loader

القاعدة والسياسة

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

لا يوجد أى قائد سياسى فى العالم يحظى بالتأييد من كل فئات الشعب، ولكن لكل سياسى ما يسمى بالقاعدة Base، وهى المجموعات أو الفئات التى ترى فيه معبرا عن توجهاتها، وملبيا لمطالبها، وهى التى تتحمس للتصويت له، وتسانده فى أوقات الشدائد. من جانبه فإن السياسى يضع أولوية لمطالب قاعدته، ويبذل كل جهده فى الحفاظ على استمرار تأييدها له، باعتبارها الرصيد المضمون له فى أى حسابات سياسية. المتابع للساحة الأمريكية يجد أن المثال الصارخ على ما سبق هو الرئيس ترامب، والذى تركز سياساته على قاعدته الانتخابية على ما عداها من عموم المواطنين الأمريكيين، فسياساته التجارية الحمائية وسياسات الهجرة تستهدف بشكل أساسى…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

لا يوجد أى قائد سياسى فى العالم يحظى بالتأييد من كل فئات الشعب، ولكن لكل سياسى ما يسمى بالقاعدة Base، وهى المجموعات أو الفئات التى ترى فيه معبرا عن توجهاتها، وملبيا لمطالبها، وهى التى تتحمس للتصويت له، وتسانده فى أوقات الشدائد. من جانبه فإن السياسى يضع أولوية لمطالب قاعدته، ويبذل كل جهده فى الحفاظ على استمرار تأييدها له، باعتبارها الرصيد المضمون له فى أى حسابات سياسية.

المتابع للساحة الأمريكية يجد أن المثال الصارخ على ما سبق هو الرئيس ترامب، والذى تركز سياساته على قاعدته الانتخابية على ما عداها من عموم المواطنين الأمريكيين، فسياساته التجارية الحمائية وسياسات الهجرة تستهدف بشكل أساسى قاعدته من العمال، وخفض الضرائب استهدف قطاع الأعمال، وموقفه المتعلق بحق المواطن فى حمل السلاح، والذى لم يهزه حوادث القتل البشعة التى تعرضت لها الولايات المتحدة، استهدف قطاع من قاعدته الانتخابية يؤمن أن المشكلة فى القاتل وليس السلاح الذى يحمله. هناك أيضا عدد من قضايا السياسية الخارجية المثيرة للجدل والتى تبنى فيها ترامب مواقف قاعدته، ومنها قرار الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الإمريكية إليها بدلا من مقرها السابق فى تل أبيب، والذى كان انعكاسا لتوجهات قاعدته من المسيحيين الأصوليين. ومما لا شك فيه أن بعض القرارات التى انحاز فيها ترامب لقاعدته الانتخابية قد ساهم فى زيادة حد الانقسام فى المجتمع الأمريكى، ولكنه من ناحية أخرى حافظ على مساحة كبيرة من التأييد له. الآن بلور ترامب استراتيجيته لانتخابات الرئاسة القادمة فى نوفمبر ٢٠٢٠، والتى تقوم على مخاطبة قاعدته الانتخابية بمنطق لقد قدمت لكم وعود وقد تحققت هذه الوعود، أما البعد الثانى فى الاستراتيجية فهو العمل على توسيع هذه القاعدة باكتساب أصوات جديدة من خارجها.

ويبقى السؤال عن علاقتنا بهذا الحديث عن القاعدة الشعبية؟ علاقتنا أن النظام السياسى فى مصر والذى تبلور بعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣ قد استند إلى قاعدة ضمت قطاعات كثيرة وفئات اجتماعية وسياسية مختلفة، ولكن ربما كان أهمها وأكبرها هم أبناء الطبقة المتوسطة بدرجاتها المختلفة، والذين رفضوا جماعة الإخوان لأسباب تتعلق بالهوية الوطنية، وتضييق مساحة مشاركتهم السياسية نتيجة لتمكين أعضاء الجماعة، كما وصل أبناء هذه الطبقة المتوسطة لقناعة مبكرة بأن سياسات الإخوان الاقتصادية والاجتماعية لن تحقق توقعاتهم فى هذه المجالات، وبالتالى وضعوا رهانهم على النظام الجديد.

ومما لاشك فيه أن دولة ٣٠ يونيو قد حققت بعض مطالب قاعدتها الشعبية وخاصة ما يتعلق بالأمن والاستقرار، ولكن مما لاشك فيه أيضا أن بعض المطالب والتوقعات لم تتحقق بعد، وأن قوة العلاقة بين الدولة وبعض مكونات القاعدة الشعبية لم تعد كما كانت عليه فى البداية.

ليس هنا مجال الخوض فى أسباب ذلك، ولكن الشىء الجيد هو أن الدولة، وفقا لأحاديث دائرة الآن فى الأوساط الإعلامية، سوف تطلق حزمة جديدة من السياسات التصحيحية والإصلاحية خلال الأيام القادمة، وما يتمناه المرء أن تتطلق هذه الحزمة من تحديد واضح للقاعدة الشعبية، وما هى مطالبها وتوقعاتها، وكيفية استعادة هذه القاعدة، والأمر هنا لا يتعلق فقط بمدى توافر الموارد المالية، ولكنه جهد سياسى يتطلب توافر الرؤية والكوادر بجانب الموارد. والله ولى التوفيق.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٧ أكتوبر ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر