loader

فى انتظار «أرامكو»!

رئيس الهيئة الإستشارية

أعلنت شبكة «عربية» التليفزيونية عن بداية طرح شركة «أرامكو» فى سوق الأوراق المالية السعودية، فى 11 ديسمبر القادم، وكما هى العادة فى مثل هذه الإعلانات، تصاعدت التساؤلات عما إذا كان الخبر هذه المرة حقيقيًا أم أنه سوف ينضم إلى مرات سابقة لم يُقدَّر لها أن تصبح حقيقة. ولكن أيًا كان ما سيحدث، فإن «أرامكو» هى أولًا: درة التاج فى طريق الإصلاح عامة، والإصلاح الاقتصادى خاصة فى المملكة العربية السعودية، نظرًا لقيمتها- 2 تريليون دولار أمريكى- التى تضعها فى قمة الشركات العالمية من ناحية، وأنها كانت من ناحية أخرى على رأس مشروع «رؤية 2030» السعودية، وثانيًا: أن الخبر عنها جاء مشفوعًا…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

أعلنت شبكة «عربية» التليفزيونية عن بداية طرح شركة «أرامكو» فى سوق الأوراق المالية السعودية، فى 11 ديسمبر القادم، وكما هى العادة فى مثل هذه الإعلانات، تصاعدت التساؤلات عما إذا كان الخبر هذه المرة حقيقيًا أم أنه سوف ينضم إلى مرات سابقة لم يُقدَّر لها أن تصبح حقيقة.

ولكن أيًا كان ما سيحدث، فإن «أرامكو» هى أولًا: درة التاج فى طريق الإصلاح عامة، والإصلاح الاقتصادى خاصة فى المملكة العربية السعودية، نظرًا لقيمتها- 2 تريليون دولار أمريكى- التى تضعها فى قمة الشركات العالمية من ناحية، وأنها كانت من ناحية أخرى على رأس مشروع «رؤية 2030» السعودية، وثانيًا: أن الخبر عنها جاء مشفوعًا بجدول زمنى للإعلان عن الطرح، ثم القيمة الأولوية للطرح أو IPO، ووضع الشركة على لائحة السوق، ثم تاريخ التداول فى 20 مليار دولار من الأسهم أو 1% من قيمة الشركة، وثالثًا: أن الأمر فى الإصلاح الاقتصادى لم يعد متعلقًا بالشركة البترولية المهمة وحدها، وإنما هو جزء من عملية اندفاع كبرى تجرى فى المملكة، سواء ما تعلق منها بالمشروعات العملاقة أو «الهارد وير» أو القوانين والقواعد الخاصة بالسوق الحرة أو «السوفت وير»، حيث حققت المملكة المركز الأول عالميًا فى إصلاحات بيئة الأعمال، بين 190 دولة، تسهيلًا لممارسى الأعمال، فى تقرير DOING BUSINESS 2020، ضمن مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، الصادر من البنك الدولى، وحصلت على المرتبة «62»، مُتقدِّمةً بـ«30» مرتبة عن العام الماضى.

طرح «أرامكو» هكذا لن يكون خارج السياق العام لعملية التحديث فى المملكة، والتى تخلق تغيرات جذرية فى الاقتصاد والثقافة، رغم المواجهة الجارية فى اليمن ومع إيران، وفى هذا السياق يأتى رابعًا: أن مضى «أرامكو» فى طريقها المرسوم سوف يكون تحديًا لحالات إجهاضها من قِبَل طهران، التى ضربت مضخاتها ومنشآتها، ولكنها عادت إلى العمل مرة أخرى، وها هى تمضى فى طريقها المرسوم ضمن الرؤية السعودية العامة.

وفى الحقيقة أن طرح «أرامكو» لن يكون مؤشرًا على الحركة الاقتصادية فى المملكة العربية السعودية وحدها، وإنما سوف يكون من ناحية أخرى دافعًا لتيار الإصلاح فى المنطقة كلها. ولعله يكون هاديًا لنا فى مصر على وجه التحديد لأنها ترددت كثيرًا فى التعامل مع الكثير من المؤسسات الاقتصادية العامة، التى لا تزال الدولة فى حالة حيرة كبيرة فيما تفعل بها. صحيح أن الانتهاء من تشكيل «الصندوق السيادى» يضع جزءًا مهمًا من الاقتصاد العام فى مصر- فيما نأمل- على الطريق الصحيح للتعامل مع السوق الحرة، ولكن ذلك هو مجرد خطوة، بينما السعودية تسير فى قفزات كبيرة.

ويظهر ذلك فى مدى التقدم الذى تحقق لمصر فى نفس تقرير ممارسة الأعمال، حيث تقدمت مصر خطوات جعلتها فى المكانة 114، التى هى ترتيب يشجع بعض المستثمرين، ولكنه لا يُسيل لعابهم.

المشكلة الواقعة لدينا هى أننا لا نعدم أبدًا الحديث عن «الوقت المناسب»، الذى تُعكِّره أحيانًا الثورات فى المنطقة، أو الحرب التجارية الأمريكية الصينية، أو حتى طرح «أرامكو» ذاته، الذى يصلح لحجة «جفاف السوق»، نتيجة تكالب انتظار المستثمرين لشراء سهم الشركة، والنتيجة هى استمرار نزيف الخسائر من ناحية، وأن الوقت المناسب لن يكون مناسبًا أبدًا، تمامًا مثل «جودو»، الذى ينتظره الجميع ولكنه لا يأتى.

ليس مقصودًا بالطبع مما سبق التقليل من أهمية الاعتبارات الفنية الخاصة بطرح الاقتصاد العام للاستثمار الخاص بالخصخصة كليًا أو جزئيًا، ولكن ذلك سوف يكون مفهومًا أكثر لو أن خطى الإصلاح الاقتصادى تسير بوتيرة أسرع وأكثر شمولًا لجوانبها الاقتصادية والقانونية.

وما لا يقل أهمية عن ذلك هو استمرار المراقبة والمقارنة لحركة الإصلاح والتقدم الاقتصادى الجارية فى منطقتنا العربية والشرق أوسطية والإفريقية، حيث لا توجد فيها الأمثلة السعودية والأردنية والمغربية والكويتية والإماراتية والإسرائيلية والرواندية والإثيوبية.

هذه النظرة الشاملة ربما تنقل لنا حالة السباق الكبير الذى نعيش فيه، والذى يتعدى حدود الجوار إلى العالم كله. الواضح أننا نعرف ما هو واجب علينا فعله، وأن توجُّهنا فى الإصلاح لا يختلف كثيرًا عن هذه الدول، ولكن مراجعة أمرنا فى تحويل التوجُّه إلى واقع مُقيَّدة بشبكة هائلة من الإجراءات والمراجعات للعقود والتصديقات والانتظار فى طابور طويل للموافقات.

صحيح أن ما حققناه حتى الآن ليس بقليل، والتقارير الدولية الكثيرة التى تنظر فى عملنا تقدم شهادة إيجابية، ولكن الزمن الذى نعيش فيه يجعل كل ذلك ليس كافيًا لمواجهة سباقنا الخاص مع الزيادة السكانية، وسباقنا العام مع الأمم الأخرى.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠١٩.

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب