loader

هونغ كونغ.. أزمة دولة واحدة بنظامين

وسط نزاع كبير وخطير مع الولايات المتحدة حول قضايا التجارة والتكنولوجيا، اندلعت الاحتجاجات في هونغ كونغ، وهذا هو آخر شيء يحتاجه الزعيم الصيني ببنج الآن. يحرص الرئيس الصيني على صورته كزعيم إصلاحي قوي، وكرجل دولة يحترم تعهداته، ويتصرف وفقاً للقواعد المرعية. للحفاظ على هذه الصورة أهمية إضافية في النزاع الذي يخوضه الزعيم بينج مع الرئيس ترامب، صاحب الشخصية الفريدة، والطريقة غير التقليدية في التصرف. هونغ كونغ جزء من الصين، لكنها تتمتع بنظام سياسي واقتصادي وقضائي وحقوقي خاص. بقيت هونغ كونغ تحت الحكم البريطاني لأكثر من 150 عاماً، حتى أعيدت للدولة الصينية في الأول من يوليو عام 1997، بعد أن تعهدت…

جمال عبدالجواد

وسط نزاع كبير وخطير مع الولايات المتحدة حول قضايا التجارة والتكنولوجيا، اندلعت الاحتجاجات في هونغ كونغ، وهذا هو آخر شيء يحتاجه الزعيم الصيني ببنج الآن.

يحرص الرئيس الصيني على صورته كزعيم إصلاحي قوي، وكرجل دولة يحترم تعهداته، ويتصرف وفقاً للقواعد المرعية. للحفاظ على هذه الصورة أهمية إضافية في النزاع الذي يخوضه الزعيم بينج مع الرئيس ترامب، صاحب الشخصية الفريدة، والطريقة غير التقليدية في التصرف.

هونغ كونغ جزء من الصين، لكنها تتمتع بنظام سياسي واقتصادي وقضائي وحقوقي خاص. بقيت هونغ كونغ تحت الحكم البريطاني لأكثر من 150 عاماً، حتى أعيدت للدولة الصينية في الأول من يوليو عام 1997، بعد أن تعهدت حكومة بكين باحترام الوضع الخاص للجزيرة، تطبيقاً لمبدأ «دولة واحدة بنظامين».

لم يصدق الكثيرون من أهل هونغ كونغ وعود الحكومة الصينية، فهاجر نصف مليون منهم للغرب خوفاً من الحكم الصيني، وما زالت الشكوك بين أهل الجزيرة وحكومة بكين قائمة، بعد اثنين وعشرين عاماً من لم شمل الجزيرة والوطن الأم، وما الأزمة الراهنة في الجزيرة، سوى تعبير عن فجوة الثقة بين الطرفين.

يبلغ عدد سكان هونغ كونغ أكثر قليلاً من سبعة ملايين نسمة، وفي التاسع من يونيو الماضي، خرج أكثر من مليون منهم للاحتجاج على مشروع قانون تقدمت به حاكمة الإقليم للمجلس التشريعي.

يقضي التشريع بتسليم الأشخاص المطلوبين للمحاكمة في الصين للسلطات الصينية، على أن يسري هذا ليس فقط على المواطنين الصينيين الفارين إلى هونغ كونغ، وإنما أيضاً على أهل هونغ كونغ، الذين قد يجدون أنفسهم طرفاً في نزاعات قضائية، تجارية أو مدنية، مع مواطنين صينيين، أو مع مؤسسات تجارية مملوكة للحكومة الصينية.

قوبل مشروع القانون برفض النشطاء والحقوقيين المعنيين بالحقوق والحريات، كما قوبل برفض مجتمع الأعمال المتخوف من التداخل بين السياسة والبيروقراطية والتجارة والقضاء في الصين، فكانت الاحتجاجات.

كان من الممكن للاحتجاجات أن تمر بسلام، لولا الطريقة التي أدارت بها حكومة هونغ كونغ الأزمة.

فمن بين التقاليد الموروثة عن الحكم البريطاني، والتي تمسكت بها حكومة هونغ كونغ حتى الأزمة الأخيرة، قيام الحكومة بنشر رجال شرطة غير مسلحين وغير مزودين بمعدات مكافحة الشغب لمرافقة الاحتجاجات، وقيامهم بحمل كميات كبيرة من زجاجات المياه لتوزيعها على المتظاهرين، الأمر الذي ساهم في تسهيل إنهاء الاحتجاجات الجماهيرية بسلام.

خرج المتظاهرون يوم التاسع من يونيو، وهم يتوقعون المعاملة المعتادة من جانب الحكومة، إلا أن ما وجدوه هذه المرة كان مختلفاً، فقد وجدوا في انتظارهم أعداداً كبيرة من رجال الشرطة المزودين ببعض معدات وملابس مكافحة الشغب، والذين قاموا باعتقال قادة الاحتجاجات، وتفريق المتظاهرين باستخدام الغاز والهراوات. تواصلت الاحتجاجات في الأيام التالية، وانضم إليها عدد أكبر من المحتجين، وتحول الأمر إلى أزمة سياسية في وجه حكومة الإقليم، والحكومة في بكين أيضاً.

الاحتجاجات في هونغ كونغ أكبر بكثير من اعتراض على قانون يمس نظام العدالة، فهي تمثل أيضاً احتجاجاً على محاولات الحكومة الصينية إضعاف الاستقلال الذاتي الذي يتمتع به الإقليم.

يوجه المتظاهرون انتقاداتهم لحاكمة الإقليم، السيدة كاري لام، ويطالبون باستقالتها. لكن السيدة لام ليست حاكماً منتخباً، فهي معينة من قبل سلطات بكين، والمطالبة باستقالتها تمثل تحدياً لسلطة الحكومة الصينية، وحقها في اختيار ممثلها المسؤول عن إدارة الإقليم.

تبني الحكومة الصينية الطرق وخطوط السكك الحديدية التي تعمق ربط هونغ كونغ بالصين، وتكثف تنفيذ مشروعات «إعادة التربية»، من أجل الترويج للولاء لجمهورية الصين الشعبية، ولعقيدة الحزب الشيوعي الحاكم بين سكان الجزيرة.

أما في الأزمة الحالية، فقد اتهمت وسائل الإعلام الصينية، خصوم الصين بالمسؤولية عن إثارة الاضطرابات، بغرض إضعاف موقف الصين في الصراع التجاري والسياسي الراهن، وهي الادعاءات التي يرفضها أهل هونغ كونغ، الذين يرون في سياسة الحكومة الصينية تقويضاً لمبدأ «دولة واحدة ونظامين»، الذي عادت الجزيرة بمقتضاه للدولة الصينية.

وسط هذه الأزمة الممتدة، حلت في الأول من يوليو، الذكرى الثانية والعشرون لعودة هونغ كونغ للدولة الصينية، فخرج مئات الآلاف من المحتجين للشوارع، لمواصلة الاحتجاجات، التي حشرت حكومة بكين في زاوية، فإما أن تقدم التنازلات للمحتجين، وتقبل بالهزيمة في هذه المعركة، أو أن تتمسك بموقفها، ما يطيل أمد الأزمة ويعقدها، في لحظة دولية غير مواتية.

وبينما كان الموقف يزداد صعوبة أمام حكومة بكين، قام بضع مئات قليلة من النشطاء الأكثر راديكالية، باقتحام مبنى المجلس التشريعي للإقليم، وعاثوا فيه فساداً، رافعين العلم البريطاني، فتحولت القضية من تهرب حكومة بكين من الالتزام بمبدأ دولة واحدة بنظامين، إلى مواجهة مخربين يتحدون القانون والنظام، فكما هي العادة، تولى الراديكاليون المتشددون إفساد قضية عادلة، وقدموا الخدمات المجانية للخصوم.

*نقلا عن صحيفة “البيان”، نشر بتاريخ ٤ يوليو ٢٠١٩.

جمال عبدالجواد