loader

من تونس لبغداد

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

هل هناك ما يجمع بين الانتخابات التى شهدتها تونس منذ أسابيع قليلة والمظاهرات الشعبية التى بدأت فى توقيت مقارب فى كل من العراق ثم لبنان؟ البعض قد يرفض وجود أى تشابه بين الانتخابات والمظاهرات كأدوات للتعبير عن الإرادة الشعبية، أو يتحدث عن الاختلاف فى الظروف بين دولة فى شمال إفريقيا، وأخرى فى المشرق العربى وثالثة فى منطقة الشام. لكن المدقق فى الأمور قد يجد عناصر مشتركة تفسر نتائج الانتخابات فى تونس، ودوافع المظاهرات فى كل من العراق ولبنان، ويمكن رصد أهمها فيما يلى: العنصر المشترك الأول هو أولوية الاقتصاد، أو بعبارة أخرى أن أحد المفسرات الرئيسية للسلوك الانتخابى للمواطن فى…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

هل هناك ما يجمع بين الانتخابات التى شهدتها تونس منذ أسابيع قليلة والمظاهرات الشعبية التى بدأت فى توقيت مقارب فى كل من العراق ثم لبنان؟ البعض قد يرفض وجود أى تشابه بين الانتخابات والمظاهرات كأدوات للتعبير عن الإرادة الشعبية، أو يتحدث عن الاختلاف فى الظروف بين دولة فى شمال إفريقيا، وأخرى فى المشرق العربى وثالثة فى منطقة الشام. لكن المدقق فى الأمور قد يجد عناصر مشتركة تفسر نتائج الانتخابات فى تونس، ودوافع المظاهرات فى كل من العراق ولبنان، ويمكن رصد أهمها فيما يلى:

العنصر المشترك الأول هو أولوية الاقتصاد، أو بعبارة أخرى أن أحد المفسرات الرئيسية للسلوك الانتخابى للمواطن فى تونس، والسلوك التظاهرى للمواطن فى العراق ولبنان- هو المشاكل الاقتصادية التى تعانيها هذه البلاد، وتأثيرها السلبى على الدخول وفرص العمل وتدنى مستويات الخدمات. وبالتالى تختلف هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات عن سابقتها التى اجتاحت عددًا من الدول العربية عام ٢٠١١، فى أن أولويتها هى الاقتصاد وليس السياسة، وربما تكون السياسة مسؤولة عن تردى الأوضاع الاقتصادية فى تلك البلدان بسبب خشية صناع القرار بها من تحمل ثمن سياسى لإجراءات الإصلاح الاقتصادى الضرورية، وبالتالى تأجيل أو تأخير القرارات المتعلقة بها، مما ساهم فى تفاقم المشاكل بدلًا من حلها.

العنصر المشترك الثانى هو أن السياسة (ولكن بشكل جديد) هى بداية حل المشاكل الاقتصادية. بمعنى أن المواطنين فى تلك البلدان الثلاثة رفعوا مطالب مناهضة للسياسيين التقليديين، والأحزاب القائمة، والنخب الحاكمة رغم أن معظمها جاء بشكل ديمقراطى منتخب، وحملوها مسؤولية الأزمة الاقتصادية، وبالتالى صوّت المواطن فى تونس تصويتًا احتجاجيًا ضد هؤلاء فى انتخابات الرئاسة، ووصل للجولة الثانية للانتخابات مرشحان من خارج نخبة الحكم التقليدية أحدهما رجل أعمال والثانى أستاذ جامعى مستقل، وفاز الأخير (قيس سعيد) بالرئاسة بأغلبية ساحقة. كذلك عكست الشعارات التى تبناها المتظاهرون فى العراق ولبنان رفضهم للنخب السياسية الحاكمة، واتهامها بالفساد، ومطالبتهم بتغييرها كبداية لحل المشاكل الاقتصادية.

أما العنصر المشترك الثالث فيتعلق بدور الشباب فى احتجاجات الشوارع أو صناديق الانتخابات فى تلك البلدان. فما زال الشباب هو الذى يحمل لواء التغيير فى الدول العربية، وهو الأكثر تضررا من المشاكل الاقتصادية ومن سياسات النخب التقليدية، وهو الذى يحدوه الأمل نحو مستقبل أفضل. فمظاهرات العراق كانت شبابية بالأساس، وكان الشباب للأسف هم أكبر ضحاياها بعد اندلاع أعمال العنف هناك. ولا تزال تحمل لنا شاشات التلفاز مشاهد الشباب اللبنانى من الطوائف والفئات المختلفة والذين وحدتهم مطالب الاحتجاج ضد تردى الأوضاع الاقتصادية وفساد النخب السياسية. أما فى تونس فقد أوضحت نتائج انتخابات الرئاسة أن الكتلة التصويتية للشباب هى التى جاءت بقيس سعيد لقصر الرئاسة، وأن رسالته لهم نجحت فى إخراجهم للتصويت له، وتجنب السلبية الانتخابية التى يتسم بها قطاع الشباب فى العديد من البلدان.

ختامًا، فإن احتجاجات صندوق الانتخابات التى شهدتها تونس، واحتجاجات الشارع فى العراق ولبنان، تتطلب من الجميع استخلاص الدروس المستفادة، وأهمها ضرورة إعطاء أولوية للاقتصاد ولتحسين الظروف المعيشية للمواطن، وضرورة التغيير فى النخب السياسية والسماح بظهور نخب جديدة من خارج الأطر التقليدية والمعتادة، وأن الشباب سيظل هو روح الأمة، وطاقتها المتجددة، ومفتاح التغيير والتنمية.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر