loader

كواليس انتزاع القاعدة من اليمن

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

لم يمر يومان على الإعلان الأمريكى الرسمى بأن قوات مكافحة الإرهاب الدولى تمكنت، عبر إحدى عملياتها، من قتل «قاسم الريمى»، زعيم تنظيم القاعدة فى اليمن، حتى خرج برنامج «مكافآت من أجل العدالة»، التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، بإعلانين متتالين، يعرض فيهما مكافأة مالية ضخمة، الأولى تقدر بـ«6 ملايين دولار» نظير تقديم معلومات تؤدى للقبض على الإرهابى «سعد بن عاطف العولقى»، والثانية جاءت بقيمة «5 ملايين دولار»، مقابل ما يخص الإرهابى «خالد سعيد باطرفى» من معلومات تؤدى إلى وقوعه فى يد القوات الأمريكية باليمن. يجىء نشر تلك الإفادات الأمريكية مصحوباً بصور لهذين الشخصين، وقبلهما الوصول للريمى والنجاح فى قتله، ليدلل بما لا…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

لم يمر يومان على الإعلان الأمريكى الرسمى بأن قوات مكافحة الإرهاب الدولى تمكنت، عبر إحدى عملياتها، من قتل «قاسم الريمى»، زعيم تنظيم القاعدة فى اليمن، حتى خرج برنامج «مكافآت من أجل العدالة»، التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، بإعلانين متتالين، يعرض فيهما مكافأة مالية ضخمة، الأولى تقدر بـ«6 ملايين دولار» نظير تقديم معلومات تؤدى للقبض على الإرهابى «سعد بن عاطف العولقى»، والثانية جاءت بقيمة «5 ملايين دولار»، مقابل ما يخص الإرهابى «خالد سعيد باطرفى» من معلومات تؤدى إلى وقوعه فى يد القوات الأمريكية باليمن. يجىء نشر تلك الإفادات الأمريكية مصحوباً بصور لهذين الشخصين، وقبلهما الوصول للريمى والنجاح فى قتله، ليدلل بما لا يدع مجالاً للشك على أن لدى الولايات المتحدة خريطة حديثة لقيادات تنظيم «القاعدة» فى اليمن، وتحت أيديها من المعلومات ما يمكن وصفها بالثمينة، مما دفعها للتحرك سريعاً كما بدا من مسار أحداث الأيام القليلة الماضية.

فى الخامس من هذا الشهر أعلن البيت الأبيض البيان الخاص بـ«قاسم الريمى»، وقد نفذت العملية فى «مأرب» اليمنية إحدى طائرات «الدرونز» الأمريكية عالية التقنية، التى قامت بالرصد والقصف المباشر فائق الدقة الذى أودى بحياة الريمى، وهى عملية مستنسخة من سابقتها التى نُفذت بحق «أنور العولقى» القيادى الشهير بالقاعدة، الذى جرى تصفيته بغارة شرق العاصمة صنعاء فى العام 2011. ويُعد قاسم فعلياً من القيادات التاريخية لـ«القاعدة»، خاصة فى فرعها النشيط الذى تمركز باليمن. «قاسم الريمى» الذى وُلد فى العام 1978 اسمه الحركى «أبوهريرة الصنعانى»، عُين قائداً لتنظيم «القاعدة فى جزيرة العرب» عام 2015، خلفاً لـ«ناصر الوحيشى» بعد مقتله هو الآخر فى غارة جوية بـ«الدرونز» على مدينة «المكلا» شرقى اليمن. دعا الريمى، عقب اختياره مباشرة، إلى تجديد الهجمات ضد الولايات المتحدة، حيث استدعى فترة عمله الطويلة تحت قيادة بن لادن فى أفغانستان، فقد انخرط قاسم الريمى داخل صفوف التنظيم منذ بلوغه الخامسة عشرة من عمره، وتدرّج فى سلم المهام القتالية سريعاً بعد إثبات جدارته التى دفعته ليتولى سريعاً العديد من المواقع القيادية. أشهر هذه المناصب توليه لمسئولية أكبر معسكر تدريبى تابع للقاعدة، لتبزغ فيه مهاراته التدريبية وكاريزما القيادة، مما أكسبه علاقات واسعة بالصف القيادى للتنظيم الذى كان حينها يتمتع بحرية حركة واسعة، ما قبل هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية ضد الولايات المتحدة.

فى إجراء احترازى من قبَل تنظيم «القاعدة» اتخذه بعد هجمات سبتمبر، وقبيل الهجوم الأمريكى على أفغانستان، صدر قرار تنظيمى بالإسراع فى إنفاذ «الريمى» لليمن ليساهم فى تشكيل أهم أفرع تنظيم «القاعدة»، حيث وضعت الجزيرة العربية باعتبارها تمثل ملاذاً محتملاً لقيادات القاعدة حينها، لكن الولايات المتحدة وقوات التحالف التى شاركت معها فى الهجوم على أفغانستان، قطعت الطرق كافة على «أسامة بن لادن» والصف القيادى للتنظيم وحصرت غالبيتهم داخل أفغانستان، بل ومررت الاستخبارات الأمريكية للأجهزة اليمنية حينئذ معلومات دقيقة مكنت الأخيرة من إلقاء القبض على «الريمى» ومعه مجموعة من الفارين من أفغانستان، جرى ذلك عام 2005 قبل أن يتمكن من تنفيذ عملية هروب كبيرة فى 2006، استطاع خلالها أن يخرج أكبر قيادات «القاعدة» الذين عادوا برفقته قبلاً. منذ هذا التاريخ و«قاسم الريمى» عكف مع آخرين على تأسيس وتدعيم الفرع الذى خطط له بن لادن، نجح هؤلاء فى تقوية أذرعه إلى حد كبير وفاعل، مما مكّن هذه المجموعة التاريخية من تنفيذ هجمات شهيرة ومؤثرة، بدأت فى عام 2007 بالهجوم الذى استهدف مجموعة من السياح الإسبان. أعقب ذلك محاولة تفجير «طائرة مدنية» متجهة إلى الولايات المتحدة، فضلاً عن إرسال عدة طرود مفخخة إلى هناك فى 2010، مما دفع الولايات المتحدة إلى إدراج «قاسم الريمى» مع آخرين على قائمة الإرهاب فى مايو 2010.

جرى استهداف الريمى فى مرات عديدة سابقاً إلى جانب قادة آخرين من فرع «القاعدة» القوى، فقد جرى الإعلان عن وفاته المرة الأولى عام 2007، كذلك كان هدفاً، كما أعلنت الولايات المتحدة حينها، لغارة جوية على معسكرات القاعدة فى اليمن، عام 2009، وتكرر ذلك عام 2010 عندما انتشر على نحو واسع أنباء عن مقتله فى غارة لقوات الأمن اليمنية. وعندما تأكد لاحقاً أن هذه التقديرات لم تكن صحيحة، وبدت الأنباء على نحو متضارب، دفع ذلك الإدارة الأمريكية هذه المرة إلى التروى فى الإعلان عن وفاته وجعلها أكثر حذراً، حتى تأكدت بصورة كاملة من نجاحها فى تنفيذ عملية استهدافه. كما يُذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية، فى عام 2019، رصدت مكافأة ضخمة بلغت قيمتها (11 مليون دولار) لمن يدلى بمعلومات حقيقية تساهم فى الوصول إلى الريمى، فقد ظلت تقديرات الاستخبارات الأمريكية تؤكد بأن الفرع المحلى للقاعدة فى اليمن بقيادة «قاسم الريمى» يُعتبر الأكثر قدرة على ضرب المصالح الأمريكية فى المنطقة، رغم أنه لم يقم بالتخطيط لهجوم يستهدف الولايات المتحدة مباشرة منذ سنوات، لكن طوال الوقت ظل الريمى هدفاً مهماً، فالحالة الداخلية التى عليها اليمن منذ سنوات جعلت فرع «القاعدة» هو الأخطر والأكثر قدرة على التمدد، بل والانتقال بدوائر تهديده خارج حدود اليمن، على الأقل ربما أكثر خطورة على السعودية والإمارات مما هو عليه فى الداخل المثقل بالاقتتال مع جماعة الحوثى.

دونالد ترامب، لا شك، سيستثمر عملية القضاء على الريمى فى طيات سباقه الانتخابى كما جرى مع «قاسم سليمانى» الذى احتل مكاناً متقدماً فى معظم خطاباته الدعائية مؤخراً. لكن فى حقيقة المشهد على الأرض دون تضخيم، تُعد الضربة شديدة التأثير على تنظيم «القاعدة» الذى فقد برحيل «الريمى» أحد أهم وأخطر العناصر التنظيمية التى ساهمت إلى حد بعيد فى ترسيخ وجود ونفوذ التنظيم فى تلك المنطقة، مما جعله رقماً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن معادلة أمن مفارق الممرات الهامة فى الإقليم.

عكف «قاسم الريمى» مع آخرين على تأسيس وتدعيم الفرع الذى خطط له بن لادن نجح هؤلاء فى تقوية أذرعه إلى حد كبير وفاعل مما مكّن هذه المجموعة التاريخية من تنفيذ هجمات شهيرة ومؤثرة بدأت فى عام 2007 بالهجوم الذى استهدف مجموعة من السياح الإسبان. 

*نقلا عن صحيفة “الوطن”، نشر بتاريخ ١١ فبراير ٢٠٢٠.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب