loader

العمود الثالث

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

فى الوقت الذى يستمر فيه الترويج للعولمة وما أنتجته من أنماط و تشكيلات على مستوى الكون، أصبحنا نجد اليوم توجها آخر يركز على أهمية البعد المحلى، وفى هذا الإطار صدر منذ شهرين كتاب أحدث صدى كبيرا على المستوى الفكرىوالسياسى لأستاذ الاقتصاد الهندىراغورام راجان، والذى يعمل حاليا بكلية إدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، وشغل من قبل منصب محافظ البنك المركزي الهندى. الكتاب يحمل عنوان: العمود الثالث: كيف تخلت الأسواق والحكومات عن المجتمع, ويشير الكاتب الى أن أى نظام يجب أن يقوم على تحقيق توازن بين ثلاثة أعمدة، الأول سياسى وهو الدولة أو الحكومة المركزية، والثانىاقتصادى وهو الأسواق، أما الثالث فهو المجتمع المحلى.…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

فى الوقت الذى يستمر فيه الترويج للعولمة وما أنتجته من أنماط و تشكيلات على مستوى الكون، أصبحنا نجد اليوم توجها آخر يركز على أهمية البعد المحلى، وفى هذا الإطار صدر منذ شهرين كتاب أحدث صدى كبيرا على المستوى الفكرىوالسياسى لأستاذ الاقتصاد الهندىراغورام راجان، والذى يعمل حاليا بكلية إدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، وشغل من قبل منصب محافظ البنك المركزي الهندى. الكتاب يحمل عنوان: العمود الثالث: كيف تخلت الأسواق والحكومات عن المجتمع, ويشير الكاتب الى أن أى نظام يجب أن يقوم على تحقيق توازن بين ثلاثة أعمدة، الأول سياسى وهو الدولة أو الحكومة المركزية، والثانىاقتصادى وهو الأسواق، أما الثالث فهو المجتمع المحلى. وأنه لسنوات طويلة تم التركيز على الحكومة المركزية والأسواق والتفاعل بينهما، وتم إغفال العمود الثالث المتعلق بدور المحليات، أى تمت تقوية العمودين الأول والثانى على حساب الثالث مما أدى لحدوث خلل ترتب عليه العديد من النتائج السلبية، ويرى أنه من المهم استعادة الاهتمام بالمحليات، وتحقيق التوازن بين الأعمدة الثلاثة.

ويشير الكاتب الى أن الجدل السياسى والأكاديمي كثيرا ما ركز على قضية الحكومات في مقابل الأسواق، أو خفض الضرائب في مقابل زيادتها، أو الحد من التشريعات و اللوائح التنظيمية في مقابل تشديدها، وبالرغم من أهمية هذه الأمور فإنها لا تشغل اهتمام المواطن العادي، وما يشغله هو كيفية وصول الخدمات والأنشطة الاقتصادية إليه، وأن المحليات هى الأقدر على تحقيق هذا الهدف الأخير بالنسبة للمواطن، وأنه على مر السنين، انتقلت عملية صنع القرار من المجتمع المحلى إلى المستوى الوطني ثم إلى المستوى الدولي، مما أدى الى تزايد إحساس المواطن العادى بفقد السيطرة على حياته. ويؤكد المؤلف أنه إذا لم يتكيف النظام لإعطاء الناس إحساسًا بأن لديهم الفرصة و القدرات اللازمة للاستفادة من هذه الفرصة على المستوى المحلى، فسوف يبحثون عن نظم بديلة، وينجذبون الى التوجهات المتطرفة التى تقول لهم أن النظام القديم لا يعمل وعلينا استبداله بنظام آخر، ومن ثم فإن تصاعد الشعبوية و التوجهات اليمينية المتطرفة هى نتاج لإهمال المحليات وحالة الغضب التى تجتاح المواطن نتيجة لذلك، واستغلال السياسيين المتطرفين لذلك. ويؤكد الكاتب أيضا أهمية اللامركزية، والحاجة الى الدفع مرة أخرى بعملية اتخاذ القرارات إلى المجتمع المحلى، وتبنى ما يعرف بالشمول المحلى، الذى يستوعب الجميع على هذا المستوى.

الأفكار السابقة التى يطرحها الاقتصادى الهندى راغورام راجان و التى تحظى الآن باهتمام كبير على مستوى العالم، تثير فى الذهن قضية المحليات فى مصر، وهو الملف الذى جرت محاولات كثيرة لتطويره خلال العقود الماضية و لكنها للأسف لم تكتمل، بل و جدت مقاومة من بعض المسئولين على المستوى المركزى الذين لا يريدون التخلي عن بعض سلطاتهم للمحليات، بل و ردد بعضهم شعارات مثل أن اللامركزية سوف تقوض بنيان الدولة المصرية، وتضعف الإحساس بالهوية الوطنية، يضاف لذلك أن المحاولات السابقة للتطوير أغفلت مسألة التمكين المالي للمحليات، أى قدرتها على تنمية مواردها المالية من خلال فرض رسوم أو ضرائب لتمويل الأنشطة المحلية، واستمر اعتماد المحليات على الموازنة المركزية للدولة، وحتى عدم استفادتها من الضرائب العقارية، التى تقوم فكرتها فى معظم دول العالم على التحصيل والإنفاق المحلى. و الواقع أنه دون تمكين مالى للمحليات يصبح من الصعب تصور أى تطوير فى أدائها. يضاف لذلك أن الجهود السابقة لم تعط الأهمية الواجبة لتطوير آليات رقابة شعبية فعالة على المسئولين التنفيذيين على المستوى المحلى. ونتيجة لما سبق استطاعت قوى التطرف السياسى أن تقوى قواعدها على المستوى المحلى و تملاء الفراغ الناتج عن عدم الاهتمام به.

الخلاصة أن كتاب العمود الثالث يوضح أن العالم أصبح يعطى أهمية كبيرة لتطوير المحليات لأسباب لا تتعلق فقط بالتنمية الاقتصادية ولكن لمواجهة قوى التطرف السياسى أيضا، وما احوجنا فى مصر ونحن ندخل مرحلة إقتصادية وسياسية جديدة، أن نستعيد الاهتمام بهذا الملف.

*نقلا عن صحيفة “الأهرام”، نشر بتاريخ ٣ مايو ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر