loader

كشف صحفى يفجر أسراراً جديدة حول النكبة (3)

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى التحقيق الاستقصائى الذى نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، تناولنا بالمقالين السابقين بعضاً مما جاء فيه الخاص بوقائع «النكبة». وهو يخص أحداث العام 1948، التى كان فعلها الأبرز هو تهجير و«اقتلاع» السكان الفلسطينيين الأصليين من قراهم ومدنهم الرئيسية، التى كان معظمها يقع فى ربوع الضفة الغربية. ومع استغراق الطاقم الصحفى فى البحث بتلك الوقائع، وأثناء إزاحة الستار عنها، لا يجوز القول بأنهم تفاجأوا أو نحن من أصابه الدهشة على الأقل، ولكن هذا ما جرى بالفعل، عندما ظهر دور «ممنهج» لـ«جهاز مالماب» (الإدارة الأمنية السرية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية) فى الاستحواذ وحجب جميع وثائق تلك المرحلة. وهنا نحن نتحدث عن الوثائق الإسرائيلية…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

فى التحقيق الاستقصائى الذى نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، تناولنا بالمقالين السابقين بعضاً مما جاء فيه الخاص بوقائع «النكبة». وهو يخص أحداث العام 1948، التى كان فعلها الأبرز هو تهجير و«اقتلاع» السكان الفلسطينيين الأصليين من قراهم ومدنهم الرئيسية، التى كان معظمها يقع فى ربوع الضفة الغربية.

ومع استغراق الطاقم الصحفى فى البحث بتلك الوقائع، وأثناء إزاحة الستار عنها، لا يجوز القول بأنهم تفاجأوا أو نحن من أصابه الدهشة على الأقل، ولكن هذا ما جرى بالفعل، عندما ظهر دور «ممنهج» لـ«جهاز مالماب» (الإدارة الأمنية السرية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية) فى الاستحواذ وحجب جميع وثائق تلك المرحلة.

وهنا نحن نتحدث عن الوثائق الإسرائيلية التى يُفترض أنها كُتبت بلهجة مخففة، أو عابرة لوقائع بها قدر أعمق من الانتهاك الإنسانى والتاريخى لحقوق الشعب الفلسطينى، صاحب الأرض والمتمتع حينها بالسيادة المستقرة، رغم كونه فى تلك الحقبة، وما قبلها، خاضعاً للحماية البريطانية، التى سهلت دون شك وقوع تلك الكارثة.

جاء بالتحقيق المشار إليه، تحت عنوان «مجموعة من المتفجرات»، ملخص لسلسلة من المقابلات أجراها «مركز إسحاق رابين» فى مستهل هذا القرن، مع شخصيات عامة وعسكرية سابقة فى إطار مشروع لتوثيق أنشطتهم فيما سمته «خدمة الدولة».

لكن إدارة الأمن السرية (مالماب) صادرت هذه المقابلات أيضاً، فيما قارنت «هآرتس» النصوص الأصلية لتلك المقابلات التى استطاعت الحصول على الكثير منها بالنصوص المتاحة حالياً، بعدما صنفت أجزاء كبيرة منها على أنها وثائق سرية.

من بين تلك المقابلات جاءت شهادة العميد المتقاعد «آريه شاليف»، الذى كشف الحجاب عن تفاصيل ترحيل السكان من قرية «صبرا» إلى خارج حدود فلسطين، وقد حذف الجزء الذى تمكن التحقيق من الوصول إليه، والذى فيه يذكر نصاً أنه: «حدثت مشكلة خطيرة للغاية فى القرية، فقد أراد لاجئون العودة إلى قراهم فى (منطقة المثلث) وهى تجمع مدن وقرى عربية شرق إسرائيل، لكننا طردناهم، وقد قابلتهم لإقناعهم بعدم العودة.

ولدىّ وثائق حول هذه الواقعة».

وهناك جزء آخر محجوب بمعرفة (مالماب)، يخص مقابلة أجراها المؤرخ «بوعز ليفتوف» مع «اللواء المتقاعد إلعاد بيليد»، وفيها يسأل «ليفتوف» الأخير قائلاً: هل نتحدث عن جميع السكان، بما فى ذلك النساء والأطفال؟ فيجيب «بيليد»: نعم الجميع، الجميع.

ويضيف: «إن المسألة فى غاية البساطة، فالحرب بين شعبين، على أى منهما الخروج من بيوتهم».

لكن «إلعاد بيليد» لا يقف عند حد تلك البساطة، التى يتحدث عنها. بل يأخذ مستمعه إلى أمور أكثر تقدماً، فيقول: «وقتها لم تكن الجيوش تكونت بعد، بل مجرد عصابات.

فى الحقيقة كنا نحن أيضاً عصابات، لذلك إما أن تكون تلك بيوتنا أو تظل بيوتهم».

ويذكر على لسانه: «دعنى أخبرك أمراً بغيضاً وقاسياً، حول الغارة الكبيرة التى وقعت فى (قرية سعسع) وهى قرية فلسطينية تقع بالجليل الأعلى.

حيث كان الهدف الفعلى هو ردعهم، وإخبارهم أن (البلماخ)، وهى سرايا الصاعقة التابعة لمنظمة «الهاجاناه الصهيونية»، تستطيع الوصول لأى مكان، فلستم محصنين.

كان هذا المكان هو قلب القرى العربية.

لكن ماذا فعلنا؟ فجرت فصيلتى 20 بيتاً بكل ما فيها». ويضيف «بيليد» فى شهادته: «بينما كان الناس نياماً على ما أظن، ما حدث هو أننا وصلنا للمكان، ودخلنا القرية وزرعنا قنبلة بجوار كل بيت، ثم نفخ (حومش) فى بوق، إذ لم يكن لدينا أجهزة لاسلكى، وكانت تلك هى الإشارة المتفق عليها للرحيل بين قواتنا.

كنا نجرى للخلف، وبقى المهندسون العسكريون، حيث كانوا يفجرون القنابل يدوياً، كانت العملية كلها بدائية. كانوا يشعلون الفتيل أو يسحبون كبسولة التفجير ثم تختفى كل تلك البيوت».

وجاء التحقيق ليؤكد تلك الشهادة التى تخص الواقعة الصادمة، بأخرى على لسان «اللواء أبراهام تامير» الذى عمل تحت قيادة «اللواء تسفى تسور»، رئيس أركان الجيش الإسرائيلى فيما بعد، حيث يذكر «تامير» أنه كان مسئولاً عن أعمال الوحدات وسير العمليات، فى الوقت الذى حدث فيه تطوران ناجمان عن رئيس الوزراء «ديفيد بن جوريون».

كان أحدهما عندما وصلت تقارير حول مسيرات اللاجئين من الأردن صوب القرى المهجورة فى فلسطين، ومن ثم نصت سياسة بن جوريون على ضرورة هدم تلك القرى، حتى لا يتبقى لأولئك المهاجرين مكان ليعودوا إليه. ويعنى هذا هدم جميع القرى العربية أو معظمها، والتى كان جزء كبير منها يقع ضمن المنطقة المشمولة تحت القيادة المركزية.

وهو يفسر ذلك بالقول: «أقصد البيوت التى لم يكن سكنها إسرائيليون بعد.

كانت لدينا قرى استقر فيها إسرائيليون بالفعل مثل (زكريا) وغيرها.

لكن معظم القرى كانت حينها لا تزال مهجورة. وكان من الضرورى ألا يوجد مكان يعودون إليه، لذا جمعت كتائب المهندسين فى القيادة المركزية، وخلال 48 ساعة سويت كل تلك القرى بالأرض، ولم يكن هناك مكان ليعودوا إليه».

يذكر التحقيق الاستقصائى المثير أن أحد الملفات المغلقة يتناول ما كانت تقوم به الحكومة العسكرية التى تحكمت فى حياة المواطنين العرب فى إسرائيل بين عامى 1948 و1966، حيث ظلت الوثائق مخزنة فى القبو (الأرشيف) لأعوام، ولم يتمكن الباحثون من الوصول إليها. لكن راهناً، وإثر طلب من البروفيسور «غادى الغازى»، المؤرخ فى جامعة تل أبيب، بالاطلاع على أحد الملفات، فحص «دودو أميتاى»، رئيس أرشيفات إسرائيل، الملف بنفسه، ورأى أنه لا سبب يمنعهم من إعادة الملف للأرشيف وإتاحته للجميع، بغض النظر عن رأى عناصر «جهاز مالماب».

ووفقاً لما ذكره «الغازى» للمحققين الاستقصائيين، فإن هناك أسباباً قد تكون وراء قرار (مالماب) فى الإبقاء عليه سرياً، أحدها له علاقة بملحق سرى لتقرير من اللجنة التى فحصت ما قامت به الحكومة العسكرية، يتناول التقرير بشكل شبه كامل معارك ملكية الأراضى بين الدولة والمواطنين العرب، وهذا مما يعد من المحرمات الإسرائيلية.

*نقلا عن صحيفة “الوطن” نشر بتاريخ ١٢ أغسطس ٢٠١٩.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب