loader

الحرب والسياسة

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

للمفكر الاستراتيجى كارل كلاوزفيتز مقولة شهيرة هى «أن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى» بمعنى أن أى عمل عسكرى يجب أن يقف وراءه هدف سياسى، والمعنى المقابل هو أنه لو تحقق الهدف السياسى بوسائل أخرى يصبح لا داعى للحرب أو العمل العسكرى. مقولة كلاوزفيتز يمكن أن تفسر بشكل كبير تطور التفاعلات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة منذ مقتل قاسم سليمانى (قائد فيلق القدس) فى الأسبوع الماضى، والرد الإيرانى عليه، والذى تمثل فى الهجوم على قاعدتين أمريكيتين فى العراق، لم يسفر عن أى ضحايا بشرية. البعض يرى أن إيران خرجت خاسرة من هذه المواجهة بفقدانها أحد قادتها العسكريين البارزين، ثم فقدانها المصداقية…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

للمفكر الاستراتيجى كارل كلاوزفيتز مقولة شهيرة هى «أن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى» بمعنى أن أى عمل عسكرى يجب أن يقف وراءه هدف سياسى، والمعنى المقابل هو أنه لو تحقق الهدف السياسى بوسائل أخرى يصبح لا داعى للحرب أو العمل العسكرى.

مقولة كلاوزفيتز يمكن أن تفسر بشكل كبير تطور التفاعلات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة منذ مقتل قاسم سليمانى (قائد فيلق القدس) فى الأسبوع الماضى، والرد الإيرانى عليه، والذى تمثل فى الهجوم على قاعدتين أمريكيتين فى العراق، لم يسفر عن أى ضحايا بشرية.

البعض يرى أن إيران خرجت خاسرة من هذه المواجهة بفقدانها أحد قادتها العسكريين البارزين، ثم فقدانها المصداقية نتيجة لرد الفعل الذى وصفه هؤلاء بالضعيف، أو أنه كشف إيران كمجرد نمر من ورق.

وحقيقة الأمر أن إيران حققت مكاسب سياسية ضخمة، وقبل أن تنطلق صواريخها نحو القواعد الأمريكية، وربما هذا ما يفسر رمزية الهجوم العسكرى الإيرانى.

فهم هذه المكاسب يتطلب توضيح شكل الساحة الداخلية فى إيران، والساحة الإقليمية والدولية، ما قبل مقتل السليمانى وما بعده.

ما قبل مقتله كان الداخل الإيرانى يعج بالمظاهرات المحتجة على نظام آيات الله وعلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وعلى المستوى الإقليمى كانت هناك مظاهرات أخرى فى العراق تبنى المحتجون فيها عددا من الأهداف كان على رأسها الحد من النفوذ والتدخلات الإيرانية فى الشأن الإقليمى، وعلى المستوى الدولى ارتفعت حدة الانتقادات الدولية نتيجة لتخلى إيران عن بعض التزاماتها الدولية فى الاتفاق النووى الذى وقعته مع الدول الست الكبرى عام ٢٠١٥.

أى أن إيران كانت مأزومة داخليا وإقليميا ودوليا، ولكن إيران استطاعت وبدهاء شديد أن تخفف من ضغوط هذه الأزمات، وأن تحقق مكاسب سياسية فى سياق الأحداث التى بدأت بمناوشات مخططة مع الولايات المتحدة على الأراضى العراقية وانتهت بمقتل السليمانى.

هذه المكاسب تضمنت انخفاض حدة الانتقادات الداخلية، فى إطار منطق لا صوت يعلو على صوت الأزمة الخارجية (مع الولايات المتحدة) وقد ظهر حجم التعبئة الداخلية فى جنازة السليمانى. أما على المستوى الإقليمى فقد تحولت بؤرة الحديث والغضب فى العراق إلى الولايات المتحدة وليس إيران، وصوت البرلمان العراقى بأغلبية ١٧٠ صوتًا ودون أى معارضة لصالح قرار يدعو الحكومة إلى العمل من أجل إنهاء وجود القوات الأمريكية على الأراضى العراقية. كما انتهزت إيران الفرصة وأعلنت عن خفض جديد لتعهداتها الدولية التى نص عليها الاتفاق النووى تضمن أنها لن تلتزم بأى قيود تضمنها الاتفاق على عدد أجهزة الطرد المركزى التى تستخدمها لتخصيب اليورانيوم، ولكن هذه المرة ونتيجة لضجيج أزمة مقتل السليمانى لم نسمع الاحتجاجات الدولية التى صاحبت إعلانات مشابهة سابقة.

باختصار إيران حققت مكاسب سياسية ضخمة قبل أن تنطلق صواريخها نحو القواعد الامريكية فى العراق، ومن ثم كان رد فعلها العسكرى على مقتل السليمانى رمزيا، لأنها حققت بالفعل أهدافها السياسية دون الحاجة للحرب، بالإضافة إلى الرسالة الأخرى التى تضمنها الهجوم الإيرانى، وهى أنها تملك القدرات العسكرية القادرة على الوصول للقواعد الأمريكية فى المنطقة، ولكنها قررت ألا تصيب أهدافا بشرية هذه المرة.

الخلاصة هى أن إيران تستخدم السياسة لتحقيق أهدافها فى المنطقة، وبالرغم أن الولايات المتحدة كانت أحد أطراف الأزمة الأخيرة، إلا أن الخاسر الأكبر دائما هو العالم العربى.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ١٣ يناير ٢٠٢٠.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر