loader

هل تتساقط الثمار؟

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

أرسل لى أحد الأصدقاء تقريرا مهما صدر عن صندوق النقد الدولى بعنوان «أسباب ونتائج عدم المساواة فى الدخل: منظور عالمى». التقرير ليس جديدا وصدر فى يونيو 2015، ولكنه ما زال يثير جدلا كبيرا بين الاقتصاديين والساسة فى العديد من دول العالم. قررت العودة لأرشيف الإنترنت لمعرفة ما إذا كان لهذا التقرير أى صدى فى مصر أو العالم العربى، ولكن لم أجد شيئا، وهنا ولدت فكرة هذا المقال. التقرير يتعامل مع النظرية التى لا يزال يرددها بعض الاقتصاديين والسياسيين بمن فى ذلك فى مصر، وتعرف باسم «تساقط الثمار»، وجوهرها أن التركيز فى الاقتصاد على رجال الأعمال والطبقة العليا التى تقوم بالاستثمار…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

أرسل لى أحد الأصدقاء تقريرا مهما صدر عن صندوق النقد الدولى بعنوان «أسباب ونتائج عدم المساواة فى الدخل: منظور عالمى». التقرير ليس جديدا وصدر فى يونيو 2015، ولكنه ما زال يثير جدلا كبيرا بين الاقتصاديين والساسة فى العديد من دول العالم. قررت العودة لأرشيف الإنترنت لمعرفة ما إذا كان لهذا التقرير أى صدى فى مصر أو العالم العربى، ولكن لم أجد شيئا، وهنا ولدت فكرة هذا المقال.

التقرير يتعامل مع النظرية التى لا يزال يرددها بعض الاقتصاديين والسياسيين بمن فى ذلك فى مصر، وتعرف باسم «تساقط الثمار»، وجوهرها أن التركيز فى الاقتصاد على رجال الأعمال والطبقة العليا التى تقوم بالاستثمار سوف يعود بالفائدة على باقى طبقات المجتمع من خلال تساقط الثمار من هذه الطبقة العليا إلى باقى الطبقات. أى أن المكاسب الاقتصادية التى تعود بالفائدة بشكل أساسى على الأثرياء / المستثمرين سوف تتدفق وتتساقط على فقراء المجتمع، فى شكل فرص اقتصادية جديدة ومستويات معيشة أفضل. على سبيل المثال فإن تخفيض الضرائب على الأغنياء والمستثمرين والشركات الكبيرة- لن يؤدى فقط لزيادة دخلهم ولكن يحفز النمو الاقتصادى الواسع لأنهم يخلقون فرصًا لزيادة الرخاء لدى الآخرين، أى أن الازدهار للأغنياء يؤدى إلى الرخاء للجميع، كما كتب أحد المعلقين.

هذه الفكرة استلهمها عدد من الساسة ربما يكون أشهرهم الرئيس الأمريكى السابق ريجان، وتظهر ملامحها فى سياسات الرئيس الحالى ترامب والكثير من الحكومات الأخرى.

تقرير صندوق النقد الدولى الذى أشرت له فى بداية المقال يذكر، وبعد دراسة للعديد من الاقتصادات التى تبنت مثل هذه السياسات، أن الثمار لم تتساقط فى النهاية، أو ليس بالشكل الذى توقعه المؤمنون بهذه النظرية، والمثير للاهتمام أيضا أن هذه النتيجة جاءت فى تقرير لصندوق النقد، الذى تبنى كثيرا من اقتصادييه نظرية تساقط الثمار فى مراحل مختلفة.

تقرير صندوق النقد الدولى، الذى ألفه خمسة خبراء اقتصاديين، أشار الى أن تبنى نظرية تساقط الثمار أدى لزيادة عدم المساواة فى الدخول على مدار العقود القليلة الماضية، أى زيادة عدم العدالة الاجتماعية، والفجوة بين الطبقات.

وأكد التقرير على أهمية مسألة توزيع الدخل بالنسبة للنمو الاقتصادى، وأن زيادة حصة الدخل للأغنياء أدت إلى زيادة الانخفاض فى نمو الناتج المحلى الإجمالى، وليس العكس، مما يشير إلى أن الفوائد أو الثمار لم تتساقط.

كما أكد التقرير أيضا على أهمية التركيز على زيادة دخل الفقراء والطبقة الوسطى، دون أن يعنى ذلك محاربة الأغنياء. وأن رفع مستوى الفقراء له تأثير كبير على النمو الاقتصادى، فزيادة دخول الـ 20% الأقل دخلا فى المجتمع بنسبة 1% أدت لزيادة بنسبة 0.38٪ فى الناتج المحلى الإجمالى. وفى نفس الوقت تؤدى زيادة الدخل بنسبة 1٪ فى أعلى 20٪ إلى انخفاض بنسبة 0.08٪ فى نمو إجمالى الناتج المحلى. ويخلص التقرير الى أن «اتساع عدم المساواة فى الدخل هو التحدى الرئيسى فى عصرنا»، وأن عدم المساواة يكبت النمو الاقتصادى.

ختامًا، لست خبيرا اقتصاديا، ولا أملك القول الفصل فى موضوع المقال، وهى دعوة للآخرين للإدلاء برأيهم فى هذا الأمر، ولكن بالتأكيد هناك مراجعة للعديد من النظريات الاقتصادية التى ذاع صيتها فى العقود الأخيرة، كما أن موضوع العدالة الاجتماعية وتوزيع الدخول يعود للصدارة فى العديد من دول العالم، وهى تطورات تتطلب منا الاهتمام والتفكير والمراجعة.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر