loader

بدون “ناتو” أفضل

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

أشار العديد من المصادر الصحفية إلى قيام مصر بالانسحاب من المناقشات المتعلقة بإنشاء ما يعرف بالتحالف الاستراتيجىفى الشرق الأوسط، والذى اشتهر إعلاميا باسم «الناتو العربى»، وهى الفكرة التى طرحها الرئيس الأمريكى ترامب عام ٢٠١٧. القرار المصرى يستحق بالتأكيد التقدير والإشادة، ويأتى معبرا عن مصالح الدولة المصرية، ومتوافقا مع المزاج العام للمصريين. وبالرغم من أن التفاصيل المتعلقة بإنشاء هذا التحالف لم تظهر للنور بعد، ومازال النقاش دائرا بشأنها، إلا أن الفكرة من البداية يعتريها القصور ويواجهها الكثير من التحديات. فهناك أولا السوابق التاريخية الفاشلة، فهذه ليست المرة الأولى التى تساند فيها الولايات المتحدة فكرة إنشاء حلف فى المنطقة، فقد ساعدت من…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

أشار العديد من المصادر الصحفية إلى قيام مصر بالانسحاب من المناقشات المتعلقة بإنشاء ما يعرف بالتحالف الاستراتيجىفى الشرق الأوسط، والذى اشتهر إعلاميا باسم «الناتو العربى»، وهى الفكرة التى طرحها الرئيس الأمريكى ترامب عام ٢٠١٧. القرار المصرى يستحق بالتأكيد التقدير والإشادة، ويأتى معبرا عن مصالح الدولة المصرية، ومتوافقا مع المزاج العام للمصريين.

وبالرغم من أن التفاصيل المتعلقة بإنشاء هذا التحالف لم تظهر للنور بعد، ومازال النقاش دائرا بشأنها، إلا أن الفكرة من البداية يعتريها القصور ويواجهها الكثير من التحديات.

فهناك أولا السوابق التاريخية الفاشلة، فهذه ليست المرة الأولى التى تساند فيها الولايات المتحدة فكرة إنشاء حلف فى المنطقة، فقد ساعدت من قبل فى تكوين حلف بغداد عام ١٩٥٥، وذلك بهدف مواجهة الشيوعية بالشرق الأوسط، ولكن هذا التحالف كان مصيره الفشل. اليوم يطرح ترامب فكرة إنشاء تحالف جديد برعاية الولايات المتحدة، ومع احتمال تكرار تجربة الفشل، فهناك أيضا فارق كبير بين الحلفين، وهو أن حلف بغداد استمر لعدة سنوات وفى ظل أكثر من رئيس أمريكى لأنه كان تعبيرا عن الأيديولوجية التى توافقوا عليها فى ظل الحرب الباردة وهى احتواء الاتحاد السوفيتى، أما التحالف الجديد فهو يرتبط بالأساس برؤية الرئيس ترامب، ولا يوجد ضمان على استمراره بعد غيابه عن البيت الأبيض، وبالتالى فهو نوع من الاستثمار قصير المدى غير مضمون المستقبل.

التحدىالثانى يتعلق بغياب التوافق على تحديد أهداف التحالف وطبيعة التحديات والتهديدات التى تواجهه. هل هى مكافحة الإرهاب والتطرف أم مواجهة إيران، أم الحد من تزايد النفوذ الصينىوالروسى بالمنطقة، كما تشير بعض الوثائق الأمريكية، وهى أهداف يتباين فيها الإحساس بدرجة الخطر بين الأعضاء المحتملين للتحالف.

والتحدى الثالث يتعلق بالجوانب المؤسسية للتحالف، فحلف الناتو الأصلى له قيادة عسكرية يتولاها دائما جنرال أمريكى، وقيادة للعمليات مسؤولة عن تخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية للحلف على المستويات الاستراتيجية والتكتيكية، وهناك مقر لقيادة الحلف فى بلجيكا، وتتولى الولايات المتحدة توفير النصيب الأكبر من الموارد التى يحتاجها الحلف، ويبقى السؤال من سيتولى هذه المهام والأدوار فى إطار الناتو العربى، وماهى طبيعة الدور الأمريكى فيه، وهل سيكتفى بالمساندة بالخارج دون المشاركة فى العضوية، أم سيقتصر على بيع السلاح لدول التحالف، أم يستهدف مجرد ملء الفراغ الناتج عن تخفيض ارتباطه بالمنطقة، وكى يوجه موارده العسكرية لمناطق أخرى.

ملاحظة أخيرة، وهى وجود قدر من التزامن بين الإعلان عن انسحاب مصر من الناتو العربى، وبين بدء جولة جديدةمن المناورات العسكرية المشتركة بين مصر واليونان وقبرص، والمعروفة باسم «ميدوزا ٨»، والدول الثلاث أعضاء فى منتدى غاز الشرق الأوسط، الذى أعلن عن تأسيسه هذا العام، ويوجد مقره بالقاهرة، ويوجد بينها تعاون كبير فى الاستفادة من الثروة الجديدة المكتشفة بشرق المتوسط. ربما يكون التزامن بين الانسحاب من الناتو العربى والمناورات الثلاثية مجرد صدفة، ولكن يمكن أيضا أن يشير إلى دلالة أن مصر لها أولوياتها، وأن تخفيف الحركة فى منطقة معينة قد يصاحبه زيادتها فى منطقة أخرى، وأن التعاون الإقليمى تزداد درجة نجاحه عندما تتوافق الرؤى بخصوص مصادر التهديد، وفوائد التحالف.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢٢ أبريل ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر