loader

مراجعات ديمقراطية

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مما لاشك فيه أن العالم يمر الآن بمرحلة انتقالية، وبحالة سيولة شديدة، أحد ملامحها الأساسية هو تقييم ومراجعة الأسس التى تقوم عليها النظم السياسية والعلاقات الدولية، والتى ظلت راسخة لسنوات طويلة. وفى هذا الإطار تضمن العدد قبل الأخيرة من مجلة الايكونوميست البريطانية الشهيرة مقالا مهما يستحق العرض والتعليق، المقال والذى يعد أقرب إلى دراسة علمية جاء تحت عنوان الديمقراطيات غير قابلة للحكم، وتناول مراجعة لحالة النظم الديمقراطية المعاصرة من خلال التركيز على مجموعة من التحديات التى تواجهها، وتجعل المشهد السياسى فى عدد كبير منها يتسم بقدر متزايد من الفوضى والاضطرابات. أحد هذه التحديات التى يشير إليها المقال هو صعوبة تشكيل…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مما لاشك فيه أن العالم يمر الآن بمرحلة انتقالية، وبحالة سيولة شديدة، أحد ملامحها الأساسية هو تقييم ومراجعة الأسس التى تقوم عليها النظم السياسية والعلاقات الدولية، والتى ظلت راسخة لسنوات طويلة. وفى هذا الإطار تضمن العدد قبل الأخيرة من مجلة الايكونوميست البريطانية الشهيرة مقالا مهما يستحق العرض والتعليق، المقال والذى يعد أقرب إلى دراسة علمية جاء تحت عنوان الديمقراطيات غير قابلة للحكم، وتناول مراجعة لحالة النظم الديمقراطية المعاصرة من خلال التركيز على مجموعة من التحديات التى تواجهها، وتجعل المشهد السياسى فى عدد كبير منها يتسم بقدر متزايد من الفوضى والاضطرابات.

أحد هذه التحديات التى يشير إليها المقال هو صعوبة تشكيل حكومة ثابتة ومستقرة فى العديد من الدول الديمقراطية بعد إجراء الانتخابات بها والتى تعبر عن إرادة المواطن. على سبيل المثال أجرت إسبانيا ثلاث انتخابات منذ نهاية عام ٢٠١٥ وقد تتم الدعوة إلى انتخابات رابعة بعد الفشل فى التفاوض على ائتلاف جديد. وفى بريطانيا، جرت انتخابات مبكرة عام ٢٠١٧، وفى ثمانية من دول الاتحاد الأوروبى تم إجراء انتخابات قبل نهاية الفترة البرلمانية العادية، واستمرت السويد أربعة أشهر لتشكيل ائتلاف حكومى، واستغرق الأمر ثمانية أشهر فى جمهورية التشيك عام ٢٠١٨، بالإضافة للرقم القياسى البالغ ٥٣٥ يوما الذى تحملته بلجيكا بدون حكومة.

التحدى الثانى هو فشل عدد من الحكومات الديمقراطية فى تبنى الأجندة التى وعدت بها الناخبين، وتمرير القوانين الأساسية التى تعتمد عليها عمليات الدولة، على سبيل المثال لم تستطع إسبانيا الموافقة على ميزانية هذا العام، وتعرضت الحكومة البريطانية لهزيمة متكررة ثلاث مرات فى مجلس العموم بشأن اتفاق البريكست. وفى الولايات المتحدة تخلى كل من الجمهوريين والديمقراطيين عن إقرار التشريعات إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٢٠، وتم إغلاق الحكومة للفشل فى إقرار الموازنة.

كذلك شهدت السنوات الأخيرة عودة المظاهرات الجماهيرية الضخمة إلى شوارع العديد من الدول الديمقراطية، وهى تعبير عن فقدان الثقة فى البرلمانات والمفترض قيامها بالتعبير عن إرادة المواطن دون الحاجة للتظاهر فى الشارع. وربما كان أهم هذه التظاهرات هو ما قامت به حركة السترات الصفراء فى فرنسا، وكانت هناك مظاهرات ضخمة أيضا فى بريطانيا والتشيك وإسبانيا والمجر وسلوفاكيا. هناك أيضا التحدى المتعلق بتراجع دور الأحزاب السياسية، وخاصة الأحزاب الأوروبية الكبيرة، وتراجع عضويتها، ويشير المقال إلى أنه فى عام ١٩٦٠ كان ١٥٪ من الناخبين فى أوروبا الغربية ينتمون إلى حزب، أما الآن فالنسبة هى أقل من ٥٪، وذات يوم كانا الحزبان الكبيران فى بريطانيا (المحافظون والعمال) يمثلان أكبر المنظمات المدنية بالبلاد، والآن أصبحت عضويتهما مجتمعة أقل من عضوية الجمعية الملكية لحماية الطيور. وفى كل مكان، تجد الأحزاب صعوبة فى تجنيد الأعضاء والاحتفاظ بهم وتعبئة الناخبين. التحديات السابقة توضح أن العديد من النظم الديمقراطية تواجه أزمة داخلية تجعلها وكما أشار عنوان مقال الايكونوميست غير قادرة على الحكم، بمعنى إدارة شئون البلاد وتنفيذ المشاريع الإصلاحية الكبرى. هذه التحديات لا تعنى بالضرورة أن النظم الشمولية والسلطوية تمثل بديلا أفضل للحكم، ولكنها تشير إلى أن النموذج الديمقراطى كما عرفه العالم فى العقود الماضية يحتاج تطويرا فى آلياته كى يكون أكثر تعبيرا عن الإرادة الشعبية، وأكثر قدرة على الحكم والإنجاز.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ١٢ أغسطس ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية