loader

المرشح الطازج

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

يشهد العالم منذ سنوات قليلة ظاهرة سياسية جديدة يمكن أن نطلق عليها ظاهرة المرشح الطازج، بمعنى إقبال الناخبين على التصويت لمرشحين يمثلون وجوهًا جديدة وليست لهم خبرة سياسية طويلة، ولا ينتمون لفكر الأحزاب التقليدية الموجودة على الساحة. هذه الظاهرة كانت واضحة بشكل كبير فى التصويت لدونالد ترامب فى انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، وانتقلت للقارة الأوروبية فى انتخاب الرئيس الفرنسى ماكرون. ويبدو أن هذه الظاهرة وصلت للعالم العربى كما ظهر فى الجولة الأولى للانتخابات التونسية، والتى أفرزت مرشحين جديدين على الساحة السياسية، استطاعا إقصاء كافة مرشحى القوى السياسية التقليدية، ومنها تيار الإسلام السياسى. كما أن انتخاب العديد من الوجوه الجديدة للبرلمان-…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

يشهد العالم منذ سنوات قليلة ظاهرة سياسية جديدة يمكن أن نطلق عليها ظاهرة المرشح الطازج، بمعنى إقبال الناخبين على التصويت لمرشحين يمثلون وجوهًا جديدة وليست لهم خبرة سياسية طويلة، ولا ينتمون لفكر الأحزاب التقليدية الموجودة على الساحة.

هذه الظاهرة كانت واضحة بشكل كبير فى التصويت لدونالد ترامب فى انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، وانتقلت للقارة الأوروبية فى انتخاب الرئيس الفرنسى ماكرون. ويبدو أن هذه الظاهرة وصلت للعالم العربى كما ظهر فى الجولة الأولى للانتخابات التونسية، والتى أفرزت مرشحين جديدين على الساحة السياسية، استطاعا إقصاء كافة مرشحى القوى السياسية التقليدية، ومنها تيار الإسلام السياسى. كما أن انتخاب العديد من الوجوه الجديدة للبرلمان- كما حدث فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى- يمثل جزءًا من هذه الظاهرة.

ولكن لماذا يفضل الناخبون المرشح الطازج؟، الأسباب كثيرة، أولها بحث الناخبين عن أفكار جديدة وغير تقليدية، واعتقادهم أن الخبرة السياسية لدى المرشح لا تمثل ميزة نسبية له، إما لأن الخبرة تعنى أن السياسى قد تحول إلى صاحب مهنة أو سياسى محترف وليس صاحب أفكار ومبادئ، وأن العمل العام لدى السياسيين القدامى أصبح أداة للحفاظ على المزايا التى يتمتعون بها، وتحقيق مصالحهم الخاصة وليس المصالح العامة للناخبين، وأن بقاء المرشح لفترة طويلة فى العمل السياسى يساعد بالتأكيد على زيادة خبرته، ولكن يؤدى أيضا إلى احتمال ارتباطه وبشكل أكبر بدوائر الفساد والحصول على المزايا الشخصية.

… ومن ثم يفضل الناخب المرشح الجديد على القديم، وتصبح الخبرة نقطة ضعف وليست ميزة للمرشح. ومن يتذكر حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية عام ٢٠١٦ يجد أن ترامب ركز على هذه النقطة فى هجومه هيلارى كلينتون، صاحبة الخبرة الطويلة فى العمل السياسى، واتهامها بأن تاريخها ارتبط باستغلال المناصب العامة لتحقيق مصالح شخصية لها ولزوجها الرئيس السابق بيل كلينتون، وصدق الناخب هذه الاتهامات رغم أن بعضها كان مبالغًا فيه.

الناخب يرى أيضا أن السياسى الذى يرتبط بالأحزاب السياسية العريقة هو «سياسى معلب»، بمعنى أنه يظل أسيرًا لأفكار هذه العلبة الحزبية ولا يستطيع الخروج منها، عكس المرشح المستقل الذى يملك المرونة فى تبنى الأفكار وتطويرها، كما أن المرشحين الذين ينتمون لأحزاب جديدة لم تختبر بعد، هم أيضا أفضل لدى الناخبين من المرشحين الذى ينتمون لأحزاب قديمة وتاريخية. وكان فوز الرئيس ماكرون فى الانتخابات الفرنسية الأخيرة تعبيرا عن انتصار المرشح المستقل أو الذى ينتمى لتيار سياسى جديد على مرشحى الأحزاب السياسية التقليدية.

يضاف لذلك أن الأحزاب السياسية فقدت جانبا كبيرا من المزايا التى كانت تتمتع بها فى العملية الانتخابية، خاصة التعريف بالمرشح وتجميع التبرعات وتعبئة الناخبين.

فالمرشح المستقل يستطيع من خلال أدوات التواصل، وخاصة عبر الإنترنت، أن يقوم بهذه الأمور ودون الحاجة للماكينة الحزبية، وأصبحت الفكرة التى يتبناها المرشح أهم من الحزب الذى ينتمى إليه، وقد مثلت حملة ترامب الانتخابية نموذجًا لذلك.

خلاصة ما سبق أن العملية الانتخابية تشهد تغيرات كبيرة فى العديد من دول العالم، وسوف تشهد المزيد من التغيير فى المستقبل، فالعبرة ليست باختيار المرشح الجديد أو الطازج، ولكن بقدرته على تلبية تطلعات الناخبين، وقد تؤدى عدم خبرته إلى فشله فى تحقيق هذه التطلعات، ومن ثم يعود الناخبون مرة أخرى لانتخاب أصحاب الخبرة.

* نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر