمة فيروس كورونا. وحتى لا أُطيل في شرح هذه القضية التي أضحت حديث الجميع، أريد أن أؤكد على ثلاث نقاط رئيسية: النقطة الأولى: أن هذه القضية تتعلق بالأمن القومي المصري، ومن ثم فإن تعامل القيادة السياسية معها يرتقي إلى مصاف التعامل شديد الحساسية وعميق الحسابات مع كل القضايا التي تُهدد أمننا القومي، ولن أكون مبالغًا…

اللواء محمد إبراهيم الدويري
نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

كنت قد قررت أن أقتصر في مقالي هذا على موضوع محدد هو السياسة المصرية تجاه الأوضاع الإقليمية الراهنة، وكيف يتم التعامل معها، لكني وجدت أن من واجبى الوطني أن أتعرض في البداية إلى قضية مهمة للغاية أصبحت تمس حياتنا اليومية وترتبط بكل تحركات الدولة وهي أزمة فيروس كورونا. وحتى لا أُطيل في شرح هذه القضية التي أضحت حديث الجميع، أريد أن أؤكد على ثلاث نقاط رئيسية:

النقطة الأولى: أن هذه القضية تتعلق بالأمن القومي المصري، ومن ثم فإن تعامل القيادة السياسية معها يرتقي إلى مصاف التعامل شديد الحساسية وعميق الحسابات مع كل القضايا التي تُهدد أمننا القومي، ولن أكون مبالغًا إذا قلت إنها تماثل قضية الإرهاب، بل يمكن أن تتعداها في الخطورة. 

النقطة الثانية: أن الدولة اتخذت بكل شجاعة إجراءات حاسمة وحازمة وضرورية على مستوى الوطن كله وفي كافة المجالات من أجل احتواء هذا الوباء، والعمل بقدر المستطاع على الوقاية منه. وقد تكون هناك قرارات أخرى في الطريق طبقًا لمدى احتواء الفيروس من عدمه، وهو ما يؤكد حرص القيادة السياسية على المواطن من منطلق القناعة بأن العنصر البشري هو الأساس في دعم عناصر القوة الشاملة للدولة.

النقطة الثالثة: أن هذه الإجراءات لن تكون وحدها ذات الفاعلية المطلوبة والمؤثرة إذا لم تستكمل بدور المواطن، وهو دور رئيسي لا يقل عن دور الدولة. وفي رأيي أن هذا الدور يرتكز على ثلاثة أمور مهمة للغاية؛ الأمر الأول، وجوب الالتزام بكافة التعليمات التي تُصدرها الدولة دون تهاون، والتحمل الكامل للمسئولية الواقعة عليه. الأمر الثاني، عدم ترديد الشائعات والمبالغات والأخبار الزائفة التي أصبحت تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحنا نحن من نروجها للأسف تحت أية تسميات أو مبررات. الأمر الثالث، ضرورة أن يثق المواطن في الدولة ومؤسساتها في ظل هذه الظروف الطارئة، وألا يلتفت إلا للبيانات الرسمية الصادرة عنها، خاصة أن الدولة تُعلن تباعًا عن تطورات هذا الوباء.

ثم نأتي إلى الأوضاع الإقليمية الراهنة التي تؤثر على الموقف المصري، وأصبح لزامًا علينا بالتالي أن نتعامل معها في إطار رؤية شاملة لمصالحنا وأهدافنا، ومدى تأثيرها على الأمن القومي المصري، وكيف يمكن أن نخرج من تعاملنا معها ونحن أكثر قوة. ومن ثم، سوف أتناول السياسة المصرية تجاه قضايا سد النهضة، والأزمة الليبية، والأزمة السورية، وصفقة القرن، والانتخابات الإسرائيلية، والإرهاب. وفي الوقت نفسه، سوف أتعرض بشكل سريع إلى طبيعة علاقاتنا الحالية مع العديد من الدول المؤثرة على المستوى الإقليمي.

1- أزمة سد النهضة

لا تزال مصر تتحرك حتى الآن في هذه الأزمة من منطلق قناعتها بأن التفاوض يمثل أنسب السبل للحل، ولم تتوانَ عن تقديم كل أوجه المرونة الممكنة، ومن أهمها التوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن والبنك الدولي في نهاية فبراير الماضي رغم غياب إثيوبيا وعدم توقيع السودان.

وبالرغم من الجمود الحالي في المفاوضات، فقد حرصت مصر على أن تشرك المجتمع الدولي في تطورات هذه الأزمة، حيث بدأنا تحركًا شاملًا مكثفًا عربيًّا وإفريقيًّا ودوليًّا، ويقوم السيد “سامح شكري” -وزير الخارجية- بنقل رسائل مهمة من السيد الرئيس “عبدالفتاح السيسي” لرؤساء هذه الدول توضح طبيعة الموقف المصري، ورؤيتنا للحل التي تتمثل في مدى حرصنا على الوصول إلى اتفاق عادل وشامل ومُرضٍ يحقق مصالح الأطراف الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا (نشير في هذا المجال إلى أن السيد “سامح شكري” أنهى جولته العربية والأوروبية ويبدأ اليوم جولة تشمل سبع دول إفريقية).

ومن المؤكد أن مصر تتحرك على المسار السياسي، ليس من منطلق الضعف، بل لتؤكد للعالم أنها دولة تحترم القانون الدولي، وتلتزم بكل اتفاق وقّعت عليه، وحريصة على استقرار المنطقة، وساعية لإنجاح الجهود السياسية. ولكن -في النهاية- فإن الرسالة التي يجب على المجتمع الدولي كله أن يعيَها من هذا التحرك أن مصر لم تدخر وسعًا في العمل على إنجاح الجهود السياسية. ولكن في حالة الفشل التام لهذه الجهود، واستمرار التعنت الإثيوبي؛ فإننا أمام قضية تُعتبر بالنسبة لمصر قضية حياة ووجود، ليس للأجيال الحالية فقط وإنما للأجيال القادمة، ومن ثمّ فلا مجال أمام مصر إلا أن تحافظ على حقوقها المائية بالشكل الذي تراه مناسبًا وبما يكفله لها القانون الدولي. 

2- الأزمة الليبية

حددت مصرُ منذ بداية الأزمة الليبية موقفها بأنها حريصة على وحدة وسلامة الأراضي الليبية، ودعم الجيش الوطني الليبي في مواجهته للإرهاب. ومن ثمّ، كانت مصر جزءًا رئيسيًا في العديد من الاجتماعات الدولية الخاصة بليبيا التي عقدت في القاهرة في فترات سابقة، ولا سيما في الجانب المتعلق بالأمن والأمور العسكرية. واستقبلت مصر بعض القيادات الليبية المعروفة. كما استضافت على مدار الشهور السابقة اجتماعات للبرلمان الليبي شارك فيها ممثلون عن كافة المناطق الليبية في الشرق والغرب والجنوب.

وعارضت مصر بقوة التدخل العسكري التركي السافر لدعم حكومة الوفاق، مشيرة إلى أن الوجود التركي غير الشرعي يؤجج الأزمة، بل ويزيد من حدة الإرهاب في المنطقة في ضوء ما يقوم به “أردوغان” من نقل للميليشيات المسلحة والعناصر الإرهابية من سوريا إلى الغرب الليبي.

وقد حرص الرئيس “عبدالفتاح السيسي” على المشاركة في مؤتمر برلين الخاص بليبيا الذي عقد في 19 يناير الماضي، وطرح سيادته الرؤية المصرية المتكاملة لحل الأزمة سياسيًّا، ومن بينها ضرورة إنهاء الوجود التركي في الغرب الليبي. ومن المؤكد أننا سوف نواصل تحركنا مع العناصر المهمة على الساحة الليبية ومع المجتمع الدولي من أجل الوصول إلى تسوية سياسية للأزمة في ظل قناعة الجميع بعدم وجود أية إمكانية للحل العسكري.

3- الأزمة السورية

سعت مصر منذ بداية الأزمة السورية إلى تأكيد موقفها بضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وأهمية مكافحة التنظيمات الإرهابية التي ساهمت في إحداث قدر كبير من تدمير سوريا وتهجير الملايين من الشعب السوري الشقيق. كما عارضت مصر بقوة التدخل التركي الذي قام باحتلال مساحة كبيرة من الأراضي السورية تحت مبررات أمنية واهية، ولكنها في الحقيقة تدخل كلها تحت محاولات “أردوغان” التوسعية في المنطقة.

وقد ساهمت مصر بدور مهم في بعض الاجتماعات المتعلقة بالتسوية السياسية للأزمة السورية، وستظل تسعى في هذا التوجه حتى تعود سوريا دولة آمنة مستقرة تضيف إلى رصيد الموقف العربي. 

4- صفقة القرن

حرصت مصر منذ أن أعلنت الولايات المتحدة عن “صفقة القرن” في 28 يناير الماضي على اتخاذ موقف موضوعي هادئ، ارتكز على إبداء التقدير للجهد الأمريكي المبذول، والتأكيد على أن حلّ القضية الفلسطينية لن يتم إلا من من خلال المفاوضات ودون تغيير في الثوابت المعروفة. 

كما كانت مصر جزءًا من القرار الذي اتخذته الجامعة العربية في الأول من فبراير الماضي برفض الصفقة، ولم تكتفِ بذلك بل أعلنت موقفها الواضح بضرورة أن يرتكز أي حل للقضية على مقررات الشرعية الدولية، خاصة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية، ثم أكد الرئيس “السيسي” بوضوحٍ أن مصر سوف تقبل كل ما يقبله الفلسطينيون وترفض ما سوف يرفضونه. 

من المؤكد أن مصر سوف تظل متمسكة بمواقفها في هذا الإطار، وستواصل دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني دون أن تتوقف عن المطالبة بضرورة استئناف المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية لبحث كافة قضايا الوضع النهائي، وبما يساهم في إنهاء هذه القضية التي تجاوز عمرها خمسة عقود. كما ستظل مصر راعية لأية جهود من شأنها إنهاء الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني. 

وفيما يتعلق بأية جوانب خاصة بسيناء وردت في “صفقة القرن” فإن موقف مصر القاطع الذي لا يقبل أي شك يتمثل في أننا لن نقبل أي تفريط في حبة رمل من أرض سيناء، وإن كان من الأمانة أن نشير هنا إلى أن الصفقة لم تتناول هذا الأمر بأي شكل من الأشكال. وفي هذا المجال، من الضروري أن أؤكد أن مصر تُواصل مسيرتها الناجحة في تنمية سيناء بالمشروعات العملاقة التي تحقق مصالحنا بصورة رئيسية.

5- العلاقات مع السودان

تُمثّل العلاقات المصرية السودانية التاريخية الحصن الرئيسي القادر على احتواء أية خلافات أو مشكلات ثنائية، وقد جاءت الزيارة التي قام بها السيد رئيس المخابرات العامة المصرية للسودان يوم 9 مارس الجاري وما تلاها من قيام الفريق أول “محمد أحمد دقلو” بزيارة مصر واجتماعه مع الرئيس “عبدالفتاح السيسي” يوم 15 مارس الجاري لتمثل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في العلاقات تؤكد حرص الدولتين على التنسيق والتعاون المشترك في كل ما يمكن أن يحقق مصالح الشعبين.

ولا شك أن موقف السودان في أزمة سد النهضة، وإن كان قد أثار بعض اللغط في فترات سابقة؛ إلا أنه من الإنصاف أن أقول إن هذا الموقف قد اقترب كثيرًا من الموقف المصري مؤخرًا، بل تطابق معه في نقطة رئيسية مهمة هي ضرورة ألا تقوم إثيوبيا بملء السد دون اتفاق مع كل من مصر والسودان، ونأمل أن يواصل السودان تمسكه بهذا الموقف، وأن يقوم بدور إيجابي في إنهاء هذه الأزمة، وهو ما أكده الفريق أول “حميدتي” خلال زيارته الأخيرة للقاهرة.

6- العلاقات مع دول الخليج

تمر العلاقات المصرية-الخليجية في الوقت الحالي بمرحلة متميزة من الازدهار، وذلك من خلال التعاون والتنسيق المشترك في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، خاصة مع كلٍّ من السعودية والإمارات. ومن الواضح أن هذه العلاقات تمثل أهم أركان الاستقرار في المنطقة. وهناك حرص من الجانبين على استمرار وتطوير هذه العلاقات، واستمرار التشاور في كل ما يتعلق بالقضايا الثنائية وقضايا المنطقة.

7- الانتخابات الإسرائيلية

لا توجد لدى مصر أية مشكلة في التعامل مع أية حكومة قادمة، وترى مصر أن الانتخابات الإسرائيلية هي شأن إسرائيلي داخلي، وإن كان اهتمامنا ينصب على ضرورة أن تكون هناك حكومة إسرائيلية قادرة على الدخول في مفاوضات جادة وحقيقية مع الفلسطينيين من أجل وضع حد للمشكلة الفلسطينية، سواء كان “نتنياهو” رئيسًا للوزراء أو “بيني جانتس”، خاصة أن مصر تؤكد دومًا أن أساس الاستقرار في المنطقة يتمثل في حل المشكلة الفلسطينية. 

8- الإرهاب

لا شك أن الجهود التي بذلتها مصر في مواجهة الإرهاب أدت إلى تحقيق نجاح غير مسبوق في هذه المواجهة حتى أصبحت التجربة المصرية في مكافحة الإرهاب تجربة يُحتذى بها، وتحرص العديد من دول العالم على الاستفادة بها ومنها. 

وبالرغم من النجاحات التي حققتها مصر في هذا المجال من خلال التضحيات التي قدمها رجال الجيش المصري العظيم ورجال الشرطة المصرية، إلا أن المطلوب استمرار اليقظة، خاصة وأن هناك بعض الدول التي لا تزال تتحرك من أجل عدم استقرار مصر.

ولا تزال مصر ترى أن جهود مكافحة الإرهاب لا بد أن تتواصل بفاعلية أكثر على المستوى الدولي، وأن تكون هناك عقوبات رادعة على تلك الدول الراعية والداعمة للإرهاب إذا كان العالم جادًّا في إنهاء هذه الظاهرة.

اللواء محمد إبراهيم الدويري
نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب