loader

ماذا لو لم يقم المصريون بثورة يونيو 2013؟

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية

رغم مرور ست سنوات على ثورة يونيو 2013، لكن يظل سؤال: ماذا لو لم تقم الثورة؟ سؤالًا مهمًّا، وهو ليس سؤالًا محليًّا يخص المصريين فقط، بقدر ما يخص منطقة الشرق الأوسط، بل ولا نبالغ إن قلنا إنه يخص المجتمع الدولي والقوى الكبرى أيضًا القائمة على إدارة وتحديد التوجهات الأساسية للسياسات الدولية. ذلك أن ثورة يونيو لم تكن ثورة على “نظام سياسي” أو جماعة سياسية عادية بقدر ما كانت ثورة على “مشروع سياسي” يتجاوز حدود الدولة المصرية، ليطال مفهوم “الدولة الوطنية” أو “الدولة القومية” -وفقًا للتعبير الأكثر شيوعًا- الذي لا يزال يمثل الوحدة المركزية التي يقوم عليها النظام العالمي رغم صعود…

محمد فايز فرحات
رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية

رغم مرور ست سنوات على ثورة يونيو 2013، لكن يظل سؤال: ماذا لو لم تقم الثورة؟ سؤالًا مهمًّا، وهو ليس سؤالًا محليًّا يخص المصريين فقط، بقدر ما يخص منطقة الشرق الأوسط، بل ولا نبالغ إن قلنا إنه يخص المجتمع الدولي والقوى الكبرى أيضًا القائمة على إدارة وتحديد التوجهات الأساسية للسياسات الدولية. ذلك أن ثورة يونيو لم تكن ثورة على “نظام سياسي” أو جماعة سياسية عادية بقدر ما كانت ثورة على “مشروع سياسي” يتجاوز حدود الدولة المصرية، ليطال مفهوم “الدولة الوطنية” أو “الدولة القومية” -وفقًا للتعبير الأكثر شيوعًا- الذي لا يزال يمثل الوحدة المركزية التي يقوم عليها النظام العالمي رغم صعود أنماط أخرى من الفاعلين الدوليين. 

وكما أن سؤال: ماذا لو لم يقم المصريون بثورة يونيو؟ ليس سؤالًا مصريًّا محليًّا، فإنه ليس أيضا سؤالًا افتراضيًّا “تخيليًّا”، وذلك بالنظر إلى ما شهدناه من تجليات واضحة على مستوى السياسات المحلية المصرية والخارجية لحكم جماعة جماعة “الإخوان” خلال الفترة من يناير 2012 (تاريخ الهيمنة على البرلمان المصري) وحتى 3 يوليو 2013 (تاريخ إزاحة “مرسي” وجماعته كأول نتيجة مهمة من نتائج الثورة). 

تحولات وتهديدات عديدة كان من المتوقع تكريسها في حالة استمرار نظام “مرسي” وجماعته، أو في حالة فشل ثورة يونيو. لكن -في تقديري- التهديد الأخطر كان يتمثل في إعادة فرز وتصنيف المواطنين في مصر على مرحلتين أساسيتين.

المرحلة الأولى، هي مرحلة الفرز على أساس الانتماء إلى الإسلام من عدمه. وينصرف الانتماء إلى الإسلام هنا إلى الإيمان بالمذهب السني تحديدًا. بهذا المعنى، يصبح هناك مسلمون سنة، وآخرون نصارى، ومسلمون غير سنة (شيعة). هذا التصنيف ليس تصنيفًا دينيًّا فحسب، ولكنه يرتب أيضًا اختلافا في طبيعة الحقوق السياسية، استنادًا إلى العديد من المدارس والفتاوى الفقهية التاريخية التي جعلت من “الإسلام” شرطًا أساسيًّا للولاية (المنصب العام). والولاية هنا لا تنصرف إلى “الولاية العامة” (الرئاسة أو الخلافة وفقًا للمفهوم التاريخي المفضل لدى التيارات الإسلاموية)، ولكنها تتسع لتجب كل الولايات (المواقع العامة). بهذا المعنى لا يصبح الإسلام شرطا لتولي منصب رئيس حكومة أو حتى “رئيس حي” أو “رئيس مجلس محلي” لكنه كان من الممكن أن يصل الأمر إلى درجة حظر تولي غير المسلم لموقع “مدير مدرسة”، وذلك باعتبار أن المدرسة -وفقًا للتحليل والفهم الإسلاموي- من المؤسسات المهمة “المسئولة عن تربية النشء المسلم”، ومن ثم شرطا لبناء المجتمع المسلم!!

المرحلة الثانية، وهي الأخطر، هي إعادة فرز المسلمين (السنة) على أساس درجة الإيمان، إذ لا يكفي أن يكون المرء مسلمًا للتمتع بقائمة الحقوق السياسية الكاملة، لكن درجة الإيمان أو النقاء الديني لا تقل أهمية هي الأخرى بالنسبة لهؤلاء. وكان هذا الفرز قد بدأ في التجسيد على الأرض بالفعل، بدءًا من تخلي الجماعة عن مبدأ “المشاركة” والانحياز الواضح لمبدأ “المغالبة”، وانتهاء بانحياز الجماعة إلى التحالف مع التنظيمات الدينية الإسلاموية الأخرى، بما فيها تنظيمات السلفية، والسلفية الجهادية (الجماعة الإسلامية، والجهاد مثالين مهمين). 

لقد أصرت جماعة “الإخوان” على تمييز نفسها داخل الخريطة الفكرية لتنظيمات الإسلام السياسي طوال العقود السابقة على وصولها إلى السلطة، من خلال تقديم نفسها على أنها تنتمي إلى فئة جماعات الإسلام السياسي ذات الطابع الاجتماعي أكثر منها جماعة “دينية”. وكان من المنطقي -في حالة افتراض صحة هذا التصنيف- اتجاه “الجماعة” عقب وصولها إلى السلطة إلى العمل المشترك -بدرجاته المختلفة بدءًا من التنسيق السياسي إلى الائتلاف- مع التنظيمات والأحزاب السياسية الليبرالية أو المدنية القائمة آنذاك، لكن ما حدث هو العكس تماما، حيث انحازت الجماعة في النهاية إلى إزاحة القوى المدنية والليبرالية عن كافة العمليات السياسية تقريبًا، والتحالف في المقابل مع التنظيمات الدينية الأخرى، بما في ذلك تنظيمات السلفية والسلفية الجهادية. 

لقد جاء هذا التوجه من جانب الجماعة بفعل عاملين؛ الأول، هو الطبيعة “الدفينة” لدى جماعة “الإخوان” باعتبارها “جماعة دينية” وليست جماعة ذات طابع “سياسي-اجتماعي” كما حاولت هي تقديم نفسها. العامل الثاني، هو إعادة فرزها للمجتمع على أساس “درجة الإيمان”، وهو ما أدى إلى قرارها العمل مع الحلفاء “المؤمنين” -حتى وإن اختلفوا معها أيديولوجيًّا- والعمل على إزاحة “المنافسين” غير المؤمنين” أو “الأقل إيمانًا”. 

هذا الفرز للمجتمع على أساس “درجة الإيمان” هو سمة أصيلة للجماعات الدينية، فقد سعت هذه الجماعات إلى بناء جماعة “المسلمين”، أو “المؤمنين”، أو “السلف”، أو “الطائفة المؤمنة”، في مواجهة “الكفار”، أو “ذوي العقيدة الفاسدة”، أو حالة “الجاهلية الأولى”. يستوي في ذلك “الإخوان” مع غيرهم من الجماعات التكفيرية أو الدعوية أو السلفية الجهادية، بدرجات مختلفة قربًا أو بُعدًا من درجة تكفيرهم الضمني أو الصريح للفرد والدولة والمجتمع. 

وفي حالة الإخوان، فقد ارتكزت إلى محورية مفهوم “الجماعة” في مواجهة الدولة والمجتمع، حتى وإن لم تُعلن تكفيرها الصريح لهما. وقد ظلت الجماعة متمسكة بهذا “الكيان” كأساس لتصنيف وتمييز “الأنا” الإخوانية عن الآخر غير الإخواني (الأفراد، والجماعات، والدولة) حتى بعد وصولها إلى السلطة، ولم تقبل بالتنازل عن فكرة “الجماعة” لصالح “الحزب السياسي” أو حتى لصالح فكرة “الدولة” ذاتها باعتبارها الإطار الذي انتظمت عبره الجماعات البشرية، وذلك رغم امتلاك الجماعة حزبًا سياسيًّا بعد يناير 2011، ورغم انتقالها من موقع المعارضة إلى الحكم. ولا يمكن فهم هذا التوجه من جانب “الإخوان” دون فهمٍ دقيقٍ للأبعاد السيكولوجية لمفهوم “الجماعة” باعتباره أساسًا للفرز والتمييز والتربية بهدف الوصول إلى “النقاء الديني” وليس فقط كأساس للفرز السياسي. 

والشاهد على هذه العقيدة أو السيكولوجيا “الإخوانية”- على سبيل المثال- انتقاد “صبحي صالح” -أحد قيادات الجماعة- في أحد مؤتمراتها بمحافظة الإسكندرية، ظاهرة زواج شباب الجماعة من خارج “الأخوات المسلمات” (فتيات الجماعة)، مشددًا على ضرورة الالتزام بالزواج من داخل الجماعة، حيث وصل في تبريره لذلك إلى حدِّ اعتبار الفتاة العضو بالجماعة أفضل من الفتاة المسلمة من خارجها! وبرر “صالح” هذه الدعوى باعتبارها أحد الشروط الضرورية والمهمة لضمان انتماء الأجيال التالية إلى جماعة “الإخوان”. هذا التمييز هو نتاج شعوري مقصود بحقيقة التراتبية الدينية داخل المجتمع، حيث يأتي المسلم عضو الجماعة في ترتيب سابق على المسلم من خارج الجماعة. 

هذا الفرز للمجتمع وقواه السياسية عبر المرحلتين السابقتين كان من شأنه إنتاج العديد من الظواهر الخطيرة، بدءا من إعادة تعريف الهوية المصرية، وإعادة تأسيس مفهوم “المواطنة” نفسه، ليستند ليس إلى الانتماء للوطن، لكن إلى “الدين”، بكل ما يحمله من أشكال من التمييز، لنصبح أمام مستويات متدرجة من “المواطنة” حسب الانتماء الديني وحسب “درجة الإيمان”، بدءًا من “المواطن الذمي”، ومرورًا بـ”المواطن المسلم”، وانتهاء بـ”المواطن المؤمن”، بحيث تصبح لكل درجة حقوقها وواجباتها السياسية المختلفة.

هذا النموذج لم يكن ليقتصر على مصر فقط (التي كانت لا تمثل بالنسبة لهؤلاء أكثر من مساحة من الأرض لا تكتسب أهميتها سوى في إطار علاقاتها التنظيمية بالبناء الدولي للجماعة)، إذ كان من المقرر محاكاة هذا “النموذج” في باقي دول المنطقة، بكل تبعاته.

محمد فايز فرحات
رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية