loader

اختبارات أم انتخابات

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

 نشرت «المصرى اليوم» أكثر من مقال فى الفترة الأخيرة عن النموذج الصينى، ركز معظمها على الأبعاد الاقتصادية، والخليط الفريد لدور الدولة والقطاع الخاص والذى جعل من الصين أكبر دولة مصدرة فى العالم وساهم فى معالجة مشكلة الفقر بشكل جذرى. هناك بالتأكيد وجه آخر متعلق بالشق السياسى، وهل يمثل هو الآخر نموذجا أم لا. والواقع أنه لسنوات طويلة كانت معظم الكتابات، خاصة الغربية تنتقد التجربة السياسية الصينية وتصفها بالشمولية ونظام الحزب الواحد الذى يتناقض مع التعددية الديمقراطية. ولكن الأعوام الأخيرة شهدت تغيرا فى نظر بعض الدوائر السياسية والأكاديمية لهذه التجربة، وظهرت إشارات لبعض جوانبها الإيجابية. على سبيل المثال بعض المقارنات التى…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

 نشرت «المصرى اليوم» أكثر من مقال فى الفترة الأخيرة عن النموذج الصينى، ركز معظمها على الأبعاد الاقتصادية، والخليط الفريد لدور الدولة والقطاع الخاص والذى جعل من الصين أكبر دولة مصدرة فى العالم وساهم فى معالجة مشكلة الفقر بشكل جذرى. هناك بالتأكيد وجه آخر متعلق بالشق السياسى، وهل يمثل هو الآخر نموذجا أم لا. والواقع أنه لسنوات طويلة كانت معظم الكتابات، خاصة الغربية تنتقد التجربة السياسية الصينية وتصفها بالشمولية ونظام الحزب الواحد الذى يتناقض مع التعددية الديمقراطية.

ولكن الأعوام الأخيرة شهدت تغيرا فى نظر بعض الدوائر السياسية والأكاديمية لهذه التجربة، وظهرت إشارات لبعض جوانبها الإيجابية. على سبيل المثال بعض المقارنات التى تمت بين أداء وخبرة الرئيس الصينى شى جين بينج والرئيس الأمريكى ترامب، كانت نتيجتها فى مصلحة الرئيس الصينى، الذى قضى سنوات طويلة داخل الحزب الشيوعى ومؤسسات الدولة، وتدرج فيها من أدنى المناصب على المستوى المحلى إلى أعلاها على المستوى القومى، وبالتالى اكتسب خبرات هائلة فى إدارة شؤون البلاد، عكس الرئيس الأمريكى ترامب الذى لم يكن له أى خبرة فى العمل السياسى قبل وصوله إلى البيت الأبيض، ويمارس سلطاته كمبتدئ.

منذ سنوات قليلة أصدر أستاذ العلوم السياسية دانيل بيل كتابا عنوانه النموذج الصينى، ركز فيه على الخصائص السياسية لهذا النموذج والذى يقوم بشكل أساسى على قيمة الجدارة السياسية مقابل الديمقراطية الانتخابية كوسيلة لاختيار كبار القادة السياسيين. بمعنى أن اختيار الكوادر السياسية لا يتم غالبا من خلال الانتخابات التى تقيس الشعبية، ولكن من خلال مجموعة من الاختبارات لابد أن يجتازها كل من يلتحق بالحزب أو جهاز الدولة. ثم يتم التصعيد فى النظام بعد ذلك من خلال تقييم الأداء على المستوى الادنى عن طريق الاختبارات على أرض الواقع، مثل مدى النجاح كرئيس لقرية قبل التصعيد لمستوى المدينة، أو الأداء فى المدينة قبل التصعيد للمستوى القومى. وجهة النظر هنا أن الانتخابات قد لا تأتى دائما بالأكفأ إلى المنصب العام، بل قد تأتى بشخصيات شعبوية ومتطرفه تقوم حملتها الانتخابية على دغدغة مشاعر الناخبين وليس عقولهم، أو بهؤلاء الذين يملكون الأموال للإنفاق على الحملات الانتخابية، وهو ما أصبح يطلق عليه البعض «دولار واحد لصوت واحد». ويضيف مؤيدو هذا النموذج أن القائد المنتخب هو أكثر تقييدًا بسبب الاعتبارات الانتخابية قصيرة الأجل والتى تأتى على حساب التخطيط طويل الأمد لصالح المجتمع والدولة، ويشير بعض المحللين الغربيين إلى أن التفوق الذى تشهده الصين اليوم فى قطاع التكنولوجيا، خاصة الجيل الخامس فى الاتصالات، هو نتاج لهذا التخطيط طويل المدى، والذى افتقدته الولايات المتحدة فى هذا المجال، البعض يشير أيضا إلى أن أن حجم الصين وتعقد مشاكلها لا يعطيها رفاهية ارتكاب أخطاء كبرى فى الحكم نتيجة لعدم الكفاءة والخبرة.

وقد قامت الصين بتطوير نموذجها فى السنوات الأخيرة، بحيث أصبح يقوم على قدر من معايير الديمقراطية على المستوى المحلى، والتجريب على المستوى المتوسط، والجدارة فى القمة. هذا النموذج الصينى مازال يتعرض لبعض الانتقادات الغربية، منها غياب المنافسة السياسية، والصين ترد أن تجربتها ليست بالضرورة نموذجا للآخرين، ولا تسع للترويج لها، وعلى كل مجتمع أن يبنى نموذجه الخاص.

وأخيرا، وأيا كان رأينا فى نموذجى الجدارة السياسية والديمقراطية الانتخابية فسيستمر الجدل حولهما لسنوات طويلة قادمة.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ 20 مايو 2019.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر