loader

وكلاء تركيا الذين يقطعون طريق التسوية فى ليبيا (1)

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

عندما اتفقت القوى الدولية فى برلين، على تجسير الهوة بين الأطراف المتصارعة فى طرابلس، ومنع التدخلات الخارجية التى تزيد من تأجيج الأوضاع. لم يخرج على النص حتى اللحظة على الأقل سوى الجانب التركى، فأردوغان سعى كعادته إلى الالتفاف على تعهداته، وما زال يصر على المضى نحو التصعيد. هذا ما أكدته تصريحاته العدائية تجاه الجيش الليبى، وتهديداته المستمرة التى تزامنت مع استمرار تدفق السلاح التركى ومرتزقته إلى ليبيا. لذلك عندما يترافع الرئيس التركى لصالح الحل السياسى فى ليبيا، كما قام بذلك فى الجزائر مؤخراً، مؤكداً من جانبه أنه لا ينبغى أن تتحول ليبيا إلى ما صارت عليه سوريا، لا يجد من…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

عندما اتفقت القوى الدولية فى برلين، على تجسير الهوة بين الأطراف المتصارعة فى طرابلس، ومنع التدخلات الخارجية التى تزيد من تأجيج الأوضاع. لم يخرج على النص حتى اللحظة على الأقل سوى الجانب التركى، فأردوغان سعى كعادته إلى الالتفاف على تعهداته، وما زال يصر على المضى نحو التصعيد. هذا ما أكدته تصريحاته العدائية تجاه الجيش الليبى، وتهديداته المستمرة التى تزامنت مع استمرار تدفق السلاح التركى ومرتزقته إلى ليبيا. لذلك عندما يترافع الرئيس التركى لصالح الحل السياسى فى ليبيا، كما قام بذلك فى الجزائر مؤخراً، مؤكداً من جانبه أنه لا ينبغى أن تتحول ليبيا إلى ما صارت عليه سوريا، لا يجد من يصدق هذا الحديث وهو بالأصل غير مخصص للإقناع، بقدر ما هو استهلاك ضمنى للوقت وإطلاق سحابات دخان كلامية، تغطى على حقيقة ما يجرى على الأرض.

تركيا التى تعلن خشيتها من تحول ليبيا إلى سوريا أخرى، لها سوابق مؤكدة ومشابهة، فأنقرة ضالعة فى تعقيد الأزمة السورية بشكل مباشر طوال سنوات مضت حتى اليوم، من خلال تسهيل دخول المقاتلين إليها فى السنوات الماضية، خاصة بعد ما كان يجرى تجميعهم وإرسالهم إلى داخل سوريا بعد نقلهم من ليبيا. اليوم يقوم «أردوغان» بنفس الدور لكن فى الاتجاه المعاكس، حيث يضرب بعرض الحائط قرارات مجلس الأمن الذى يحظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا، فضلاً عن مخرجات مؤتمر برلين الذى لم يتفهم أحد سبب مشاركة تركيا فيه، إلا على خلفية الاتفاق المرفوض دولياً مع حكومة الوفاق فى طرابلس. ذهبت تركيا فى هذا إلى أبعد من ذلك، إذ أرسلت مئات المرتزقة من سوريا للقتال فى ليبيا، وهى خطوة تؤكد أن تبعاتها الخطيرة لن تقف عند ليبيا وحدها، لكن ستمتد إلى كل المنطقة بالنظر إلى التجربة السورية التى يستشهد أردوغان بها.

الحقيقة أيضاً على الأرض؛ أن هناك شخصيات ليبية بعينها لديها ارتباطات معقدة ومتشابكة، تعمل لصالح تركيا ولديها أجندة خاصة على رأس أولوياتها أن تظل الأزمة مستعرة، فالوصول لمحطة النهاية والبدء فى مسار التسوية قد يدمر تلك الأجندة، ويجهض الطموحات التركية التى لا تقف عند حد. أحد أشهر تلك الشخصيات التى بدأت الانكشافات تضعهم فى مقدمة الأحداث، هو «المهدى الحاراتى» الذى ظهرت صورته على وسائل التواصل الاجتماعى مؤخراً، وهو يقبل رأس «أردوغان» فى ملامح ولاء مطلق أثار التساؤل حول تاريخ ووظيفة هذا الرجل. المهدى الحاراتى ليبى الأصل يحمل الجنسية الأيرلندية، عمره 46 عاماً ومصنف ضمن أخطر الإرهابيين فى العالم، بعد مسيرة حافلة من الدم والعمليات المسلحة وتأسيس الكيانات الإرهابية، فضلاً عن الرحلات المكوكية التى قام بها خلال العقد الماضى من أجل تجنيد الشباب فى صفوف «داعش» بالأخص، ولديه حزمة من مهام التنسيق بين الفصائل المسلحة. لكن تاريخ الرجل المثير للجدل لا يقف عند حد العقد المنصرم، ففى العام 2004 كان «الحاراتى» أحد المشاركين فى مجزرة العاصمة الإسبانية مدريد، التى استهدفت شبكة قطارات نقل الركاب، مخلفة وراءها 191 قتيلاً و1755 مصاباً. الرجل الذى انخرط مبكراً فى القتال ضمن صفوف الميليشيات المسلحة فى كوسوفو والعراق، أوكلت إليه مهام من الاستخبارات التركية، تمثلت فى نقل مقاتلى داعش من سوريا وإليها، لكن لم تكن هذه المهمة أيضاً هى بداية العلاقة مع تركيا. فأولى مهام تلك الشراكة كانت على سطح سفينة المساعدات التركية المتجهة إلى قطاع غزة «مافى مرمرة» عام 2010، فقد كان «الحاراتى» من بين المتطوعين والنشطاء الذين تعرضوا للإصابة بسبب الهجوم الإسرائيلى على السفينة فى عرض البحر. وألقى القبض عليه من قبل الإسرائيليين، قبل أن يفرج عنه وينقل إلى أحد المستشفيات التركية، وهنا جاء أول ظهور إعلامى للمهدى الحاراتى فى الصورة الشهيرة التى يقبِّل فيها رأس «أردوغان».

«الحاراتى» كان حينها قد دخل أروقة الاستخبارات التركية، وظل يعيش فى الجمهورية الأيرلندية على المعونة الاجتماعية كلاجئ سياسى، وسبب هذا اللجوء كان باعتباره معارضاً لنظام العقيد القذافى حينها، لكن الأمر انكشف فى يوليو 2011، عندما تعرض منزل «الحاراتى» بأيرلندا للسرقة، حينها قامت زوجته بإبلاغ قوات الأمن بسرقة مجوهرات بقيمة 200 ألف يورو، المبلغ الضخم أجبر الأمن الأيرلندى على البحث فى مصدر هذه الأموال، حيث لم يتمكن من تبريرها مع دخل الحاراتى المتواضع، مما دفعه للاعتراف أمام السلطات الأيرلندية بأنه تلقاها من مسئولين قطريين وفرنسيين وأمريكان، وبرر حصوله على هذه الأموال من أجل الإطاحة بالرئيس الليبى السابق معمر القذافى على حد قوله فى أوراق الاستجواب الذى خضع له. انتقل «الحاراتى» إلى ليبيا فى نهاية عام 2011؛ لقيادة تنظيم كتائب ثوار طرابلس المتعاون مع تنظيم القاعدة، المدعوم سياسياً وعسكرياً من قبل الحكومة التركية، بعد الإطاحة بنظام القذافى أصبح نائباً لقائد المجلس العسكرى بطرابلس، الذى كان يقوده الإرهابى عبدالحكيم بلحاج، رجل تركيا الأول فى ليبيا. أوامر الاستخبارات التركية منذ البداية طالبته بالتركيز على ملف دعم أنشطة تنظيم القاعدة فى ليبيا، ليسارع فى بداية عام 2012 بقيادة مجموعة من المقاتلين تعدادها يقارب (1550 إرهابياً) تابعين لتنظيم القاعدة، نقلوا إلى تركيا تحت زعم أنهم لاجئون هاربون من الأحداث فى ليبيا، ومن تركيا نقلت المجموعات الإرهابية إلى سوريا عن طريق حافلات تابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية التركية.

فى أغسطس 2014، انتخب المهدى الحاراتى رئيساً لبلدية طرابلس العاصمة، بدعم من تركيا، حيث بدأ العمل تحت مظلة حكومة طرابلس. حتى جاء عام 2017 ليوضع اسم المهدى الحاراتى فى قائمة الإرهاب المشتركة التى صدرت عن مصر والسعودية والإمارات والبحرين، والتى ضمت 59 فرداً و12 كياناً إرهابياً، منهم «عبدالحكيم بلحاج» والعديد من عناصر جماعة الإخوان الإرهابية، وممولو الميليشيات المتطرفة. هذا أحد نماذج وكلاء المشروع التركى فى ليبيا، الأسبوع القادم نستكمل عن آخرين بمشيئة الله.

*نقلا عن صحيفة “الوطن”، نشر بتاريخ ٤ فبراير ٢٠٢٠.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب