loader

السياسة والديناصورات

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

إذا زرت أحد متاحف التاريخ الطبيعى فى العالم فستجد عادة فى منتصف المتحف هيكلًا عظميًا لأحد الديناصورات، وهو الحيوان الذى انقرض بفعل تطورات الطبيعة. زيارة أخرى لمتاحف العلوم والتكنولوجيا قد تجد فى فاترينات العرض بها تليفونات نوكيا الكلاسيكية أو أجهزة الكاسيت (الوك مان) التى كانت فى أيدينا منذ سنوات ليست بالبعيدة. وكما ساهمت حركة الطبيعة والتاريخ والتقدم التكنولوجى فى إحالة كائنات ومنتجات للمتحف، فقد نتج عنها أيضًا انقراض أفكار ومؤسسات. واليوم ونحن نتحدث عن مستقبل الإصلاح السياسى علينا أن ندرك أن بعض الأفكار والهياكل التى يتم الإشارة إليها كجزء من هذا الإصلاح قد تتعرض للانقراض خلال الأعوام القادمة، أو تأخذ…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

إذا زرت أحد متاحف التاريخ الطبيعى فى العالم فستجد عادة فى منتصف المتحف هيكلًا عظميًا لأحد الديناصورات، وهو الحيوان الذى انقرض بفعل تطورات الطبيعة. زيارة أخرى لمتاحف العلوم والتكنولوجيا قد تجد فى فاترينات العرض بها تليفونات نوكيا الكلاسيكية أو أجهزة الكاسيت (الوك مان) التى كانت فى أيدينا منذ سنوات ليست بالبعيدة.

وكما ساهمت حركة الطبيعة والتاريخ والتقدم التكنولوجى فى إحالة كائنات ومنتجات للمتحف، فقد نتج عنها أيضًا انقراض أفكار ومؤسسات. واليوم ونحن نتحدث عن مستقبل الإصلاح السياسى علينا أن ندرك أن بعض الأفكار والهياكل التى يتم الإشارة إليها كجزء من هذا الإصلاح قد تتعرض للانقراض خلال الأعوام القادمة، أو تأخذ شكلًا غير الذى عهدناه لسنوات طويلا.

على سبيل المثال، فإن نظام الديمقراطية النيابية، والذى اخترعه البشر كبديل للديمقراطية المباشرة، بمعنى قيام المواطن بانتخاب ممثلين له فى البرلمان للمشاركة نيابة عنه فى صنع القرار، كبديل للمشاركة المباشرة كما كان يحدث فى أثينا القديمة بتجميع كل المواطنين فى مكان واحد للتداول بشأن أمور الحكم. هذه الديمقراطية النيابية تتعرض اليوم لتهديدات تؤثر على وجودها. فقد أدى التقدم التكنولوجى فى ثورة الاتصالات وأدوات التواصل الاجتماعى إلى تمكين الفرد، وسهولة تعبيره عن رأيه بشكل علنى، والتواصل مع القيادات السياسية، وبالتالى زادت رغبته مرة أخرى فى المشاركة المباشرة فى صنع القرار وليس عن طريق نواب له، وأصبح الفيس بوك أكثر حيوية من البرلمان فى مناقشة القضايا، وأكبر تأثيرا فى صنع القرار فى العديد من الدول، ولم يعد لدى المواطن الصبر لانتظار الاستحقاق الانتخابى لاختيار نوابه كل أربعة أو خمسة أعوام.

.. وتصاعد الحديث عن مشاركته المباشرة من خلال استفتاءات دورية حول القرارات الهامة، كما طرح البعض مفهوم الديمقراطية الرقمية (الديجيتال) والتى تتيح أيضا للمواطن المشاركة المباشرة والدائمة. كذلك خرج المواطنون للتظاهر فى العديد من الديمقراطيات، بدلًا من اللجوء لنوابهم بشكواهم، وهكذا أصبح استمرار الديمقراطية النيابية كما عرفناها محل شك.

نفس الأمر ينطبق على الأحزاب، والتى كانت منذ نشأتها هى قناة الاتصال بين القيادات السياسية والمواطنين، وأداة تجميع المصالح والتعبير عنها، وتفريخ القيادات. ولكن نشهد اليوم أن القيادات تستطيع التواصل المباشر مع المواطن ومن خلال أدوات التكنولوجيا ودون الحاجة للأحزاب، وأصبح الناخب يفضل المرشح من خارج الأحزاب التقليدية، وأصبحت التعبئة فى الانتخابات تتم دون الحاجة للتنظيم الحزبى. كذلك أصبحنا نعيش فى عصر ما بعد الأيديولوجية، حيث اختلطت أفكار اليمين واليسار، وزاد الاقتباس بينها، وتحركت الكتل الانتخابية العمالية للتصويت لمرشحى اليمين وليس اليسار (كما حدث مع ترامب وبوريس جونسون) وأصبح جانب من كتلة الطبقات الثرية يميل للتصويت لليسار الليبرالى وليس اليمين المحافظ، وهى تطورات تتناقض مع أنماط التصويت التاريخية لهذه الكتل، وتشير إلى حالة السيولة الأيديولوجية التى يشهدها العالم اليوم، وتفضيل المواطن الكفاءة فى الحكم والقدرة على حل المشاكل، وليس الأيديولوجية السياسية. خلاصة الأمر، علينا أن نعرف ما يحدث فى العالم ونحن نضع خططًا مستقبلية للعمل السياسى، وأن نبدع آليات جديدة للحكم والمشاركة، وأن ندرك أن بعض الأفكار والمؤسسات السياسية التقليدية، والتى عهدناها لسنوات طويلة، أصبحت تسير فى طريق الديناصورات.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٦ يناير ٢٠٢٠.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر