loader

قصة عن الإرهاب وتركيا.. والطائرة الروسية فى سيناء (1)

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

نهاية الأسبوع الماضى، كشفت وكالة الأنباء الروسية «نوفوستى» نقلاً عن مؤسسة التليفزيون والإذاعة الدنماركية، أن المواطن الدنماركى «باسل حسن» هو المتورط الرئيسى فى تفجير الطائرة الروسية، الذى وقع بسماء شبه جزيرة سيناء عام 2015. خيوط هذا الكشف وصلت إلى الصحفيين الدنماركيين، عبر المعلومات التى وردت بالتحقيق مع المواطن الأسترالى «خالد الخياط»، الذى جرى اعتقاله فى عام 2017، على خلفية تحضيره لهجوم إرهابى فشل فى تنفيذه، استهدف رحلة طيران أقلعت من مطار سيدنى. لم يكن خالد وحده فى هذه العملية؛ بل كان عضواً فى خلية عائلية تضم أشقاءه، اتهمت الشرطة الأسترالية خالد وشقيقاً آخر له هو محمود الخياط من أصول لبنانية،…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

نهاية الأسبوع الماضى، كشفت وكالة الأنباء الروسية «نوفوستى» نقلاً عن مؤسسة التليفزيون والإذاعة الدنماركية، أن المواطن الدنماركى «باسل حسن» هو المتورط الرئيسى فى تفجير الطائرة الروسية، الذى وقع بسماء شبه جزيرة سيناء عام 2015. خيوط هذا الكشف وصلت إلى الصحفيين الدنماركيين، عبر المعلومات التى وردت بالتحقيق مع المواطن الأسترالى «خالد الخياط»، الذى جرى اعتقاله فى عام 2017، على خلفية تحضيره لهجوم إرهابى فشل فى تنفيذه، استهدف رحلة طيران أقلعت من مطار سيدنى. لم يكن خالد وحده فى هذه العملية؛ بل كان عضواً فى خلية عائلية تضم أشقاءه، اتهمت الشرطة الأسترالية خالد وشقيقاً آخر له هو محمود الخياط من أصول لبنانية، بالتخطيط لهجومين إرهابيين، على الطائرة التابعة لشركة «الاتحاد» الإماراتية المتجهة إلى أبوظبى فى يوليو 2017.

تفاصيل كشف العملية وفشلها، أفادت بأن الشقيق الثالث «عامر الخياط» هو الذى كان يحمل العبوة الناسفة، وهناك من رجح فى البداية أن ذلك جرى دون علمه، لكن لاحقاً تمكن وزير الداخلية اللبنانى «نهاد المشنوق» شخصياً، من وضع يده على أسرار تلك الخلية، ومن ثم قام بتمرير المعلومات الأمنية إلى السلطات الأسترالية، فقد كان هناك شقيق رابع «طارق الخياط»، انتقل من لبنان إلى «الرقة» فى سوريا ليتبين فيما بعد أنه أحد القياديين البارزين فى تنظيم «داعش»، هذا القيادى تمكنت شعبة المعلومات اللبنانية من اختراق ورصد اتصالاته مع إخوته الثلاثة، ما بين أستراليا ولبنان والعكس. لينكشف أن هناك عنصراً أسترالياً قام بمساعدة «عامر الخياط» فى المرور من مطار سيدنى، ولاحقاً أن المتفجرات تم تمريرها فى حقيبة يد «هاند باج» متضخمة، تحوى وزناً زائداً كان عبارة عن «ماكينة فرم لحم»، ليتبين بعد ذلك أن المخطط كان أن تحمل حقائب «عامر الخياط» عبوتين متفجرتين، إحداهما مخبأة داخل الماكينة، والأخرى بين طيات «دمية» يحملها بيده أو يضعها فى الحقيبة الكبيرة.

الأشقاء عامر وخالد ومحمود «الخياط»، كانوا موجودين فى مدينة سيدنى ويحملون الجنسية الأسترالية، وتوافرت معلومات عن حضور عامر الخياط بزيارة إلى لبنان فى عطلة عيد الفطر خلال صيف 2017، ولدى وصوله إلى لبنان، وضع تحت المراقبة المكثفة، بعد تأكد الأجهزة الأمنية اللبنانية من تواصله مع شقيقه طارق القيادى فى تنظيم داعش، لاحقاً اعترف عامر بأن شقيقه طارق الموجود فى سوريا، يشغل مرتبة أمير وقائد مجموعة مسلحة فى تنظيم «داعش» داخل مدينة الرقة، وأن من كان يجرى الاتصالات بأخيهم القيادى فى التنظيم، هو الشقيق الآخر خالد الذى استخدم تطبيقات الإنترنت السرية بكفاءة، وأنه أثناء وجوده فى أستراليا أبلغه خالد بأنه تلقى تكليفاً من التنظيم عبر الشقيق طارق، بأن يقنع عامر «بإرضاء الله من خلال تنفيذ عملية انتحارية، على متن طائرة إماراتية خلال عودته من أستراليا إلى لبنان، بحيث يتم تفجير الطائرة بعد إقلاعها بعدة دقائق»، على رحلة طائرة «الاتحاد» المتجهة من سيدنى إلى أبوظبى فى 15 يوليو 2017، جرت وقائع تلك العملية بكاملها، وتمكنت الخلية من تمرير العبوة الموجودة بـ«ماكينة فرم اللحم» صحبة عامر، وعاد خالد من المطار بالعبوة الأخرى بعد تعذر تمريرها بسبب الوزن الزائد، ورغم تأكيد خالد على جودة تجهيز العبوة بساعة توقيت عكسى (Timer)، إلا أن العملية لم تتم لأسباب خارجة عن إرادة المتهمين، وبقى عامر حياً، ليستقل من أبوظبى الطائرة المتجهة إلى بيروت ويجرى هناك القبض عليه بمعرفة السلطات اللبنانية.

على جانب آخر، كان هناك شخص يعيش بالعاصمة كوبنهاجن يدعى «باسل حسن»، رغم أن اسمه الحقيقى «محمد باسل الشيخ»، يبلغ من العمر 29 عاماً، وينحدر من أصول بمنطقة آسيا الوسطى، تخرج فى كلية الهندسة فى كوبنهاجن ويحمل جنسية دانماركية، وضع باسل على قائمة الملاحقين والمطلوبين أمنياً منذ فبراير من العام 2013، على خلفية قيامه بعملية اعتداء «شروع فى قتل» بحق الكاتب الدنماركى «لارس هيديجار». فى 5 فبراير 2013 تنكر باسل فى زى «ساعى بريد»، ليطلق النار من بندقية يمتلكها على الكاتب المعروف بأنه مؤسس «جمعية الصحافة الحرة»، التى دافعت بشكل كبير عن الرسوم المسيئة للنبى محمد عام 2005، لم تصب الطلقة الأولى الكاتب هيديجار، وتعطلت بندقية باسل بعدها عن إمكانية إطلاق المزيد من الطلقات، لكن الحادث كان قد وقع وشاهد كل من هيديجار وباسل الآخر، قبل أن يفر الأخير من مكان الحادث، ومن ثم من الدنمارك بأسرها، فى الوقت الذى بدأت فيه السلطات الأمنية فى تتبع وفحص المعلومات التى يمكن الوصول إليها، عن هذا الشاب وتلك الحادثة التى بدت غامضة وملتبسة كثيراً وقتها.

أخطر ما تمكنت السلطات الأمنية الدنماركية من كشفه عن «باسل حسن»، أنه ظل منهمكاً لفترات طويلة فى دراسة منظومات أمن المطارات المختلفة حول العالم، وتحديداً المطارات المدنية التى تقوم بخدمة النقل الجوى المدنى للركاب والبضائع، حيث توصلت إلى عدد كبير ولافت من الطرود المختلفة، كان يبعث بها للكثير من البلدان، بغرض الوقوف على أوجه القصور والثغرات فى مجال أمن الطيران التى يمكن اختراقها لاحقاً، هذه الدراسة الدقيقة والمعمقة تفترض أن باسل قام بأكثر من تجربة شحن مواد تستخدم فى صناعة المتفجرات، عبر طرود كان يقوم بإرسالها، وهذا يشير بالطبع إلى مجموعة من المسارات الالتفافية التى كان يستخدمها ببراعة، من أجل ضمانة إخفاء شخصيته، وتأمين نفسه من العودة عليه فى حال انكشاف تلك الطرود، هذا جعل السلطات الدنماركية تتيقن أنها تتعامل مع شخص على درجة من التدريب والمهارة، لا يتصور أنه اكتسبها ذاتياً فمن المؤكد أنه خضع لتدريب وتأهيل متقدم، وضعه على هذه المساحة من القدرات والمهام.

أين فر «باسل حسن» بعد كوبنهاجن، ودرجة علاقته بتنظيم «داعش»؟ وأين تركيا فى هذه القضية التى وصلت حتى سماء سيناء؟ الأسبوع القادم بمشيئة الله.

* نقلا عن صحيفة “الوطن”، نشر بتاريخ ١٢ نوفمبر ٢٠١٩.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب