loader

البحث عن تريليون دولار

رئيس الهيئة الإستشارية

فى حديثه، ساعة افتتاح مجمع الفوسفات فى منطقة العين السخنة، ذكر السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى أن بلدًا مثل مصر يوجد فيه ١٠٠ مليون نسمة، يحتاج تريليون دولار؛ وفيما فهمت كل عام وليس لعام واحد، لحل جميع مشاكله وقضاياه. تابعت بعد ذلك، ما استطعت، التغطية الإعلامية للخطاب والافتتاح، ولكننى لم أستمع لمعلق على هذا الأمر. كانت هناك فرحة- ولا شك- لخروج المشروع إلى النور وما كان فيه من رد بليغ على من يقولون إن النهضة الراهنة «عقارية»؛ ولا تحتفل بما هو مهم «الصناعة» وكل ما هو منتج، فلم يكن هناك مجمع صناعى فقط، وإنما إشارة إلى أن الملفات المختلفة للتقدم يأتى…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

فى حديثه، ساعة افتتاح مجمع الفوسفات فى منطقة العين السخنة، ذكر السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى أن بلدًا مثل مصر يوجد فيه ١٠٠ مليون نسمة، يحتاج تريليون دولار؛ وفيما فهمت كل عام وليس لعام واحد، لحل جميع مشاكله وقضاياه. تابعت بعد ذلك، ما استطعت، التغطية الإعلامية للخطاب والافتتاح، ولكننى لم أستمع لمعلق على هذا الأمر.

كانت هناك فرحة- ولا شك- لخروج المشروع إلى النور وما كان فيه من رد بليغ على من يقولون إن النهضة الراهنة «عقارية»؛ ولا تحتفل بما هو مهم «الصناعة» وكل ما هو منتج، فلم يكن هناك مجمع صناعى فقط، وإنما إشارة إلى أن الملفات المختلفة للتقدم يأتى كل منها فى وقتها. ولكن أحدا لم يبدأ رحلة البحث عن التريليون دولار والتى أظنها- رغم صعوبتها الشديدة- ليست مستحيلة. والمؤكد أن مصر ستحتاج لبناء مستقبلها أموالا طائلة.

والملاحظة الأولية هنا أن الكاتب ليس عالما اقتصاديا، وما درسته فى الجامعة من الاقتصاد لم يكن كافيا، ولكن ما أعرفه هو أن توافر طموح كاف، ومعرفة كافية بالجغرافيا المصرية، والأصول التاريخية والثقافية فيها ما يكفى لكى تكون بلدا متقدما؛ فهل تكلفة ذلك تريليون دولار سنويا أم أقل أم يزيد؟ فهذه يعرفها المتخصصون وأصحاب المعرفة. والمرجح أن المسألة من الجدية والخطورة، بحيث لا يمكن تركها للمتخصصين وحدهم، فهى تحتاج الجمع المصرى كله مفكرا وعاملا ومنتجا ومستكشف.

هناك أمور نعرف أنها ضرورية، وملفاتها مفتوحة مثل دمج الاقتصاد غير الرسمى فى ذلك الرسمى، والمحليات وحكمها المحلى الذى سوف يحولها إلى وحدات إنتاجية يبحث عنها المستثمرون، وهناك قوائم المشروعات الواردة فى «رؤية مصر ٢٠٣٠»، ووردت مؤخرا أخبار مبشرة عن مشروع «المثلث الذهبى».

هل يحقق ذلك كله تريليون دولار إضافية لمصر؟

مرة أخرى معرفتى بالحساب لا تصل إلى هذه المرحلة من الأرقام، ولكننا نعلم أن الناتج المحلى الإجمالى لمصر مقوما بالقدرة الشرائية للدولار هو تريليون وأربعمائة مليار دولار؛ وإذا أخذنا بنصيحة الدكتور محمود محيى الدين بعدم الاعتماد على هذا المقياس للناتج المحلى الإجمالى لأسباب علمية يراها، فإننا لا يمكننا تجاهل أن شركة أبل كانت الأولى فى العالم التى بلغت قيمتها السوقية تريليون دولار، ولم تكن هى الأخيرة التى أحرزت هذا السبق.

ما تقدمه لنا هذه المعلومات عن الشركات التريليونية أو التى تقترب من هذا الرقم يعبر عن قفزات كبيرة فى التكنولوجيا أزاحت من أمامها شركات صناعة السيارات والنفط والغاز فى ترتيب الشركات الأكثر غنى فى العالم.

نحن نحتاج هذه الشركات فى مصر، ليس للتوزيع والاستهلاك أو القدوم السياحى، وإنما لإنشاء معامل البحث والتطوير والإنتاج. منذ دستة سنوات فقط، وقف «ستيف جوبز» يعلن عن «الآى فون» ومعها جاء «فيسبوك» و«تويتر» وجوجل والكتاب الإلكترونى فى «كندل» وظهرت «نتفليكس» وبات مستقرا أن السرعات الممكنة فى الموصلات تتضاعف كل فترة قصيرة حتى وصلنا إلى G5 سوف تأخذ البشرية قفزات كبرى تجعل من التريليون دولار مبلغا ممكنا إذا ما استفدنا من هذه التكنولوجيات بالطبع.

المسألة- كما قرأت عنها مؤخرا- هى على الوجه التالى:

إن الطفل الذى يولد اليوم سوف تكون سنه ٣١ سنة فى عام ٢٠٥٠، حيث يكون شبابه فى عالم غير الذى نعرفه اليوم أكثر معرفة وغنى، بالطبع ما لم يتم تدمير الكرة الأرضية بسبب الاحتباس الحرارى أو حرب نووية. هذا الطفل ذاته سوف تكون سنه ٨١ سنة فى عام ٢١٠٠، ولكنه سوف يكون إنسانا شابا فى منتصف العمر على الأرجح ومشاركا فى الحياة الاقتصادية والفكرية للمجتمع بفعل التطور فى مقاومة الأمراض وزراعة الأعضاء وغيرها من المبتكرات.

الوصول إلى التريليون دولار ليس مستحيلا وأكثر من ذلك ممكن، إذا ما جرى التزاوج بين التكنولوجيا والإمكانات المصرية والتى يمكن مضاعفتها.

قبل عشر سنوات تماما، شرفت بإدارة الأهرام- أهم وأعرق الصحف المصرية، وكانت أول زيارة لى خارج مكتبى إلى الكابتن حسن حمدى- أطال الله عمره وأعطاه الصحة والعافية- مدير عام الإعلانات فى الأهرام؛ وطلبت منه أن تحقق الإعلانات خمس مليارات جنيه (وقتها كانت تحقق مليارا ونصفًا)، ابتسم وقتها غير مصدق، وبعد ستة أشهر تقريبا، وفى زيارة إعلانات الأهرام فى الإسكندرية، قال سوف نحقق خمسة مليارات جنيه خلال السنوات الثلاث المقبلة.

للأسف! لم نحقق الهدف، لأن الثورة قامت، ولكن الإرادة المصرية قادرة على تحقيق التريليون دولار.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ١٨ أغسطس ٢٠١٩.

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب