loader

أين أنت يا كوبر؟

رئيس الهيئة الإستشارية

حديث الأسبوع الماضى بين ناس مصر كان تعادل فريقنا القومى لكرة القدم مع كل من كينيا وجزر القمر، ملايين تهكمت على صفحات التواصل الاجتماعى، ومئات الألوف طالبت بالإطاحة بالمدير الفنى، أما اللاعبون فقد وصلهم من السب والإهانة ما يكفى شعوبًا بأكملها. كانت المعادلة بسيطة، فالتعادل جاء أمام فرق كروية بسيطة، وليس لها لا نصيب فى المسابقات الكبرى، ولا تاريخ من الفوز على فريقنا. كان كل شىء يبدو لصالحنا، ومباراة منهما تجرى على أرضنا، والأخرى كانت على أرض بلاد طيبة تحمل لنا الكثير من الود. لم تكن هناك مشكلات، لا فى ملعب المباراة، ولا فى أحوال الطقس، ولكن الخذلان بدا مؤكدًا،…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

حديث الأسبوع الماضى بين ناس مصر كان تعادل فريقنا القومى لكرة القدم مع كل من كينيا وجزر القمر، ملايين تهكمت على صفحات التواصل الاجتماعى، ومئات الألوف طالبت بالإطاحة بالمدير الفنى، أما اللاعبون فقد وصلهم من السب والإهانة ما يكفى شعوبًا بأكملها. كانت المعادلة بسيطة، فالتعادل جاء أمام فرق كروية بسيطة، وليس لها لا نصيب فى المسابقات الكبرى، ولا تاريخ من الفوز على فريقنا.

كان كل شىء يبدو لصالحنا، ومباراة منهما تجرى على أرضنا، والأخرى كانت على أرض بلاد طيبة تحمل لنا الكثير من الود. لم تكن هناك مشكلات، لا فى ملعب المباراة، ولا فى أحوال الطقس، ولكن الخذلان بدا مؤكدًا، حتى إن التعادل كان فى الواقع نوعًا من الفوز لأن الهزيمة بدت أمام الجماهير حتمية، ولكن ستر الله جاء.

وكما هى العادة فإن الخذلان فيه ما يكفى الملام للجميع، المدربون لأنهم لم يدربوا ولم يضعوا الخطة الملائمة، واللاعبون لأنهم لم يلعبوا وكانت أنفاسهم مقطوعة، واتحاد الكرة لأنه تأخر فى اختيار المدرب ومازال عاجزًا عن وضع المنظومة الرياضية الناجحة، والدولة المصرية لأنها لم تسمح للجماهير بالحضور للمباريات.

الطرف الوحيد الذى نجا من اللوم هو الجماهير نفسها التى تريد دوما عائدا سريعا، وفوزا مستحقا طوال الوقت، وتعصبا دائما للناديين- الأهلى والزمالك- فتقام لهم المباريات وتتوقف خوفا مما تؤول إليه حالة التعصب لحظتها، ولأن كل من فيها يصير لاعبا وحكما ومدربا ومنظما طوال الوقت.

ورغم المشاهدة المستمرة لمباريات كرة القدم فى الدوريات الكبرى فى العالم من الإنجليزى إلى الإسبانى، ومن الألمانى إلى الإيطالى، فإن جمهورنا يرى أن ذلك يجرى فى بلاد أجنبية، وجماهيرها لها خصوصيتها فى النظام والعمل واحترام القانون، أما نحن فلنا قصة أخرى.

كان انتصارنا بكأس إفريقيا لكرة القادم عام ٢٠١٠ علامة من علامات تفوقنا الكروى بعد الفوز الثالث بالكأس على التوالى، وارتفاع مقامنا فى الترتيب الكروى العالمى. ولكن ذلك كان نهاية لفصل من فصول نهضتنا التى ما إن تصل إلى مكانة رفيعة حتى تثور الجماهير عليها، فكانت الثورة على فريق كرة القدم لا تقل عن ثورة يناير فى عنفوانها وآثارها، فتوالى المدربون واحدا وراء الآخر، مصريا وأجنبيا، وخرجنا المرة تلو الأخرى من الأدوار التمهيدية الإفريقية، وجرى حرماننا المعتاد من حضور كأس العالم، حتى جاءنا مدرب من الأرجنتين كان الأكثر صبرا وتحملا وشجاعة فى مصارحة الجماهير أنه يدرب ويضع الخطط حسب قدرات اللاعبين، فكان الفوز فى الأدوار التمهيدية الإفريقية وكان حضور الفريق إلى الجابون، وكان الوصول إلى النهائى، وبعدها كان الوصول إلى كأس العالم بعد ٢٩ سنة من الحرمان.

المدهش أنه بعد المشاركة فى كأس العالم تمت الإطاحة بكوبر، المدرب الأرجنتينى الذى أخذنا إلى هناك، ومعه اتحاد الكرة المنتخب، وبدأنا من أول السطر مرة أخرى بلجنة خماسية لم يكن لديها القدرة على إقناع الدولة بحضور الجماهير، ولا عقد مباراة للأهلى والزمالك فى موعدها، ولا الاعتراف بحاجة الفريق القومى لمدرب فى وقت معقول، وكل ذلك لأن الناس ليسوا جاهزين بعد للقبول بأمور تتناقض فيها مصالح «قطبى» الكرة المصرية، ولا القبول بأقل من عوائد سريعة تأتى فى التو والساعة ويكون فيها الفوز مضمونًا طوال الوقت أو تكون فى البلاد لعنة.

وكما هى العادة فإن هذا المقال ليس فى كرة القدم بقدر ما هو فى أحوالنا التى كثيرا ما يراها أصحاب رأى فينا أن استشارة «الناس» ضرورية فى كل أمور حياتنا، وليس مهمًا أن ناسنا منقسمون بين شيع وجماعات، وأن الأصل فى «الشورى» أن تكون ساحة للتدبير والتفكير، ولا بأس من مباراة بين الحكم والمعارضة. وفى مثل هذه الحالة فإن التوافق على الصبر يكون أحيانا ضروريا، وأن تحقيق التراكم فى الثروة لابد منه، وأن التجارب الناجحة بين الدول تكون عبر زمن من الجهد والعرق والدم والدموع، وأن المستقبل هو جزء من الحاضر الذى يريده الناس زمنًا لتوزيع الثروة فى التو واللحظة، بمساواة بين غير المتساوين فى العلم ولا فى الجهد ولا فى الطاقة. الإطاحة بكوبر كانت بداية ما وصلنا إليه الآن، فالأمر فى كرة القدم مثل أمور كثيرة فى حياتنا، الهزيمة والفشل أحيانا جزء من تراكم الخبرات والنضج فى وضع السياسات، وأسوأ ما نفعله هو أن نبدأ من أول السطر، أو نعود إلى أول الطريق بينما الضوء متدفق فى نهاية النفق.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم” نشر بتاريخ ٢٤ نوفمبر ٢٠١٩.

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب