loader

العودة للمحليات

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

لا أشعر بالملل من الكتابة عن موضوع المحليات لأكثر من سبب، منها الاعتقاد بأن العديد من المشاكل التى تعانيها مصر يمكن أن تجد طريقها للحل لو انتقلنا من المركزية إلى المحلية فى التعامل معها. سبب آخر هو أن قضية المحليات أصبحت محل اهتمام عالمى لم يعد مقتصرًا على الدول النامية، بل هناك حديث متزايد فى الدول الغربية عن أن المحليات تمثل المخرج الاقتصادى والسياسى من الأزمة التى تعانى منها حاليا النظم الليبرالية. ﻓفى مقال سابق أشرت للكتاب الذى صدر حديثا لأستاذ الاقتصاد راغورام راجان، والذى يعمل حاليا بكلية إدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، ويحمل عنوان «العمود الثالث: كيف تخلت الأسواق والحكومات…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

لا أشعر بالملل من الكتابة عن موضوع المحليات لأكثر من سبب، منها الاعتقاد بأن العديد من المشاكل التى تعانيها مصر يمكن أن تجد طريقها للحل لو انتقلنا من المركزية إلى المحلية فى التعامل معها.

سبب آخر هو أن قضية المحليات أصبحت محل اهتمام عالمى لم يعد مقتصرًا على الدول النامية، بل هناك حديث متزايد فى الدول الغربية عن أن المحليات تمثل المخرج الاقتصادى والسياسى من الأزمة التى تعانى منها حاليا النظم الليبرالية.

ﻓفى مقال سابق أشرت للكتاب الذى صدر حديثا لأستاذ الاقتصاد راغورام راجان، والذى يعمل حاليا بكلية إدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، ويحمل عنوان «العمود الثالث: كيف تخلت الأسواق والحكومات عن المجتمع»، وكانت فكرته الأساسية هى أن النظرية الاقتصادية الرأسمالية والتى تركز على التفاعل بين الحكومة المركزية والأسواق، قد ترتب عليها إغفال العمود الثالث المتعلق بدور المحليات، ودعا الكاتب الى إعادة الاهتمام بالمبادرات الاقتصادية المحلية والتى يتبناها الأفراد فى المجتمع الصغير المحيط بهم، وضرورة قيام الدولة بتشجيع وتحفيز هذه المبادرات، باعتبارها الأقدر على توصيل الخدمات والأنشطة الاقتصادية للمواطن العادى.

أما البعد السياسى لقضية المحليات، فقد اهتم به كتاب آخر صدر منذ عام فى الولايات المتحدة، وما زال يثير جدلًا كبيرًا، مؤلف الكتاب هو باتريك دينين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة روتردام، وعنوانه «لماذا فشلت الليبرالية».

الكتاب يرى أن الأزمة السياسية والفكرية التى تعانى منها المجتمعات الغربية اليوم والتى أدت إلى تصاعد نفوذ اليمين المتطرف تعود فى جذورها إلى الأسس التى قام عليها المشروع الليبرالى، والذى اعتبر الدين والأسرة والمجتمع المحلى قيودًا يحتاج الأفراد إلى التحرر منها، حتى يتمكنوا من اتخاذ خياراتهم الخاصة.

ولكن المؤلف يرى أن المشكلة تبدأ هنا، فبمجرد الانفصال عن هذه الكيانات، يجد الأفراد أنفسهم وحدهم، ومعرضين للخطر، ويحتاجون إلى المساعدة، وينتج عن ذلك العزلة بين النخب والطبقة العاملة، وانعدام الثقة فى المؤسسات المدنية، والاعتقاد بأن الاقتصاد يتم تدويره لمصلحة الأغنياء، وزيادة الاستقطاب بين أولئك الذين يرغبون فى التمسك بالعادات والمعتقدات والممارسات التقليدية وأولئك الذين يريدون تجريفها.

وبالرغم من أن المؤلف يعترف بإنجازات الليبرالية وخاصة فى مواجهة الاستبداد، فإنه يدعو إلى استعادة الروابط بين المواطن ومجتمعه المحلى، ويرى أن المحلية هى أفضل أمل يمكن للمواطنين غير المتوافقين مع الثقافة الليبرالية السائدة أن يعيشوا فى وئام مع معتقداتهم.

العالم، إذن، يعيد الاعتبار للمحليات بشقها السياسى والاقتصادى، ويرى فيها المخرج لحل الكثير من المشاكل.

أكتب ما سبق لإعادة التأكيد على الدور المأمول للمحليات فى مصر، والتى تأجلت انتخابات مجالسها منذ عام ٢٠٠٨، وتجمد تطوير قانونها فى أكثر من برلمان.

أكتب ذلك للتذكرة أيضا بأن هناك العديد من الدراسات القيمة والتراكمية بشأن تطوير المحليات بأبعادها المختلفة، تم إعدادها فى مرحلة ما قبل ٢٠١١، منذ أن كان الدكتور عبدالرحيم شحاتة، وزيرا للتنمية المحلية عام ٢٠٠٤، وحتى حكومة الدكتور نظيف التى تولى فيها اللواء عبدالسلام المحجوب تلك الوزارة، وأسهم فيها العديد من الخبراء والجهات الرسمية، وهى بالتأكيد موجودة فى مكان ما بوزارة التنمية المحلية أو بمجلس الوزراء، ويمكن استدعاؤها من الإدراج والبناء عليها، لو أردنا أن نكون جزءًا من حركة العالم فى العودة للمحليات.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢٤ يونيو ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر