تقارير

أزمة “جريس 1”.. دوافع متداخلة وتداعيات غير محسوبة

انطلقت ناقلة النفط الإيرانية العملاقة “جريس 1” في رحلتها عبر طريق رأس الرجاء الصالح متجنبة المرور بقناة السويس، الأمر الذي بدا كمحاولة إيرانية للالتفاف على العقوبات. لكن تم توقيف الناقلة واحتجازها في منطقة جبل طارق الخاضعة للسيادة البريطانية بزعم نقل نفط خام إلى سوريا التي تخضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي، وهو ما أغضب إيران، وأنذر بتصاعد المواجهة بين طهران والغرب. تصريحات متضاربة وتعليقًا على عملية احتجاز ناقلة النفط الإيرانية، أشار رئيس حكومة جبل طارق “فابيان بيكاردو” في بيان له: “لدينا كل الأسباب التي تدعو إلى الاعتقاد بأن (جريس 1) كانت تنقل شحنتها من النفط الخام إلى مصفاة بانياس التي يملكها كيان…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

انطلقت ناقلة النفط الإيرانية العملاقة “جريس 1” في رحلتها عبر طريق رأس الرجاء الصالح متجنبة المرور بقناة السويس، الأمر الذي بدا كمحاولة إيرانية للالتفاف على العقوبات. لكن تم توقيف الناقلة واحتجازها في منطقة جبل طارق الخاضعة للسيادة البريطانية بزعم نقل نفط خام إلى سوريا التي تخضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي، وهو ما أغضب إيران، وأنذر بتصاعد المواجهة بين طهران والغرب.

تصريحات متضاربة

وتعليقًا على عملية احتجاز ناقلة النفط الإيرانية، أشار رئيس حكومة جبل طارق “فابيان بيكاردو” في بيان له: “لدينا كل الأسباب التي تدعو إلى الاعتقاد بأن (جريس 1) كانت تنقل شحنتها من النفط الخام إلى مصفاة بانياس التي يملكها كيان يخضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي”. وأضاف البيان: “بموافقة مني، سعت هيئة الميناء وسلطات إنفاذ القانون لإشراك مشاة البحرية الملكية في تنفيذ هذه العملية”. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية: “نرحب بهذا التصرف الحازم من جانب سلطات جبل طارق، والعمل على تطبيق نظام العقوبات الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي على سوريا”. وقالت حكومة جبل طارق، إنها حصلت على إذن من المحكمة العليا لتمديد احتجاز ناقلة النفط الإيرانية لمدة 14 يومًا. موضحة أن الناقلة موجودة حاليًّا في شرق جبل طارق، فيما يخضع قبطانها وأفراد طاقمها للاستجواب لدى الشرطة كشهود.

وفي المقابل، ذكر القائم بأعمال وزير الخارجية الإسباني “جوسيب بوريل” أن احتجاز الناقلة تم بناءً على طلب من الولايات المتحدة لبريطانيا. قائلًا: “إن لندن قد تحركت بإيعازٍ من الولايات المتحدة في إطار حربها النفطية على إيران، وإن حيثيات إبحار الناقلة قد قدمتها المخابرات الأمريكية لنظيرتها البريطانية، حيث أفادت بأنها محملة بالنفط الإيراني الذي يخضع للعقوبات الأمريكية”. مضيفًا أنه من المرجّح أن يكون الاحتجاز قد تم في المياه الإقليمية الإسبانية أو المتنازع عليها في أحسن الأحوال، الأمر الذي دفع إسبانيا إلى التقدم باحتجاج دبلوماسي أمام بريطانيا.

وجاء الرد الإيراني على لسان نائب وزير الخارجية “عباس عراقجي” بأن “وجهة ناقلة النفط لم تكن لسوريا”. وأضاف أنه لا يوجد قانون يسمح للسلطات في جبل طارق بإيقاف الناقلة، ووصف ما حدث بـ”القرصنة”. بينما أشار وزير الخارجية “جواد ظريف” في تغريدة عبر حسابه الشخصي على تويتر إلى أن إجراءات الحظر التي فرضها الاتحاد الاوروبي ضد سوريا تشمل البلدان الأوروبية فقط، موضحًا أن إيران ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي، ولا تخضع للحظر الأوروبي.

أما وزير الدفاع الإيراني “أمير حاتمي” فقد أشار في كلمة بثها التلفزيون الإيراني الرسمي، إلى أن احتجاز بريطانيا ناقلة إيرانية هو “عمل من أعمال التهديد وغير سليم”. كما نقل التلفزيون الإيراني عن “عباس موسوي” -المتحدث باسم وزارة الخارجية- قوله، إن طهران استدعت السفير البريطاني في طهران بناءً على ما وصفه “الاحتجاز غير القانوني”. وفي السياق ذاته، ذهب “محسن رضائي”، قائد الحرس الثوري السابق والسكرتير الحالي لمجلس تشخيص مصلحة النظام، إلى أنه “من الواجب” على طهران احتجاز ناقلة نفط بريطانية إذا لم يتم الإفراج الفوري عن ناقلة النفط الإيرانية. في أعقاب ذلك، أشارت بعض التقارير إلى أن ناقلة النفط البريطانية “باسيفيك فوياجر” توقفت قرب الشواطئ الإيرانية في الخليج؛ إلا أن مكتب الخارجية البريطانية نفى لـCNN هذه التقارير، لافتًا إلى أن القيادة البحرية البريطانية تواصلت مع قائد السفينة، وتأكدت من عدم وجود أي سبب للإنذار.

دوافع متداخلة

قراءة التصريحات السابقة الصادرة عن الأطراف المعنية تشير إلى تباين دوافع الأطراف، فبينما ظهر مبرر العقوبات على سوريا كسبب رئيسي لعملية الاحتجاز؛ يبدو أن هذا السبب لا يقدم تفسيرًا متكاملًا للحادثة. وكذا فإن اعتبار الأمر طلبًا أمريكيًّا من بريطانيا كنوع من تضييق الخناق على إيران، لا يُمكن إنكاره، وبالأخص مع التزام الأوروبيين الصمت. وفي هذا السياق يُمكن الإشارة إلى أن تعدد الفاعلين أسهم في تعدد الدوافع التي قد تبدو متضاربة:

ففيما يتعلق ببريطانيا، يُمكن القول إنه رغم تصرف بريطانيا على أرضية أوروبية، لكن مع ذلك لا يمكن استبعاد وجود تنسيق بريطاني أمريكي، بهدف سعي بريطانيا للتقارب مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل المسافة المتزايدة بينها وبين الاتحاد الأوروبي عقب خروجها من الاتحاد وتعقد مشكلة “بريكست”. من جانب آخر، يبدو أن بريطانيا هي أكثر الأطراف الأوروبية تشددًا في مواجهة إيران، لذا يبدو أنها تحاول معاقبة إيران على تخليها التدريجي عن التزاماتها بموجب الاتفاق النووي.

وفيما يتعلق بالفاعلين الأوروبيين الآخرين، وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا، والتي التزمت الصمت تقريبًا، فإن هذا الصمت يعود إلى سببين؛ أولهما: الضغط على إيران لإجبارها على الالتزام ببنود الاتفاق النووي. وثانيهما: الرغبة في الضغط على نظام “الأسد”، خاصة مع اتجاهه إلى حسم الوضع في إدلب من خلال القوة العسكرية، حيث عانت المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الحكومة من نقص حاد في الوقود نتيجة لما وصفه الأسد بـ”الحصار الاقتصادي”. أما عن إسبانيا، فيبدو أن رفضها لا يعبر بالضرورة عن وجهة النظر الأوروبية، وإنما ينبع من الخلاف التاريخي بينها وبين بريطانيا.

وأخيرًا، فيما يتعلق بالولايات المتحدة، يُمكن القول إن الإيعاز الأمريكي لبريطانيا باحتجاز ناقلة النفط الإيرانية، هو رسالة أمريكية لإيران مفادها أن واشنطن قادرة على تطبيق سياسة “أقصى ضغط” و”تصفير صادرات النفط الإيراني”. فضلًا عن اتخاذ خطوات على الأرض لتطبيق هذه السياسات، حيث تحول الأمر من مجرد عقوبات اقتصادية إلى تحركات ميدانية في مواجهة إيران، لا تتم فقط عبر الولايات المتحدة وقواتها وإنما عبر حلفائها أيضًا. وعطفًا على ذلك، فإن فقدان إيران للسوق السورية يعني فقدانها مستوردًا مهمًّا للنفط الإيراني. من جانب آخر، يبدو أن الولايات المتحدة تعمل على شق الصف الأوروبي فيما يتعلق بالأزمة الإيرانية، من خلال ضم بريطانيا للموقف الأمريكي المتشدد على حساب الموقف الأوروبي المعتدل. وكذا فإن التصعيد قد يُثني الأوروبيين عن الاستمرار في الاتفاق النووي، ويدفعهم إلى وقف المبادلات مع إيران، والتوجه نحو العقوبات.

سيناريوهات محتملة

يُمكن القول بشكل عام، إن احتجاز ناقلة النفط الإيرانية يُنذر بتصعيد الأوضاع في الخليج مجددًا، لما عكسه من سعي الأطراف إلى الاستمرار في سياسة التصعيد وعدم تقديم أية تنازلات. استنادًا إلى ذلك، يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول- تجدد إلى “حرب الناقلات” 

ينطلق هذا السيناريو من فكرة أساسية مفادها أن هذه الواقعة -حال استمرارها- قد تؤشر إلى تداعيات وخيمة تهدد بتجدد “حرب الناقلات” التي وقعت في ثمانينيات القرن العشرين. ويرجع ذلك إلى التهديدات الإيرانية بشأن احتجاز سفن بريطانية ردًّا على احتجاز ناقلتها. ورغم أن إيران قد تخشى من القيام بذلك خوفًا من العواقب المتوقعة، إلا أنها تمتلك القدرة على القيام بمناوشات بحرية تهدد سلامة السفن وحرية الملاحة، فقد هددت منذ اندلاع الأزمة بأنها ستمنع أي طرف من تصدير نفطه في حال مُنعت إيران من تصدير نفطها. الأمر الذي يعني استمرار فرص اندلاع مواجهة عسكرية في أي لحظة نتيجة التحركات والتحركات المضادة غير المحسوبة. 

السيناريو الثاني- “الإفراج عن الناقلة” 

يستند هذا إلى السيناريو إلى إمكانية احتواء الأزمة من خلال الإفراج عن الناقلة. ومن ثم، فإن احتجاز الناقلة يعني أن الواقعة كانت مجرد رسالة أمريكية إلى إيران مفادها قدرة الولايات المتحدة على تطبيق سياسة “أقصى ضغط”، واستخدام القوة لـ”تصفير النفط”، مع استمرار وجود فرص للجلوس على طاولة المفاوضات.

السيناريو الثالث- “العودة إلى المفاوضات” 

ينطلق هذا السيناريو من كون واقعة احتجاز الناقلة لا تمثل فقط أداة للضغط الاقتصادي، وإنما أداة للضغط النفسي أيضًا على النخبة الحاكمة الإيرانية، ذلك لأنها تؤشر إلى وجود تحركات ميدانية لتنفيذ العقوبات وتصفير النفط الإيراني. الأمر الذي قد يدفع إيران نحو التهدئة، وقبولها الجلوس على طاولة المفاوضات، حتى وإن كان لكسب الوقت. إلا أن فرص هذا السيناريو لا تزال محدودة، لا سيما أن الخطاب الإيراني لا يزال يأخذ منحى تصعيديًّا.

ختامًا، يمكن القول إن السيناريو الثاني هو السيناريو المرجح في هذه الواقعة، استنادًا إلى أن سياسة “ترامب” تقوم على التصعيد المبالغ، ثم إبداء تراجع محدود أو معقول. كما أن هدفه الأساسي ليس الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، وإنما الجلوس على طاولة المفاوضات لضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية 2020.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية