تقارير

قبل أن تتحول مصراتة إلى “إدلب” ليبية

تصاعدت في الفترة الأخيرة العمليات العسكرية المباشرة للجيش الوطني الليبي ضد مواقع الميليشيات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق في مدينة مصراتة، عبر طلعات متتالية للقوات الجوية استهدفت مخازن العتاد وحظائر وغرف تشغيل الطائرات المسيرة التركية. وقد أمهلت القيادة العامة للجيش ميليشيات المدينة ثلاثة أيام -انتهت الأحد 22 ديسمبر الجاري- للانسحاب من محاور القتال حول العاصمة طرابلس ومدينة سرت، والتراجع عن دعم حكومة المجلس الرئاسي.  هذا التقرير يهدف إلى كشف الخلفية العامة لمدينة مصراتة في القتال الجاري حول العاصمة، ولماذا يضعها الجيش الليبي في مقدمة أولوياته للتعاطي مع التهديدات القائمة من الميليشيات المسلحة التابعة للوفاق؟ بالإضافة إلى استشراف التحول الذي يمكن أن…

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح

تصاعدت في الفترة الأخيرة العمليات العسكرية المباشرة للجيش الوطني الليبي ضد مواقع الميليشيات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق في مدينة مصراتة، عبر طلعات متتالية للقوات الجوية استهدفت مخازن العتاد وحظائر وغرف تشغيل الطائرات المسيرة التركية. وقد أمهلت القيادة العامة للجيش ميليشيات المدينة ثلاثة أيام -انتهت الأحد 22 ديسمبر الجاري- للانسحاب من محاور القتال حول العاصمة طرابلس ومدينة سرت، والتراجع عن دعم حكومة المجلس الرئاسي. 

هذا التقرير يهدف إلى كشف الخلفية العامة لمدينة مصراتة في القتال الجاري حول العاصمة، ولماذا يضعها الجيش الليبي في مقدمة أولوياته للتعاطي مع التهديدات القائمة من الميليشيات المسلحة التابعة للوفاق؟ بالإضافة إلى استشراف التحول الذي يمكن أن تقود إليه التغيرات الحادثة على مسرح الأزمة الليبية.

مصراتة.. عاصمة لتجارة الحرب في ليبيا

تمثل مدينة مصراتة إحدى محطات الإسناد القوية للمجموعات المقاتلة في صفوف حكومة الوفاق بطرابلس. ومنذ اندلاع ثورة فبراير 2011، أحكمت مصراتة سيطرتها على قطاع كبير من الأسلحة والذخائر التي تم نهبها من مخازن الجيش الليبي. وأصبحت مصراتة ذات أهمية متزايدة مع تجدد دورات الصراع الليبي؛ حيث لعبت من خلال موقعها الاستراتيجي وقدراتها العسكرية وعلاقاتها القوية دورًا بالغ الأثر في توجيه دفة الصراع نحو مزيد من الاشتعال على مدار الأعوام الماضية، والتي بلغت أوجها في سيطرة ميليشيات مصراتة على العاصمة بعد إطلاقها عملية “فجر ليبيا” يوليو 2014. كما أعلن المجلس العسكري بمصراتة، في يناير 2017، انضمامه إلى المنطقة العسكرية الوسطى التابعة للمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق بكافة الكتائب المنضوية تحته كقوة نظامية أو احتياطية.

ونجح التيار المتشدد وقادة الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، منذ نهايات 2017، في الانفراد بالمدينة وإقصاء أية أصوات نادت بإيقاف النشاط العسكري للميليشيات. سابقًا، انقسمت المدينة إلى جناحين؛ أولهما، الجناح المتصدر للمشهد الآن ويمثله قادة الميليشيات وأعضاء مجلس النواب -بطرابلس- وأعضاء مجلس الدولة، وينتمي معظمهم إلى تيار الإسلام السياسي، وعلى رأسهم “صلاح بادي” القيادي الميليشياوي و”فتحي باشاغا” وزير الداخلية بحكومة الوفاق. أما الجناح الثاني فتم إقصاؤه بشكل كبير، وكان يمثله عميد بلدية مصراتة الأسبق “محمد اشتيوي”، والذي تم اغتياله في ديسمبر 2017، وتُنسب عملية اغتياله إلى هذا التيار المتشدد بالمدينة. 

ويُقدر أعداد المسلحين بمصراتة بحوالي 30 ألف فرد، يمثلون القوة الرئيسية للوفاق، حيث سيطرت كتائب مصراتة وميليشياتها على طرابلس، وتتخذ تلك القوات أشكالًا عدة للتواجد، ومنها “ميليشيات الصمود” التي يقودها “صلاح بادي”، و”كتيبة الحلبوص” ويقودها “عبدالسلام الروبي”، و”القوة الثالثة” ويقودها “محمد الفلاو”، فضلًا عن “ميليشيا 166″، و”ميليشيا الطاجين”، و”القوة المتحركة”، و”ميليشيا شريخان”. وتمثل المدينة ملجأ للعناصر الإرهابية الهاربة من ضربات الجيش الوطني كداعش والقاعدة وأنصار الشريعة والجماعة الليبية المقاتلة، وتلقى العديد منهم العلاج في المستشفى الميداني الإيطالي بمصراتة. وكشفت تقارير عدة عن تعاقد الكلية الجوية بمصراتة مع مجموعات من المرتزقة الأجانب لتنفيذ عدد من الضربات الجوية على المناطق المدنية المؤيدة للجيش الليبي، كما تشاركها أنقرة في استقدام عناصر تكفيرية من العراق وسوريا عبر الميناء والمطار للقتال ضد الجيش الليبي.

وتتمتع المدينة بموقع استراتيجي يبعد عن العاصمة حوالي 206 كيلومترات، وتطل على البحر المتوسط، وبها ميناء “قصر أحمد” الذي يمثل محور اتصال خارجي فعال. ويعتبر هذا المنفذ البحري الأكثر نشاطًا بين موانئ المنطقة الغربية، وسمح للمدينة باستقبال شحنات عسكرية تركية متلاحقة رغم حظر التسليح المفروض على ليبيا. كما أسهم في تسليح ميليشيات المدينة بشكل كبير، بالإضافة إلى استقباله البعثة الإيطالية التي ضمت قرابة 400 عسكري وآليات بحرية وجوية. وقد قدمت هذه القوة الإيطالية دعمًا تدريبيًّا متقدمًا لمسلحي المدينة، ولعبت دورًا في تقديم معلومات استراتيجية تم تمريرها إلى حكومة الوفاق حول تحركات قوات الجيش الليبي بالمنطقة الغربية.

وعلى الجانب الآخر، فإن مطار مصراتة يحوي قسمين؛ أحدهما مدني والآخر عسكري، ويخدم الشق المدني حوالي 184 رحلة أسبوعيًّا، تتنوع وجهاتها الخارجية بين الأردن وتونس وتركيا والنيجر والسودان، فيما تنحصر الرحلات الداخلية مع مطار سبها الجنوبي. بينما يستقبل الشق العسكري طائرات شحن عسكرية تركية، ويحتوي على مخازن للعتاد القادم لحكومة الوفاق، وهناجر وغرف إدارة الطيران المسير التركي.

ومنذ انطلاق الجيش الليبي لمواجهة خطر التنظيمات الإرهابية والتشكيلات المسلحة، انتهج المجلس البلدي بمصراتة مجموعة من الإجراءات لدعم تلك المجموعات المرتبطة بقيادات متطرفة وأخرى مرتبطة اقتصاديًّا بتلك التنظيمات، وكشف الجيش الوطني في عام 2014 عن انطلاق مجموعات داعمة للمتطرفين في درنة عبر سفن وقوارب من سواحل مصراتة. كما حاولت ميليشيات المدينة السيطرة على منطقة “الهلال النفطي” في جولات متعددة، ولكنها فشلت في التغلب على حرس المنشآت النفطية التابع للجيش. وانضمت المدينة وما تضمه من ميليشيات إلى حكومة المجلس الرئاسي عقب تطهير الجيش الوطني لإقليم الشرق والاتجاه إلى الجنوب الغربي ثم إلى العاصمة؛ وذلك بهدف ضمان نفوذها الواسع في توجيه حكومة الوفاق، والمكاسب الاقتصادية التي تجنيها عبر تجارة الحرب الدائرة في مرافق المدينة، والتسهيلات التي تحصدها من المجلس الرئاسي، بالإضافة إلى التجهيزات العسكرية التي تصلها من أنقرة وإيطاليا.

مصراتة على خطى إدلب

بالتزامن مع إطلاق الجيش الوطني عملية تحرير قلب العاصمة، في 12 ديسمبر 2019، أعلن المجلس البلدي بمصراتة والمكونات التابعة له حالة النفير العام لمواجهة الجيش الوطني. وتضمن البيان الصادر عنهم تسخير كافة إمكانيات المدينة لصالح المجلس الرئاسي، وتشكيل غرفة طوارئ للتعاون مع حكومة الوفاق في مواجهة الجيش. وفي السياق ذاته، اتجهت تركيا إلى تكثيف دعمها لحكومة الوفاق عبر مطار مصراتة، حيث استقبل المطار عدة طائرات شحن عسكرية تركية. وفور وصول تلك المعدات والذخائر أجرى طيران الجيش الليبي هجمات عدة استهدفت مخازن تلك الشحنات، وتم تدميرها بالكامل وفقًا لبيان الناطق باسم القيادة العامة اللواء “أحمد المسماري”.

وتمثل الاستراتيجية التي يُدير بها المجلس العسكري والبلدي لمصراتة علاقاتهما بالمجلس الرئاسي والقوى الخارجية، وعلى رأسها تركيا، خطورة كبرى على مستقبل الدولة الوطنية الليبية، وتهدد بتقويض جهود القوات المسلحة الليبية في تطهير ليبيا من الإرهاب ومواجهة التدخلات الخارجية المقوضة للاستقرار. وانطلاقًا من التقارب بين التعاطي التركي في الأزمة السورية والإجراءات الأخيرة التي انتهجتها حكومة الوفاق وأنقرة، وتوقيع اتفاقيات للتعاون البحري والجوي، فضلًا عن التنامي الملحوظ في دعم “أردوغان” للميليشيات عبر بوابات مصراتة، يمكن استشراف أن تصبح المدينة هي الأقرب لتطبيق النموذج التركي -ثقب أسود- للمدن الحاضنة للعناصر المتطرفة، تمهيدًا لتوفير دعم مباشر لها وتوجيهها لإحداث عرقلة لمسارات بناء حل سياسي للأزمة، وهو ما يرتبط بعدة محددات يمكن بيانها فيما يلي:

أ- نقل وتمكين المقاتلين من ساحات التطرف: وهو ما شرعت به أنقرة فعليًّا منذ إحكام النظام السوري سيطرته على مناطق واسعة بالبلاد، وتزايد خطر إجهاز الطيران السوري والروسي على ريف إدلب -الذي تم تجميع عناصر داعش والنصرة والإخوان فيه- ولذلك حاولت تركيا استثمار تلك العناصر والحفاظ عليها عبر نقلها عبر جسر جوي إلى مصراتة -تم عرضه في تقرير سابق- تمهيدًا للدفع بها في محاور القتال ضد قوات الجيش الوطني ضمن صفوف ميليشيات الوفاق، فضلًا عن تقديم الدعم اللازم لهم ولميليشيات المدينة.

ب- التأثير في البنية السكانية في بعض المناطق: تقوم تلك الخطوة على أهمية تعزيز حالة من النفوذ القائم على تفتيت المكونات الوطنية الكائنة بتلك المناطق، وخلق حالة من الفراغ السكاني يتم تعويضها لاحقًا بالمقاتلين الأجانب وعائلاتهم وغيرهم من العناصر الأجنبية التي ساهمت في فترات سابقة بتحقيق أهداف عسكرة تركية. وقد حدث هذا النموذج في الجنوب الليبي خلال الأشهر الماضية مع سيطرة ميليشيات وعصابات من دول مجاورة موالية لحكومة الوفاق على مدن مهمة بالجنوب، كالهجوم على مدينة “مرزق”، وتم اتّباع سياسات تهجير قسري للمكونات العربية بتلك المناطق، وجرى توطين تلك العصابات بها. حتى وإن كان هذا السيناريو بعيدًا عن مصراتة فإنه قابل للتطبيق في تخومها التي جرى تفريغها من سكانها عقب أحداث فبراير 2011 كمنطقة تاورغاء. 

ج- إيجاد موطئ قدم للتدخل بذريعة إنسانية/ سياسية: تعتبر تلك المرحلة مرحلة تدويل الأزمة وتقديم ذرائع للتدخل؛ حيث تدفع تركيا بتلك المتلازمات المتصلة بحماية الأمن الإنساني -كما هو الحال في إدلب- وكيف يؤثر هذا الوضع المتأزم على دول الجوار ومصالحها، ثم تتقدم بشكل علني لتقديم الدعم لتلك التجمعات والتنظيمات، مستهدفةً فرض أمر واقع ذي مردود إيجابي على خططها بتلك المناطق. وفي الحالة الليبية يمكن أن يكون ذلك عبر نقل المجلس الرئاسي وحكومته إلى مصراتة، وخلق جيب أمني-سياسي يمكن توظيفه بشكل دولي للتدخل وفرض مسارات لحل الأزمة سياسيًّا بما يتوافق ورؤى الأطراف الخارجية، والذي سيمكّن تلك الميليشيات من إعادة تنظيم صفوفها لتصبح حجر عثرة أمام أية محاولات للحل، بل وقد يمتد إلى تجدد دورة الصراع من جديد والعودة للمربع صفر.

ومع تداعى أركان ميليشيات طرابلس والمجلس الرئاسي وحكومته، من الأهمية أن تعي المكونات الليبية والأطراف المنخرطة بالأزمة خطورة ما يمثله استنساخ تركيا لنموذج “الثقب الأسود” في “إدلب”، وهو النموذج الذي يستوعب كافة العناصر الإرهابية على اختلاف ولاءاتها، ثم تتحول إلى مناطق أخرى دون أثر لتدير المعارك التي يجري توكيلها بخوضها عبر أجهزة استخباراتية إقليمية. ويثير هذا المخطط التركي أهمية سرعة حسم العملية العسكرية لتحرير قلب العاصمة للجيش الوطني، وإحكام الحظر الجوي والبحري الذي تم إعلانه؛ لقطع الطريق أمام تطبيق المراحل المتقدمة من نموذج “إدلب”، وإيقاف أي دعم تركي يُقدم للميليشيات، وإفقادها القدرة على التحرك من العاصمة إلى مصراتة والعكس.

مجمل القول، إن السلوك التركي المزعزع لاستقرار وسلامة الدول الوطنية في سوريا وليبيا لا يُتوقع أن يأخذ مسارات أقل حدة خلال الفترة القادمة؛ حيث ترى أنقرة في تراجعها الآن عن التحكم في مسار الصراع الليبي والتخلي عن الميليشيات والتنظيمات الإرهابية خسارة كبرى لاستثمارات طائلة تكبدتها خزائنها طمعًا في ثروات الإقليم. ولذا فإن إيقاف دورة الصراع في ليبيا لن يتحقق فقط بحسم معركة العاصمة وتحرير قلب طرابلس، بل يتوقف على مدى قدرة البرلمان والقوات المسلحة على إيجاد مساحات للتقارب بين كل الليبيين، وإيقاف المد “العثماني” وميليشيات مصراتة عن إدخال ليبيا إلى قلب صراع يغير من ملامح الهوية الوطنية الليبية.

حسين عبد الراضي
باحث بوحدة التسلح