loader

إعادة بناء الأمة

رئيس الهيئة الإستشارية

هناك طريقتان للنظر إلى العالم العربي ومستقبله: الأولى أن نأخذ القوائم العالمية للتقييم والمأخوذة كلها من “الروشتة” الليبرالية السياسية والاقتصادية، وننظر أين نقف من “التنمية البشرية” و”التنافسية” و”الحريات الهامة” و”وممارسة الأعمال”، وغيرها من قوائم التصنيفات والترتيبات، وهذه كلها مفيدة وتجعلنا نعرف أين نقف، وإلى حد ما إلى أين نسير إذا ما بينت البيانات اتجاها بعينه نحو النجاة أو الإخفاق أو بقاء الأوضاع على ما هي عليه. الثانية لا تأخذ بالمقاييس العالمية وإنما بالتجربة العالمية التي تتعلق باختبارات الكوارث والحروب الأهلية والخارجية والكوارث الطبيعية؛ وهذه فيها ما يواجه الإنسان في أعقاب مرض عضال أو عملية جراحية كبيرة أو صدمة عاطفية أو…

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

هناك طريقتان للنظر إلى العالم العربي ومستقبله: الأولى أن نأخذ القوائم العالمية للتقييم والمأخوذة كلها من “الروشتة” الليبرالية السياسية والاقتصادية، وننظر أين نقف من “التنمية البشرية” و”التنافسية” و”الحريات الهامة” و”وممارسة الأعمال”، وغيرها من قوائم التصنيفات والترتيبات، وهذه كلها مفيدة وتجعلنا نعرف أين نقف، وإلى حد ما إلى أين نسير إذا ما بينت البيانات اتجاها بعينه نحو النجاة أو الإخفاق أو بقاء الأوضاع على ما هي عليه.

الثانية لا تأخذ بالمقاييس العالمية وإنما بالتجربة العالمية التي تتعلق باختبارات الكوارث والحروب الأهلية والخارجية والكوارث الطبيعية؛ وهذه فيها ما يواجه الإنسان في أعقاب مرض عضال أو عملية جراحية كبيرة أو صدمة عاطفية أو نفسية عميقة الأثر.

هذه الطريقة الثانية تكون مفيدة في الظروف غير العادية التي بها العرب خلال هذا العقد، حيث حدث ما سمي بـ”الربيع العربي”، والذي ظهر فيما بعد أن فيه الكثير من الرمال الساخنة التي ترتبت عليها حروب أهلية في سوريا واليمن وليبيا، بينما كانت الأحوال قلقة في العراق ولبنان وتونس ومصر والمغرب والأردن والبحرين، حيث تحولت موجات شبابية ساخطة إلى سيطرة حركات أصولية متطرفة وعنيفة وإرهابية بدأت دوما بجماعة الإخوان الإرهابية وانتهت إلى جماعات القاعدة وداعش وأسماء كثيرة أخري كل راياتها سوداء وكل أفعالها أكثر سوادا.

مثل هذه الحالات لم تكن استثنائية في العالم العربي، فقد عرفت الحرب الأهلية في السودان وانتهت إلى تقسيمه ما بين “جمهورية السودان” و”جمهورية جنوب السودان”، كما عرفت الحرب الأهلية في الصومال التي انقسمت إلى أقاليم وحركات سياسية وعسكرية، ومعها حكومة من نوع ما لا تزال قائمة، وعلى مدى 16عاما جرت الحرب الأهلية في لبنان حتى انتهت باتفاقية الطائف، ومن ساعتها تعلم اللبنانيون أن يعيشوا دون رئيس دولة أحيانا، ودون رئيس للوزراء أحيانا أخرى، ودون حكومة أحيانا ثالثة، التجربة لم تكن جديدة على العالم العربي اللهم إلا بفعل الزمان والمكان والظروف الدولية والإقليمية؛ وكذلك لم تكن جديدة على العالم.

لأغراض هذا المقال، كما سوف يظهر بعد قليل، فإن ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من ١٨٦٠ وحتى ١٨٦٥ كان حربا أهلية ضروسا بين الولايات الشمالية التي كانت قد نبذت “العبودية”؛ والولايات الجنوبية التي كانت تعتبرها جزءا من الهوية الأمريكية؛ أو العقد السياسي والدستوري الذي قامت عليه الولايات المتحدة وكان في جوهره متناقضا مع إعلان الاستقلال الأمريكي الذي أقر المساواة بين بني الإنسان، كانت الولايات التي تعاقدت على قيام الاتحاد الأمريكي قد أقرت أن تكون مسألة “العبودية” خاصة بكل ولاية على حدة؛ ولما كانت هناك ولايات جديدة بعد الاتحاد فإن القضية تفجرت في كل مرة تكونت فيها ولاية جديدة حيث كانت تهدد التوازن ما بين الولايات الحرة وتلك التي مارست العبودية.

وعندما وجدت الولايات الجنوبية أن التوازن سوف يختل لصالح الولايات الشمالية الحرة فإنها قررت أولا الانفصال وتكوين “كونفدرالية” بين أعضائها؛ وثانيا أعلنت الحرب على الشمال وجيش الاتحاد، وقامت الحرب واستمرت لخمس سنوات كانت من الأعلى تكلفة في تاريخ الحروب الأمريكية حيث بلغ ضحاياها أكثر من 600 ألف قتيل، وأضعاف ذلك من الجرحى، أما الخسائر المادية في المدن والقرى فكانت حساباتها ثقيلة، انتهت الحرب بهزيمة الكونفدرالية، واغتيال رئيس الدولة ابراهام لنكولن بعد أسبوع من تحقيق النصر وهو الذي كان قد أقر إعلانا بتحرير العبيد.

ما يهمنا هنا هو ماذا فعلت الولايات المتحدة بعد هذه الكارثة التاريخية؟ والإجابة هي “إعادة البناء” أو Reconstruction الذي لم يكن فقط إصلاح ما دمرته الحرب وكان فادحا، وإنما إجراء التعديلات الدستورية اللازمة (التعديلات 13 و14 و15) لكي يتم تحرير العبيد وإعطاء حق المواطنة للعبيد السابقين، ومنحهم حق الانتخاب، وخلال رئاسة كل من أندرو جونسون الرئيس السابع عشر، وألوسيس جرانت الثامن عشر جرت مقاومة القوانين العكسية التي قامت في الجنوب التي وإن حررت العبيد فإنها عمليا ظلت تعاملهم معاملة العبيد؛ ومقاومة الإرهاب الذي قامت به جماعات من البيض مثل جماع “كلو كلوكس كلان” ضد المواطنين السود مما استدعى اتخاذ إجراءات استثنائية ووضع مناطق في الجنوب تحت الحكم العسكري.

ولم يكن ذلك ممكنا لولا الطفرة التنموية الضخمة التي جرت في الولايات الصناعية الشمالية، والتقدم التكنولوجي الكبير الذي ساهم في انتصار الشمال على الجنوب في الحرب، وقيام طبقة رأسمالية برجوازية نشطة عملت على تطوير وتنمية الجنوب الزراعي.

تفاصيل كل ما سبق ليس موضوعنا، وما يهمنا هو الاستفادة من التجربة الأمريكية (بالطبع هناك تجارب أخرى لإعادة البناء ربما كان أهمها ما حدث في أوروبا واليابان والاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية) حيث لم تكن الولايات الأمريكية بمثل التقدم الذي هي عليه الآن؛ ولأن إعادة البناء كانت عملية متعددة الأبعاد؛ ولأن الحرب وإعادة البناء ارتبطتا بنظرة للتغيير والتقدم ومحاربة الإرهاب في نفس الوقت، وهي سمات تماثل الكثير مما جرى في العديد من الدول العربية خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، ولعل العقد الثالث الذي يبدأ مع بداية العام المقبل يكون هو عقد إعادة البناء والذي ربما يكون نقطة البداية فيه أولا إعادة الدول الوطنية من جديد بحدودها التي قامت عليها بعد انتهاء المرحلة الاستعمارية.

إن مقاومة العبث بحدود الدولة ضرورة لاستعادتها، وسواء كان العبث قائما على حركات انفصالية أو على غزو أجنبي أو ادعاءات خارجية، وثانيها أن الدولة الوطنية لا بد وأن تقوم على قاعدة المساواة التامة بين المواطنين بغض النظر عن اللون أو العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس؛ فالثابت أن الحروب الأهلية العربية استندت في بعض أسبابها وأبعادها إلى وجود التمييز بين فئات للمجتمع المختلفة وخوف الأقلية من استبداد الأغلبية أو العكس سواء كان ذلك في المجال السياسي أو الاقتصادي أو حقوق الملكية وغيرها.

وثالثها وكلما كان ذلك ضروريا وممكنا فإن الدولة العربية لا بد لها من التخلص من المركزية الشديدة والنزوع إلى أشكال متعددة من اللامركزية التي تبدأ من الحكم المحلي وتصل إلى الحالة الفيدرالية التي لا تعطي فقط حقوقا لفئات المجتمع المختلفة لإدارة شئونها، وإنما يمكنها أن تخلق حالات من الحراك الاقتصادي والمنافسة التي تفيد الدولة وتعطي التنمية فيها زخما كبيرا، ورابعها أن الدولة الوطنية لا تكون دولة حقا ما لم يكن للسلطة السياسية الشرعية فيها الحق الكامل في احتكار الاستخدام الشرعي للسلاح للحفاظ على استقرار الدولة وحمايتها من العدوان الخارجي.

فلا يجوز في مثل هذه الدولة تكوين مليشيات مسلحة خارج النظام العام أو يكون لها سياساتها الخاصة تجاه الشؤون الخارجية والأمن القومي، وخامسها أنه في كل الأحوال فإن الدين لله والوطن والجميع حيث لا يجوز الزج بالدين في الأمور السياسية أو استخدامه لتبرير الإرهاب، وسادسها أن الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة العربية من ضرورات استعادة الدولة والأمن الإقليمي والدين الإسلامي إلى مقوماتهم الطبيعية والمعتدلة والمتسامحة.

مثل هذه المبادئ العامة لإعادة البناء هي مهمة وطنية من ناحية حيث جرت بالفعل خلال النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الـ21 عمليات إصلاح واسعة النطاق، حيث تم كبح جماح تجربة جماعة الإخوان الإرهابية في مصر، وانطلاق الإصلاح الذي غطى جوانب عديدة في المملكة العربية السعودية، وجرت إصلاحات دستورية هامة في الأردن والمغرب، وإصلاحات سياسية واقتصادية في البحرين والكويت والعراق، ومع ذلك فإن الحروب الأهلية لا تزال سارية في اليمن وليبيا وسوريا، كما أن انفجارات سياسية جديدة جرت بالجزائر والسودان لا تزال في مراحلها الأولى.

هنا فإن إعادة البناء تصبح أيضا مهمة قومية وهو ما جرى جزئيا من خلال مساهمات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت في وقوف الدولة المصرية على أقدامها مرة أخرى؛ وما تم تقديمه من نفس الدول إلى العراق حتى تستعيد الدولة الوطنية صحتها، ومع ذلك فإن الواقع الحالي يحتاج إلى ما هو أكثر من خلال “التحالف الرباعي” الذي يضم المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين بحيث يجري تبني إعلان للأمن الإقليمي يقوم على المبادئ سالفة الذكر وتقوم عليها الدولة الوطنية؛ وأكثر من ذلك فإن عمليات إعادة الإعمار، كما حدث في الولايات الأمريكية الجنوبية بعد الحرب الأهلية، والدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، يمكنها أن تكون على أسس تدعم الرخاء والتعاون الإقليمي.

تفاصيل كل ذلك مجاله جهود مؤتمرات إقليمية، ومراكز بحوث، وجامعات، وشركات عربية تنظر إلى المنطقة كلها وتدفع في اتجاه إعادة البناء بحيث تكون عوائد الإصلاح والتعمير سببا في مضاعفة القدرات الإقليمية كلها.

*نقلا عن موقع “العين الإخبارية”، نشر بتاريخ ٤ مايو ٢٠١٩.

د. عبد المنعم سعيد
رئيس الهيئة الإستشارية

مقالات أخرى للكاتب