loader

هل طار عصفور القرن؟

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

شاركت منذ عدة أيام فى ندوة نظمها مركز أبحاث مصرى حول موضوع صفقة القرن، أو المبادرة الأمريكية للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين التى تأجل إعلانها أكثر من مرة. وجهة نظرى تلخصت فى أن إدارة الرئيس ترامب ليست جادة بشأن هذه المبادرة، وأحد مؤشرات ذلك أن ترامب نادرا ما يبدى اهتماما بها، او يتحدث عنها، أو يظهر فى مقعد القيادة بخصوصها، مقارنة بقضايا أخرى مثل كوريا والصين أو حتى إيران، حيث يملأ ترامب السمع والبصر ضجيجا بشأنها، ويقود بنفسه السياسة الخارجية لبلاده وفى أحيان كثيرة بشكل منفرد. الوضع مختلف بالنسبة لصفقة القرن، حيث ترك الأمر برمته لصهره ومساعده جاريد كوشنر، وهو عكس…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

شاركت منذ عدة أيام فى ندوة نظمها مركز أبحاث مصرى حول موضوع صفقة القرن، أو المبادرة الأمريكية للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين التى تأجل إعلانها أكثر من مرة.

وجهة نظرى تلخصت فى أن إدارة الرئيس ترامب ليست جادة بشأن هذه المبادرة، وأحد مؤشرات ذلك أن ترامب نادرا ما يبدى اهتماما بها، او يتحدث عنها، أو يظهر فى مقعد القيادة بخصوصها، مقارنة بقضايا أخرى مثل كوريا والصين أو حتى إيران، حيث يملأ ترامب السمع والبصر ضجيجا بشأنها، ويقود بنفسه السياسة الخارجية لبلاده وفى أحيان كثيرة بشكل منفرد.

الوضع مختلف بالنسبة لصفقة القرن، حيث ترك الأمر برمته لصهره ومساعده جاريد كوشنر، وهو عكس ما درجت عليه الإدارات الأمريكية السابقة حيث ارتبطت مبادرات وجهود سلام الشرق الأوسط بالرئيس مباشرة مثل كارتر وكلينتون على سبيل المثال. المسألة إذن لا تحتل أولوية لدى ترامب.

الأمر الآخر هو أن حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية على الأبواب، وقد بدأها الديمقراطيون بالفعل، وسوف يدخل ترامب فى المزاج الانتخابى قريبا، وبالتالى سيتم الانشغال فقط بالقضايا الداخلية، أو الخارجية ذات البعد الداخلى مثل الحرب التجارية مع الصين، وبالتالى ستسقط صفقة القرن من دائرة الاهتمام. يضاف لذلك أن كوشنر لعب دورا رئيسيا فى الحملة الانتخابية السابقة لترامب، ومن المتوقع أن يلعب دورا مشابها فى الحملة الجديدة، وبالتالى قد تختفى صفقة القرن حتى من على رادار كوشنر، وهناك أيضا انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية الجديدة.

قبل كذلك كنت قد كتبت مقالا بـ«المصرى اليوم» عنوانه عصفورة القرن، ذكرت فيه أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع صفقة القرن بمنطق «بص العصفورة»، أى شغل العرب بالتطلع نحو عصفورة وهمية، فى حين تقوم بتبنى سياسات أخرى على أرض الواقع. ومنذ أيام قليلة ظهرت حقيقة هذا العصفور، فلأول مرة يتحدث وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو صراحة عن صفقة القرن ويعرب فى اجتماع مغلق مع قيادات يهودية أمريكية عن تشككه فى جدواها، واستخدام عبارات مثل «يمكن القول» إن الخطة «غير قابلة للتحقيق» وقد لا «تحقق نتائج»، وأن «السؤال الكبير هو ما إذا كان يمكننا الحصول على مساحة كافية لإجراء محادثات حقيقية حول كيفية بنائها» وأشار وزير الخارجية الأمريكى إلى الرأى القائل بأن الخطة يمكن أن تفيد الحكومة الإسرائيلية فقط. وأخيرا صدر تصريح عن الرئيس الأمريكى ترامب بشأن صفقة القرن ذكر فيه أن وزير خارجيته «ربما يكون على حق» فى شكوكه بجدوى خطة السلام الأمريكية بين الفلسطينيين. وحاول ترامب مسك العصا من المنتصف بقوله «أتفهم عندما يقول مايك ذلك. لأن العديد من الأشخاص يعتقدون أن هذا مستحيل. لكنى أعتقد أن ذلك ممكن»، وأضاف: «ولكن كما قلت مراراً، سنرى ما سيحدث».

التصريحات السابقة توضح أن الإدارة الأمريكية منقسمة حول صفقة القرن، وأن ترامب نفسه ليس له حماس بشأنها، وسيتركها للظروف. التفسير الآخر للتصريحات السابقة هو أنه قد حان الوقت لعصفورة القرن (أو على الأقل شقها السياسى) بأن تطير بعيدا، ولكنها تطير وقد حققت أهدافها وعلى رأسها فك الارتباط بين القضية الفلسطينية والتواصل العربى مع إسرائيل، واعتراف الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان. ويبقى سؤالان: هل تدخل القضية الفلسطينية مرحلة التجميد مرة أخرى؟ أم تستطيع الدول العربية والدول الكبرى الأخرى طرح بديل للعصفور الأمريكى؟.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ١٠ يونيو ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر