loader

عبور الأزمة

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

كيف تستطيع الدول عبور الأزمات التى تمر بها بنجاح هو موضوع أحد الكتب المهمة الذى صدر منذ أسابيع قليلة بالولايات المتحدة، ويحمل عنوان «التغيير الكبير: نقاط تحول للدول فى الأزمة»، ومؤلفه هو جاريد دايموند الأستاذ بجامعة كاليفورنيا. الكتاب يستعرض حالات كثيرة للتعامل الناجح مع الأزمات منها مسار اليابان بعد الضربات النووية، وصراع تشيلى فى ظل الديكتاتور بينوشيه، وصعود إندونيسيا بعد الاستعمار، وإعادة بناء ألمانيا بعد النازية، وغيرها من الأمثلة المعاصرة، ويركز على الدروس المستفادة من هذه التجارب. وبدلا من الاعتماد على النظريات السياسية والاقتصادية يقترح دايموند نظرية تقوم على الاستفادة من علم النفس وكيفية عبور الأفراد الأزمات، وتطبيق دروس النجاح…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

كيف تستطيع الدول عبور الأزمات التى تمر بها بنجاح هو موضوع أحد الكتب المهمة الذى صدر منذ أسابيع قليلة بالولايات المتحدة، ويحمل عنوان «التغيير الكبير: نقاط تحول للدول فى الأزمة»، ومؤلفه هو جاريد دايموند الأستاذ بجامعة كاليفورنيا.

الكتاب يستعرض حالات كثيرة للتعامل الناجح مع الأزمات منها مسار اليابان بعد الضربات النووية، وصراع تشيلى فى ظل الديكتاتور بينوشيه، وصعود إندونيسيا بعد الاستعمار، وإعادة بناء ألمانيا بعد النازية، وغيرها من الأمثلة المعاصرة، ويركز على الدروس المستفادة من هذه التجارب.

وبدلا من الاعتماد على النظريات السياسية والاقتصادية يقترح دايموند نظرية تقوم على الاستفادة من علم النفس وكيفية عبور الأفراد الأزمات، وتطبيق دروس النجاح فى التعامل مع الأزمات الشخصية إلى مجال الأزمات الوطنية، ويطرح نموذجاً يقوم على عدد من العناصر، أولها الإقرار والاعتراف بأن المرء/ الدولة فى أزمة، وعدم إنكار حدوثها، أو التقليل من خطورتها، ويرى أن الأمم، كالأفراد، تعترف أو تنكر الوقوع فى أزمة، على سبيل المثال يرى أن إحدى مشاكل الولايات المتحدة الأمريكية اليوم هى حالة الإنكار الواسع للعديد من المشاكل منها عدم المساواة، ومحدودية الحراك الاجتماعى والاقتصادى.

العامل الثانى هو قبول المسؤولية عن الأزمة، وتجنب إلقاء اللوم على الآخرين، أو التركيز على النفس كضحية، والاعتراف بالحاجة إلى التغيير الشخصى، هذا الأمر صحيح بالنسبة للدول كما هو الحال بالنسبة للأفراد.

ويرى دايموند أنه بمجرد أن يعترف الشخص بالأزمة، ويقبل المسؤولية عن فعل شىء لحلها، ويقدم نفسه فى مركز علاج الأزمات، يمكن أن تركز جلسة العلاج الأولى على خطوة «بناء السياج»، أى تحديد المشكلة بدقة وأمانة. وإذا لم ينجح الشخص فى فعل ذلك، فسيشعر بالشلل الكامل. ومن ثم عليه الإجابة عن السؤال: ما الذى يوجد داخلك ويعمل بشكل جيد بالفعل، وهذا لا يحتاج إلى تغيير، ويمكنك التمسك به؟ وما الذى ينبغى تغييره واستبداله بطرق جديدة؟ ويرى دايموند أن قضية التغيير الانتقائى وليس التغيير الشامل هى أمر أساسى أيضا لإعادة تقييم شعوب بأكملها فى الأزمات، حيث تُجرى الدول تغييرات انتقائية فى مؤسساتها وسياساتها من خلال «بناء سياج»، لتحديد المؤسسات / السياسات التى تتطلب التغيير من تلك التى سيتم الحفاظ عليها دون تغيير. على سبيل المثال تبنت اليابان الأساليب الغربية فى التحديث، لكنها لم تنسخ الغرب بشكل كامل وبدلا من ذلك، سعت إلى تحديد أى من النماذج الغربية المتاحة الأكثر ملاءمة لليابان، وعدلت هذا النموذج ليناسب ظروفها.

ويشير ديموند أيضا إلى أهمية الاستفادة من تجارب الأزمات السابقة، ومن تجارب الآخرين. فإذا كان هناك تجربة تعامل ناجح مع بعض الأزمات فى الماضى، فهذا يمنحك الثقة فى حل الأزمة الجديدة، ولا يعيد اختراع العجلة.

كما يشير لدور القيم الأساسية مثل الهوية والأخلاقيات فى التعامل مع الأزمات، فالقيم الأساسية قد تجعل من السهل أو الصعب حل الأزمة. فمن ناحية، يمكن أن توفر للمرء الوضوح وأساس للقوة واليقين الذى يمكنه من التفكير فى التغيير، ولكن من ناحية أخرى، فإن التشبث بالقيم الأساسية حتى عندما تكشف عن أنها مضللة فى ظل الظروف المتغيرة قد يمنع المرء من حل الأزمة.

الكتاب يتضمن العديد من العناصر التحليلية الأخرى، وبالرغم من أنه يحتوى بعض العموميات، إلا أنه يظل قراءة مهمة لكل مهتم بقضايا التغيير والخروج من الأزمات.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٨ يوليو ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية