loader

بلد شهادات أم مهارات؟

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

بدأ أكثر من أربعمائة ألف طالب من الناجحين فى الثانوية العامة التقدم لمكتب التنسيق أملا فى الالتحاق بإحدى الجامعات أو المعاهد العليا، وبهدف الحصول على شهادة بعد عدة سنوات، تساهم فى تعريف الذات وبناء أحلام المستقبل. هذه الظاهرة السنوية تذكرنى دائما بالعبارة التى كان يرددها الفنان عادل إمام فى مسرحية أنا وهو وهى «دى بلد بتاعت شهادات صحيح». القليل من هؤلاء الطلاب وأولياء أمورهم والمسؤولون عن مؤسسات التعليم هو من يفكر فى قيمة هذه الشهادة الجامعية بعد التخرج، وإلى أى مدى يمكن أن تؤتى بثمار فى سوق العمل. العديد من الدراسات الحديثة توضح أن الالتحاق بالجامعات فى تراجع فى العديد…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

بدأ أكثر من أربعمائة ألف طالب من الناجحين فى الثانوية العامة التقدم لمكتب التنسيق أملا فى الالتحاق بإحدى الجامعات أو المعاهد العليا، وبهدف الحصول على شهادة بعد عدة سنوات، تساهم فى تعريف الذات وبناء أحلام المستقبل. هذه الظاهرة السنوية تذكرنى دائما بالعبارة التى كان يرددها الفنان عادل إمام فى مسرحية أنا وهو وهى «دى بلد بتاعت شهادات صحيح».

القليل من هؤلاء الطلاب وأولياء أمورهم والمسؤولون عن مؤسسات التعليم هو من يفكر فى قيمة هذه الشهادة الجامعية بعد التخرج، وإلى أى مدى يمكن أن تؤتى بثمار فى سوق العمل.

العديد من الدراسات الحديثة توضح أن الالتحاق بالجامعات فى تراجع فى العديد من الدول المتقدمة، وأن مستقبل سوق العمل أصبح يرتبط بدرجة أقل بالشهادات أو الدرجات العلمية، وبدرجة أكبر بالمهارات، وأحد استطلاعات الرأى التى أجريت فى العام الماضى فى الولايات المتحدة على عينة كبيرة من الحاصلين على شهادات لمدة أربع سنوات، أكد فيها ٩٣٪ من العينة أن التدريب على المهارات كان أكثر فائدة من شهادتهم.

كما أصبح الحصول على وظيفة فى العديد من الشركات الكبرى مثل آى بى إم، وأبل، وجوجل، لا يتطلب دائما الحصول على شهادة جامعية، وكما يقول جينى روميتى، الرئيس التنفيذى لشركة آى بى إم، ‏ فإن الأمر الأكثر أهمية هو المهارات ذات الصلة بالوظيفة، وترفع بعض الشركات شعار «لا يهم كيف اكتسبت مهاراتك، المهم إجادتك لها»، وإذا كانت الشركة تبحث عن صاحب كفاءة أو مهارة معينة «لا يهم ما إذا كان قادما من مدرسة ثانوية أو من برنامج للدكتوراة».

هذه الظاهرة الجديدة لا تتعلق فقط بأن الكثير مما يدرس فى الكليات المختلفة ليست له علاقة بالوظائف الحقيقية فى سوق العمل، أو لا يساهم بشكل حقيقى فى الكفاءة المهنية، ولكن أيضا لأن التقدم التكنولوجى والتغيير السريع فى عالمنا المعاصر جعل المعرفة غير ثابتة، وأصبحت المعلومات التى يحصل عليها الطالب أثناء دراسته الجامعية عديمة القيمة بعد سنوات قليلة، والمهارات التى اكتسبها قديمة، سواء كان ذلك فى مجال العلوم الإنسانية أو التطبيقية، وجعل من الضرورى استمرار عملية التعليم، وتطوير المهارات وإعادة صقلها أكثر من مرة بعد انتهاء مرحلة التعليم الجامعى.

التحديات السابقة تتطلب تغيير النموذج التعليمى فى العديد من الدول، ومنها مصر، وتفرض على المؤسسات التعليمية ضرورة الاهتمام بثلاثة عناصر. الأول هو قيام الكليات والمعاهد العليا بمراجعة مناهجها، وضرورة دمج مكون المهارات فى الشهادات التعليمية القائمة خاصة فى العلوم الاجتماعية وبحيث يكتسب الطالب مهارات مثل التفكير العقلانى وتوصيف وحل المشكلات، والقدرة على التكيف والتواصل، بالإضافة للمهارات الفنية المرتبطة بالتخصص الدراسى. والعنصر الثانى هو توفير فرص للتعليم غير التقليدى الذى يركز على مهارات معينة فى دورات متخصصة، قصيرة أو طويلة، سواء من خلال مؤسسات التعليم القائمة أو من خلال الإنترنت والتعليم الإلكترونى، وبحيث تتيح التدريب على المهارات الحقيقية التى تحتاجها سوق العمل. أما العنصر الثالث فهو توفير الفرص للتعليم المستمر وصقل المهارات طوال الحياة، خاصة فى مجالات العلوم التطبيقية مثل الطب والهندسة.

باختصار دمج المهارات فى الشهادات، أو التركيز عليها بشكل منفرد، وتبنى عقلية التعليم الدائم والمستمر هى التى سوف تحدد فرص التقدم للأفراد والأمم.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢٢ يوليو ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر