loader

الذئاب البيضاء

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

سوف يتوقف المحللون كثيرًا أمام الحادث الإرهابى الدنىء الذي راح ضحيته ما يقرب من خمسين من المصلين الأبرياء في نيوزيلندا يوم الجمعة الماضى. وأرصد هنا عددا من الملاحظات السريعة: أولًا- تنامت ظاهرة «القومية البيضاء» أو بعبارة أكثر صراحة «العنصرية البيضاء»، أي هؤلاء الذين يعتقدون أن الحضارة الغربية تتعرض لغزو من أصحاب البشرات غير البيضاء، وأن هذا الغزو لا يمثل فقط تهديدًا ثقافيًا، بل هو تهديد سكانى أيضًا، في ظل ترديد شعارات أن زيادة أعداد المهاجرين للدول الغربية سوف تجعل الملونين وبخاصة القادمون من الدول الإسلامية هم الأغلبية السكانية، بدلا من البيض، وأن الشريعة الإسلامية سوف يتم تطبيقها في المجتمعات الغربية.…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

سوف يتوقف المحللون كثيرًا أمام الحادث الإرهابى الدنىء الذي راح ضحيته ما يقرب من خمسين من المصلين الأبرياء في نيوزيلندا يوم الجمعة الماضى. وأرصد هنا عددا من الملاحظات السريعة:

أولًا– تنامت ظاهرة «القومية البيضاء» أو بعبارة أكثر صراحة «العنصرية البيضاء»، أي هؤلاء الذين يعتقدون أن الحضارة الغربية تتعرض لغزو من أصحاب البشرات غير البيضاء، وأن هذا الغزو لا يمثل فقط تهديدًا ثقافيًا، بل هو تهديد سكانى أيضًا، في ظل ترديد شعارات أن زيادة أعداد المهاجرين للدول الغربية سوف تجعل الملونين وبخاصة القادمون من الدول الإسلامية هم الأغلبية السكانية، بدلا من البيض، وأن الشريعة الإسلامية سوف يتم تطبيقها في المجتمعات الغربية.

ثانيًا– على الرغم من أن حملات الكراهية هذه توجه إلى أبناء العديد من الأقليات الذين يعيشون في الغرب، مثل السود والآسيويين والمهاجرين من دول أمريكا اللاتينية، إلا أن المسلمين يمثلون المركز الذي تصوب نحوه سهام الكراهية. والذى يقرأ البيان الذي كتبه الإرهابىالأسترالى المسؤول عن مذبحة المصلين في نيوزيلندا (والمكون من 72 صفحة) وما نشره على الإنترنت نجده يمجد الحروب الصليبية ضد المسلمين، ويشير بشكل خاص إلى معركة فيينا عام 1683 والتى كانت نتيجتها وقف مد الإمبراطورية العثمانية في أوروبا.

ثالثًا– أسهم الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى في تعزيز هذه الموجة من العنصرية البيضاء، فالإرهابىالأسترالى لم يكن له سوابق جنائية، ولم يكن عضوا في تنظيم معين، وبالتالى فهو نموذج لظاهرة «الذئاب المنفردة»، ولكنه وجد صدًى لأفكاره على الإنترنت، وبين أقرانه الذين يؤمنون بنفس التوجهات من الذئاب البيضاء، وبالتالى لم يعد يشعر بأن أفكاره تمثل الهامش أو غير المألوف (كما في عصر ما قبل الإنترنت)، وأضفى الفضاء الإلكترونى شعبية وشريعة لأفكاره، وإحساسه بالانتماء لظاهرة كبيرة وعابرة للدول والمجتمعات.

رابعًا– مما لا شك فيه أن تصريحات العديد من القادة السياسيين الغربيين، وفى مقدمتهم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب- قد أسهمت في نمو هذه الظاهرة من العنصرية البيضاء وكراهية المسلمين. ولا يمكن أن ننسى أن أحد قرارات ترامب الأولى كان وضع حظر على دخول المواطنين من عدد من الدول الإسلامية إلى الولايات المتحدة، وحديثه عن وقف الهجرات غير الشرعية به إشارات إلى خطورة المهاجرين من الشرق الأوسط.

ويكفى أن ترى رد فعله التلقائى في أي مؤتمر صحفى للأسئلة التي توجه له من صحفيين أجانب من أصحاب البشرات غير البيضاء والذين يتحدثون بلكنة قوية، وازدراءه الضمنى لهم.
باختصار، وعلى الرغم من وجود مساحة من المصالح المشتركة بين ترامب وعدد من الدول العربية والإسلامية حول قضايا الإقليمية، لكن ذلك لا ينفى حقيقة أن الرجل يحمل مشاعرَ وأفكارًا عنصرية كامنة تجاه العرب والمسلمين، ويعد أحد رموز «الهوية البيضاء»، كما وصفه الإرهابىالأسترالى في بيانه.

وعلى الرغم من إدانة ترامب مذبحة المسجدين بنيوزيلندا، فإنه يرفض الربط بين الأعمال الإرهابية وظاهرة القومية البيضاء، في حين لا يتردد في الربط بين الإرهاب والدين الإسلامى، ودون أي استثناءات.

وأخيرًا، فإن مذبحة المسلمين في نيوزيلندا والاعتداء الذي تعرض له معبديهودى في ولاية بنسلفانيا الأمريكية في أكتوبر الماضى- يؤكدان أن معاداة السامية والإسلاموفوبيا أو كراهية المسلمين لها نفس الجذور، وأن مكافحة العنصرية وجرائم الكراهية يجب أن توحد بين أتباع الأديان المختلفة.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ١٨ مارس ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر