loader

خطوط النار التى تجاوزتها إيران فى سوريا

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الزيارة الخاطفة التى قام بها الرئيس الروسى فلايمير بوتين إلى سوريا، فى السابع من يناير الجارى، عندما تفاجأ الجميع بوجوده داخل القاعدة الروسية صحبة الرئيس السورى بشار الأسد ووزير دفاعه، انحسرت أخبارها سريعاً، والمقصد منها، بعدما انتقل الرئيس الروسى بعدها إلى أنقرة، ليعلن من هناك مبادرة وقف إطلاق النار فى ليبيا، مما تسبب فى خطف الأضواء عما جرى فى سوريا، رغم أهميته الكبيرة وما رشح عن تفاصيل ما كان يبحثه بوتين هناك، ومع أى الأطراف تحديداً كان يريد وضع نقاط بعينها على حروف أزعجت واشنطن وتل أبيب وتقاطعت مع ما كانتا تنفذانه على الأرض فى ذات الوقت. عندما أدركت واشنطن…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الزيارة الخاطفة التى قام بها الرئيس الروسى فلايمير بوتين إلى سوريا، فى السابع من يناير الجارى، عندما تفاجأ الجميع بوجوده داخل القاعدة الروسية صحبة الرئيس السورى بشار الأسد ووزير دفاعه، انحسرت أخبارها سريعاً، والمقصد منها، بعدما انتقل الرئيس الروسى بعدها إلى أنقرة، ليعلن من هناك مبادرة وقف إطلاق النار فى ليبيا، مما تسبب فى خطف الأضواء عما جرى فى سوريا، رغم أهميته الكبيرة وما رشح عن تفاصيل ما كان يبحثه بوتين هناك، ومع أى الأطراف تحديداً كان يريد وضع نقاط بعينها على حروف أزعجت واشنطن وتل أبيب وتقاطعت مع ما كانتا تنفذانه على الأرض فى ذات الوقت.

عندما أدركت واشنطن أن الروس يخططون لإنشاء منطقة حظر جوى، بالتفاهم مع تركيا وإيران فى الوسط والشمال السورى، من أجل تمكين إيران من السيطرة على حقول النفط والغاز، بغرض مساعدة طهران فى التغلب على العقوبات النفطية التى فرضتها الولايات المتحدة مؤخراً على الصادرات النفطية، فى مقابل اقتسام موسكو وطهران عائدات النفط لتمويل عملياتهما العسكرية فى سوريا، حينها قررت واشنطن قطع الطريق على هذا المخطط، ودفعت ترامب لأن يدخل شخصياً على خط هذا التطور كى يستجيب لضرورة تغيير استراتيجيته بشأن سوريا، انطلقت خطوته الأولى بالفعل حين كلفت القوات الأمريكية على نحو مفاجئ، بالتحرك للسيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز السورية. وبذلك تكون واشنطن قد وضعت يدها على قدرات إنتاج تبلغ ما قيمته نحو 3.5 مليار دولار سنوياً، فضلاً عن إنتاج 7.8 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى، هذا بتقديرات صندوق النقد الدولى لعام 2010 وهو العام الأخير قبيل اندلاع الاقتتال الداخلى فى سوريا.

بوتين فى زيارته لسوريا، وصل إلى هناك بعد حدوث تلك الوقائع، ونقل له عسكريون روس أن هناك عمليات عسكرية خشنة تجرى بالقرب منهم، وبصورة متسارعة تنذر بأخطار حقيقية، فسلاح الجو الإسرائيلى قام مؤخراً بقصف منشآت إيرانية فى محيط مدينة «البوكمال»، فى ذات الوقت الذى استهدفت المقاتلات الأمريكية منشآت أخرى لإيران شمال محافظة «دير الزور»، بالتزامن مع إرسال الولايات المتحدة حاملة الطائرات «هارى ترومان» قبالة الساحل السورى شرقى المتوسط. الجانب الروسى لم يقدّر تحريك أو مرور تلك الحاملة باعتباره إجراء اعتيادياً أو روتينياً، بل كشف للرئيس بوتين أن الأخيرة ترافقها حاملة صواريخ كروز، وغواصة نووية تابعة للأسطول السادس، فضلاً عن عدة مدمرات. كما أنها جميعاً وُضعت على أهبة الاستعداد للتحرك فى حال قررت إيران تصعيد الموقف العسكرى رداً على استهداف منشآتها من قبَل الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التطور الأخير هو ما كان فى صلب زيارة بوتين لبحث إمكانيات وقوع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، والذى استلزم من العسكرية الروسية هى الأخرى الدفع بسفينة الصواريخ التابعة للبحرية الروسية «مارشال أوستينوف»، كى ترسو بالساحل السورى وفق مهمة محددة هى مراقبة المجالين البحرى والجوى لمنطقة شرق المتوسط، تحسباً لأى تداعيات تقدّر أنها من الممكن أن تندلع فى أى لحظة.

الخشية الروسية لم تقتصر على الجانب الأمريكى وحده، إسرائيل هى الأخرى تتمادى فى مستوى عال من رغبات التصعيد، مما يثير قدراً أكبر من الشكوك فى إمكانية ذهابها لأبعد من مجرد استهداف منشآت، أو القيام بتقويض بعض الإمكانيات الإيرانية فى سوريا، فالتصريح الذى ذكره رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية الجنرال «أفيف كوتسافى» بأن الوقت قد حان لإخراج الصراع مع إيران إلى العلن، والتحضير للسيناريوهات الأسوأ، كان موجهاً بشكل مباشر لكل من سوريا وروسيا قبل أن يكون لطهران ذاتها، على اعتبار أن العسكريين الروس هم المسيطرون على المشهد العسكرى والأمنى السورى، كما أن القوات الموالية لطهران بسوريا هى الأقرب على الأرض، ويؤرق تل أبيب مرونتها وقدراتها فى العمل على جانبَى الحدود السورية العراقية. لذلك ذهب رئيس الأركان إلى التأكيد على أن «كل الجبهات حولنا مشتعلة، وفى كل واحدة منها تلقينا ما لا يقل عن إنذارين بالحرب، فيما يتدفق السلاح بحرية من العراق إلى سوريا، فلا يمكننا البقاء مكتوفى الأيدى». وهناك من يرى أن الهجوم الأمريكى الذى جرى فى 29 ديسمبر الماضى، بقصف جوى مركّز ومباغت على خمسة مواقع لكتائب «حزب الله» على جانبَى الحدود السورية العراقية، هو استجابة وتنسيق أمريكى مع التحفظات الإسرائيلية، وتحقيق لهدف تحطيم القدرات، حيث أسفر القصف عن مقتل (30 عنصراً مسلحاً)، فضلاً عن تصفية القيادى «مرتضى غيلان» بالحشد الشعبى العراقى، الذى بجانب تقلده رتبة آمر لأحد أفواج اللواء 45 بالحشد، يتولى أيضاً مسئولية تأمين خطوط الإمداد الإيرانية على منطقة الشريط الحدودى.

التقارير التى استندت عليها الولايات المتحدة فى تغيير استراتيجيتها بالشمال السورى وربما بالملف بكامله، هو أنه جرى قبيل عملية اغتيال «سليمانى» رصد عمليات إيرانية غير معتادة فى مناطق مختلفة بسوريا، أبرزها قيام وفد من الحرس الثورى الإيرانى بزيارة محافظة «السويداء» لبحث إمكانية إنشاء قاعدتين للطائرات المسيّرة، وهذا جاء بتكليف أخير من سليمانى، بل هناك دلائل تؤكد أن عملية رصد الأخير جاءت أثناء دراسة الجنرال مع من أنفذهم إلى هناك، بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية التى قد تؤهل المنطقة لشن هجمات ضد مواقع فى الأردن وإسرائيل، وهو ما نقلته الأجهزة الأمنية الأردنية إلى الولايات المتحدة، مشفوعاً بطلب لتعزيز وتطوير قاعدتها فى «التنف»، ومؤكداً أن الحرس الثورى الإيرانى مكلف بمهمة إعادة تأهيل مجمع البوكمال العسكرى تحت مسمى «قاعدة الإمام على».

لهذا لم تكن عملية الهجوم ومحاصرة السفارة الأمريكية ببغداد هى السبب الرئيسى على أهميته فى اتخاذ قرار تصفيته، بل ربما هى حلقة فى سلسلة تصعيد كانت طهران قد ظنت أنها بمعاونة الروس قادرة على تمريرها فى سوريا، بعد شهور العسل التى بدا أنها تظلل علاقاتهما، ومعهما تركيا التى وجدت بعضاً من الدفء تحت ذات الظلال الخادعة.

*نقلا عن صحيفة “الوطن”، نشر بتاريخ ٢١ يناير ٢٠١٩.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب