تقارير

“دولار الكرامة”.. رهان “عبدالله حمدوك” على الشعب السوداني

أطلق رئيس الوزراء السوداني الجديد “عبدالله حمدوك” حملة بعنوان “نعم لدولار الكرامة، ولا للاستدانة” لدعم الاقتصاد السوداني، وذلك بعد لقاء تلفزيوني تم بثه في عددٍ من القنوات السودانية يوم السبت 24 أغسطس 2019 أعلن فيه حاجة البلاد لمساعدات أجنبية تقدر بنحو 8 مليارات دولار لتغطية الواردات، وإعادة بناء الاقتصاد بعد الاضطرابات السياسية المستمرة منذ أشهر، على أن يصل منها ملياران في غضون ثلاثة أشهر لإنهاء خطر عدم كفاية الاحتياطي من السلع الأساسية، فضلًا عن حاجة السودان إلى ملياري دولار إضافية كاحتياطي في البنك المركزي لوقف تراجع العملة المحلية. وفور طرحها، لاقت مبادرة “حمدوك” تجاوبًا جماهيريًّا واسعًا في مواقع التواصل الاجتماعي…

هايدي الشافعي

أطلق رئيس الوزراء السوداني الجديد “عبدالله حمدوك” حملة بعنوان “نعم لدولار الكرامة، ولا للاستدانة” لدعم الاقتصاد السوداني، وذلك بعد لقاء تلفزيوني تم بثه في عددٍ من القنوات السودانية يوم السبت 24 أغسطس 2019 أعلن فيه حاجة البلاد لمساعدات أجنبية تقدر بنحو 8 مليارات دولار لتغطية الواردات، وإعادة بناء الاقتصاد بعد الاضطرابات السياسية المستمرة منذ أشهر، على أن يصل منها ملياران في غضون ثلاثة أشهر لإنهاء خطر عدم كفاية الاحتياطي من السلع الأساسية، فضلًا عن حاجة السودان إلى ملياري دولار إضافية كاحتياطي في البنك المركزي لوقف تراجع العملة المحلية. وفور طرحها، لاقت مبادرة “حمدوك” تجاوبًا جماهيريًّا واسعًا في مواقع التواصل الاجتماعي من خلال المقترحات والمداخلات المؤيدة.

وقد جاءت هذه المبادرة اتساقًا مع تشخيص “حمدوك” لمشكلة السودان الاقتصادية، ورؤيته لآليات مواجهتها، حيث يسعى إلى اعتماد بلاده في المستقبل على كوادرها الوطنية ومواردها الذاتية في إصلاحاتها الاقتصادية، بعيدًا عن أجندة المانحين الدوليين التي تفرض شروطًا صعبه أبرزها تعويم العملة الوطنية، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل الوضع المتدهور في السودان اقتصاديًّا وسياسيًّا. إذ يعاني الاقتصاد السوداني من أزمات مركّبة ازدادت حدتها خلال الأشهر الماضية، أبرزها: شُح السيولة، وانهيار النظام المصرفي، وتراجع قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار، وزيادة حجم الدين الخارجي الذي وصل إلى نحو 58 مليار دولار في مايو 2019، وارتفاع أسعار السلع التي تجاوزت 200% لبعض السلع، في ظل معدل تضخم يصل إلى نحو 52.5% في يوليو الماضي. كل ذلك في ظل سياق سياسي مضطرب ومعقد لن يسمح باستمرار الأزمة الاقتصادية طويلًا دون حل.

مبادرة “دولار الكرامة”

تقوم مبادرة “دولار الكرامة” بالأساس على مساهمة السودانيين العاملين بالخارج، وهو ما قد يفسره انتماء “حمدوك” لهذه الفئة بعد أن قضى سنوات طويلة من العمل بالخارج. فقد دعا “حمدوك” المغتربين والمهاجرين لإيداع مبلغ 500 دولار مستردة من دون فوائد، لتوفير مبلغ 10 مليارات دولار، وذلك عبر فتح حساب خاص بالمغتربين لدى البنك المركزي السوداني يحمل اسم المبادرة، لإيداع مساهماتهم الدولارية لتوفير المبلغ المطلوب حتى لا تضطر حكومة السودان لطلب مساعدات خارجية، وذلك دعمًا لمقولة حمدوك: “إن الاقتصاد يجب أن يُبنى على الإنتاج وليس الهبات”.

ومع تواتر المقترحات حول قيمة الوديعة، استقر الأمر عند مبلغ (100 دولار) لكل فرد مغترب، وبدأ عدد من المتحمسين للمبادرة في حث أبناء السودان على الاستجابة، مشيرين إلى أن السودانيين المنتشرين في كل العالم قادرون على دعم دولتهم وثورتهم الشعبية دون الاستدانة من أي دولة، أو الاعتماد على الهبات أو القروض، وأعلن كثيرون عزمهم إيداع أكثر من 500 دولار، فيما أكد عدد من المغتربين أن تلبية نداء الوطن بتحويل مبلغ 1000 دولار لن يثقل كاهلهم.

ولم يكن تركيز “حمدوك” على السودانيين العاملين بالخارج من قبيل المصادفة، حيث تشير بيانات رسمية صادرة عن “جهاز شئون العاملين بالخارج” إلى أن عدد السودانيين المغتربين المسجلين رسميًّا يقدر بحوالي 5 ملايين شخص، إلا أن إحصاءات غير رسمية تقدر أعدادهم بأكثر من 10 ملايين، كما قدّر الجهاز قيمة تحويلات المغتربين السودانيين بنحو 6 مليارات دولار سنويًّا.

إعادة إحياء “قرش الكرامة”

ويُذكر أن مبادرة “دولار الكرامة” مستمدة من تجربتين سابقتين حدثتا في السوادن؛ تعود الأولى إلى مرحلة الاستعمار البريطاني تُسمى “قرش الكرامة”، والتي استهدفت توفير التمويل اللازم لإنشاء “معهد القرش الصناعي” لتعليم أبناء السودان ما يفيدهم من العلوم العربية والإسلامية والحرفية بدلًا من المعهد الذي أسسه الاستعمار. 

أما التجربة الثانية فقد ظهرت في عهد الرئيس الأسبق “جعفر نميري”، حين مر السودان بضائقة اقتصادية حدت بالرئيس “النميري” للاقتراض من الرئيس الليبي “معمر القذافي”، وبعد عدة أشهر طلب الأخير من “النميري” أن تمر طائرات الجيش الليبي بالأراضي السودانية لمساندة الرئيس الأوغندي “عيدي أمين”. ومع رفض “نميري” الطلب الليبي، واعتباره يمثل مساسًا بالسيادة الوطنية للسودان، غضب “القذافي” وطلب من “النميري” رد القرض، فلجأ “النميري” لشعبه ليطلق مبادرة “جنيه الكرامة”، حيث نجح حينها في جمع ثلاثة أضعاف القرض، وتم إعادة مبلغ القرض للقذافي من دون المساس بالسيادة الوطنية السودانية.

ردود الأفعال على المبادرة

لاقت مبادرة “دولار الكرامة” قبولًا على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي بين السودانيين المغتربين في الخارج، الذين أكدوا من خلال تفاعلهم على هشتاج (#دولار_الكرامة) دعمهم للمبادرة ونيتهم المشاركة فيها بمبالغ تتراوح بين (100-1000) دولار، فيما ذهب البعض إلى عدم قصر المساهمات على السودانيين وحدهم، بل فتحها لتضم كل المنتمين للدول الشقيقة والصديقة الحريصين على أمن واستقرار السودان ونهضته.

وأشار بعض رواد التواصل الاجتماعي إلى أن مبادرة “دولار الكرامة” لم تكن الأولى وليست الوحيدة، فقد سبقتها مبادرة “تحويل 100 دولار” التي أُطلقت في أبريل الماضي عقب عزل الرئيس السابق “عمر البشير”، لكنها لم تجد ذات الصدى الذي نالته مبادرة “دولار الكرامة”، فضلًا عن وجود مبادرة داخلية بالعملة المحلية أيضًا للمقيمين بالداخل.

وفي الوقت ذاته، ظهر اتجاه مشكك في جدوى المبادرة وفعاليتها في إنقاذ اقتصاد السودان، في ظل الأوضاع المتردية في الداخل. فعلى الرغم مما وجدته المبادرة من قبول وتشجيع من قِبل السودانيين المقيمين في الخارج؛ إلا أن هناك بعض المخاوف التي عبر عنها العديد من المغتربين في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية في السودان، وانعدام الثقة في النظام المصرفي السوداني، حيث إن 98% من العملة يتم تداولها خارج الجهاز المصرفي، الأمر الذي يشير إلى ضرورة خلق آلية واضحة لتطبيق هذه المبادرة وكيفية توظيف الأموال المحولة وفقًا للأولويات الوطنية، وتوضيح كيفية استرداد الأموال للمغتربين، في نهاية المرحلة.وأخيرًا، تشير التجارب السابقة لـ”قرش الكرامة”، و”جنيه الكرامة”، إلى أن شعب السودان يستطيع أن يقدم الكثير من الدعم لاقتصاد بلاده، خاصة في ظل الروح الوطنية لدى المغتربين السودانيين ورغبتهم في دعم اقتصاد السودان، بالإضافة إلى ثقتهم في شخص رئيس الوزراء الجديد رجل الاقتصاد “عبدالله حمدوك” وقدرته على إدارة شئون البلاد في المرحلة الانتقالية. لكن، بفرض نجاح المبادرة في الوصول للمبلغ المطلوب؛ يتعين الإشارة إلى أن مبلغ 10 مليارات دولار لن يكون وحده كافيًا لإصلاح الاقتصاد، لكنه يظل خطوة ضرورية نحو الحل، في ظل ضرورة تجنب تفاقم أعباء الاقتراض الخارجي التي قد لا يتمتع الاقتصاد السوداني على قدرة كبيرة بالوفاء بها إلى حين استقرار الأوضاع السياسية. وحتى إذا لم تستطع المبادرة توفير المبلغ المطلوب بالكامل، فإنها ستسهم على الأقل في توفير جزء منه، مما يساعد في تضييق الفجوة بين المتاح والمطلوب، ويُحسّن من وضع حكومة “حمدوك” إذا ما اضطرت إلى الاقتراض من الخارج.

هايدي الشافعي