loader

اليوم التالي لانتهاء أزمة كورونا

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية

قد تطول أزمة فيروس كورونا المستجد لبضعة أشهر أخرى، وقد تنتهي بشكل مفاجئ بإعلان التوصل إلى اللقاح المناسب، لكن ما سيبقى هو التحديات والدروس التي كشفت عنها خبرة العالم مع هذا الفيروس. بجانب التكاليف الاقتصادية والبشرية المباشرة التي دفعها المجتمع الدولي بسبب هذا الفيروس، سيظل هناك سؤال كبير حول مستقبل ظاهرة العولمة، والتي قامت بدورها على فلسفة أساسية جوهرها إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية أمام تجارة السلع والخدمات، والاستثمارات، وحرية التنقل والتفاعل البشري (السياحة بمختلف أنماطها، والبعثات التعليمية…إلخ)، بالإضافة إلى عولمة عمليات الإنتاج ذاتها عبر ما يعرف بسلاسل الإنتاج.  المستوى المتقدم من العولمة الذي وصل إليه النظام الاقتصادي العالمي كان…

محمد فايز فرحات
رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية

قد تطول أزمة فيروس كورونا المستجد لبضعة أشهر أخرى، وقد تنتهي بشكل مفاجئ بإعلان التوصل إلى اللقاح المناسب، لكن ما سيبقى هو التحديات والدروس التي كشفت عنها خبرة العالم مع هذا الفيروس. بجانب التكاليف الاقتصادية والبشرية المباشرة التي دفعها المجتمع الدولي بسبب هذا الفيروس، سيظل هناك سؤال كبير حول مستقبل ظاهرة العولمة، والتي قامت بدورها على فلسفة أساسية جوهرها إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية أمام تجارة السلع والخدمات، والاستثمارات، وحرية التنقل والتفاعل البشري (السياحة بمختلف أنماطها، والبعثات التعليمية…إلخ)، بالإضافة إلى عولمة عمليات الإنتاج ذاتها عبر ما يعرف بسلاسل الإنتاج. 

المستوى المتقدم من العولمة الذي وصل إليه النظام الاقتصادي العالمي كان عاملا رئيسا في سرعة انتشار الفيروس المستجد من منطقة المنشأ (مدينة ووهان الصينية) إلى باقي أقاليم العالم دونما تمييز. وظلت آلية “العزل” هي الآلية الأساسية في مواجهة الفيروس، بدءا من العزل الفردي وصولا إلى مستويات متفاوتة من عزل الدولة والمجتمع عن باقي الوحدات الدولية (فرض قيود على السياحة والتجارة والطيران.. إلخ). وهكذا، كانت العولمة سببا في سرعة انتشار الفيروس، وفي مقدمة المتضررين منه أيضا. 

هذه الحقائق ستخلق جدلا كبيرا بعد انتهاء الأزمة حول طبيعة ظاهرة العولمة بسماتها الراهنة. هذا الجدل ليس من المتوقع أن يكون رشيدا أو موضوعيا، لكنه سيخضع لدرجة من التسييس والاستقطاب بين تيارين رئيسيتين: 

التيار الأول، سيتركز داخل الولايات المتحدة، مدفوعا بتوجهات إدارة ترامب ومبدأ “أمريكا أولا”. هذا التيار سيعمد إلى الربط بين الاقتصاد الصيني ونشوء الأزمات الاقتصادية الدولية والتهديدات غير التقليدية. وسيتم في هذا الإطار استحضار أزمة سارس (2002- 2003)، والأنماط الاستهلاكية والغذائية الصينية وربطها بهذا النوع من الأزمات الاقتصادية.  بمعنى آخر، سيسعى هذا التيار إلى الترويج لمقولة أن صعود الوزن النسبي للاقتصاد الصيني سوف يستتبعه مزيد من التهديدات داخل الاقتصاد العالمي. 

قد يتم أيضا استحضار الجدل الذي كان قد نشأ عقب الأزمة المالية الآسيوية في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، والتي تبعها جدل كبير بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة حول العلاقة بين الأخيرة والأزمات المالية والاقتصادية العالمية. صحيح أن الأزمة الحالية مختلفة في مصادرها وطبيعتها عن أزمة التسعينات، لكن المناخ العام الذي سبق أزمة فيروس كورونا المستجد سيساهم بالتأكيد في إحياء الجدل المسيس حول مستقبل ظاهرة العولمة، بشكل عام، وموقع الاقتصاد الصيني داخلها، بشكل خاص. سيطرة مبدأ “أمريكا أولا”، وما تبعه من انسحاب الولايات المتحدة من بعض الاتفاقيات ذات الصلة بظاهرة العولمة الاقتصادية، وعلى رأسها الانسحاب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ TPP في يناير 2017، ثم بدء حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين في منتصف 2018، وما تبعها من جدل حول استقرار مبدأ حرية التجارة، كل هذه عوامل تشكل سياق غير صحي لهذا الجدل المتوقع بعد انتهاء أزمة كورونا. 

التيار الثاني، سيتركز داخل الصين، وسيدافع بكل قوة عن ظاهرة العولمة لأسباب لا تتعلق فقط بالمصلحة الصينية في استقرار هذه الظاهرة، على خلفية ارتباط النمو الاقتصادي الصيني بهذه الظاهرة، والمرحلة الجارية في الانفتاح الاقتصادي الصيني -على مستوى الاقتصاد القومي واقتصادات المقاطعات المحلية- فضلا عن التغيير الجاري في مصادر النمو الاقتصادي في اتجاه تزايد الاعتماد على الطلب الخارجي بسبب ظاهرة الفائض في القدرات الإنتاجية التي تعاني منها العديد من القطاعات الاقتصادية الصينية، ولكن بالنظر أيضا إلى الربط المتوقع بين تزايد الثقل النسبي للاقتصاد الصيني داخل الاقتصاد العالمي، وتزايد حالة الاعتماد المتبادل مع الاقتصاد الصيني، من ناحية، واحتمالات انتقال الأزمات الاقتصادية الصينية إلى الاقتصاد العالمي، من ناحية أخرى، وهو ربط -كما سبق القول- لن يخلو من تسييس ملحوظ. 

الصين لديها في هذا الإطار بعض المفاهيم المهمة التي طورها الرئيس شي جينبينج، وعلى رأسها مفهوم “مجتمع المصير المشترك”، فضلا عن المعنى المهم الذي قدمته الصين لمفهوم “المسئولية الدولية” ليشمل أبعادا اقتصادية وتنموية بعيدا عن اختزاله في المعنى السياسي الذي تبناه الغرب (المسئولية عن نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان). هذه المفاهيم تمثل مدخلا مهما لضبط الجدل المتوقع حول ظاهرة العولمة، لكن ذلك يحتاج إلى شروط. 

خبرة أزمة كورونا المستجد، رغم كل تبعاتها، توفر فرصة كبيرة للصين للتأكيد على مصداقية هذين المفهومين ودرجة التزامها بهما، كأساس ليس فقط لتصحيح اختلالات ظاهرة العولمة -وهو أحد التوجهات الصينية المعلنة منذ سنوات- لكن أيضا لضمان ترشيد الجدل المتوقع حول تلك الظاهرة وموقع الصين بها. الأمر يتطلب مشاركة الصين مع العالم لخبرتها في إدارة الأزمة، بدءا من الطريقة التي نشأ بها الفيروس، وطريقة انتشاره، والإجراءات المستخدمة في مواجهته وتطويقه، وطرق العلاج المستخدمة حتى الآن…إلخ من المعلومات ذات الصلة. مثل هذه المشاركة ستقلل بالتأكيد من فرص تسييس الجدل المتوقع. 

نقلا عن جريدة الأهرام، الأحد، ١٥ مارس ٢٠٢٠

محمد فايز فرحات
رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية