تقدير موقف

الاعتداء على السفارة الأمريكية ببغداد.. احتمالات التصعيد والتهدئة

في شكل جديد من أشكال اشتعال وتأزم الساحة العراقية، اجتمع محتجون موالون للحشد الشعبي أمام مبنى السفارة الأمريكية بالعاصمة بغداد في 31 ديسمبر، وقاموا بإحراق العلم الأمريكي، وإشعال النار في مداخل السفارة، والمطالبة بطرد السفير الأمريكي. وفي خطوة تصعيدية، انضم للمحتجين كل من زعيم ميليشيا “عصائب أهل الحق” قيس الحزعبلي، وزعيم كتلة “الفتح” هادي العامري، احتجاجًا على الغارات الأمريكية التي استهدفت مقار للحشد الشعبي، الأمر الذي أثار تساؤلات حول دوافع ودلالات هذا التصعيد المتبادل، والسقف الذي يمكن أن تصل إليه الأطراف.  دوافع متداخلة تباينت التحليلات بشأن الدوافع التي تقف وراء هذا التصعيد الذي قامت به ميليشيات الحشد الشعبي ضد منشأة…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

في شكل جديد من أشكال اشتعال وتأزم الساحة العراقية، اجتمع محتجون موالون للحشد الشعبي أمام مبنى السفارة الأمريكية بالعاصمة بغداد في 31 ديسمبر، وقاموا بإحراق العلم الأمريكي، وإشعال النار في مداخل السفارة، والمطالبة بطرد السفير الأمريكي. وفي خطوة تصعيدية، انضم للمحتجين كل من زعيم ميليشيا “عصائب أهل الحق” قيس الحزعبلي، وزعيم كتلة “الفتح” هادي العامري، احتجاجًا على الغارات الأمريكية التي استهدفت مقار للحشد الشعبي، الأمر الذي أثار تساؤلات حول دوافع ودلالات هذا التصعيد المتبادل، والسقف الذي يمكن أن تصل إليه الأطراف. 

دوافع متداخلة

تباينت التحليلات بشأن الدوافع التي تقف وراء هذا التصعيد الذي قامت به ميليشيات الحشد الشعبي ضد منشأة أمريكية داخل العراق، وذلك رغم أن حماية السفارات والبعثات الدبلوماسية يقع ضمن مسئوليات الدولة المستضيفة، ومن ثم فإن جزءًا من هذه المسئولية يقع على عاتق “الحشد الشعبي” نفسه، باعتباره جزءًا من مؤسسات الدولة العراقية.

ويمكن طرح خمسة دوافع رئيسية تقف وراء هذا التصعيد. 

1- الرد على الغارات الأمريكية: أوضح بيان وزارة الدفاع الأمريكية أن الغارات الأمريكية استهدفت 5 قواعد تابعة لميليشيات حزب الله العراقي في كل من سوريا والعراق، كما طالت مخازن أسلحة ومواقع للقيادة والسيطرة. وأشار البيان إلى أن الغارات جاءت على خلفية استهداف القاعدة الأمريكية في العراق، والتي أدت إلى مقتل مقاول أمريكي، وإصابة عدد من الجنود. ومن ثم، يمكن اعتبار ما حدث ضربة مضادة عاجلة وصريحة ضد الولايات المتحدة ردًّا على هذه الغارات.

2- رفض التواجد الأمريكي: تتجدد بين حين وآخر الدعوات المطالبة بالرحيل النهائي للقوات الأمريكية عن العراق، سواء من قبل أطراف محسوبة على إيران التي تعتبر الخصم الأهم للولايات المتحدة في المنطقة، أو من قبل أطراف وشخصيات وطنية تسعى لتحرير “الإرادة الوطنية” من الهيمنة الأمريكية. وقد صعد هذا المطلب خلال عام 2015 حينما طالبت لجنة “الأمن والدفاع” بالبرلمان العراقي برفض الوجود البري لقوات أمريكية على أراضٍ عراقية. ثم تجدد المطلب عبر كتلة “سائرون” النيابية المدعومة من قبل زعيم التيار الصدري، معتبرة التواجد الأمريكي تحديًا للإرادة الوطنية، وخرقًا جديدًا للسيادة. لذا، يُمكن اعتبار الاعتداء على السفارة الأمريكية حلقة ضمن سلسلة الرفض العراقي للتواجد الأمريكي. 

3- التغطية على مطالب الاحتجاجات: ارتفع سقف مطالب الاحتجاجات العراقية ليطال تغيير هيكل النظام القائم بطريقة أضحت تهدد مصالح السياسيين والكتل الممثلة داخل النظام. وكان من أبرز مطالب المحتجين رفض التدخل والتوغل الإيراني في الشأن العراقي، الأمر الذي بدا كتمهيد لتحجيم دور الميليشيات والأطراف المدعومة من إيران. وارتباطًا بذلك، اتجه البعض إلى وصف الاحتجاجات بالمؤامرة الخارجية من أجل تعزيز هيمنة وسطوة الولايات المتحدة. لذلك، يُمكن النظر إلى موجة التصعيد على أنه وسيلة للفت النظر بعيدًا عن احتجاجات المتظاهرين، مع الدفع بقضية جديدة تُبلور دور الميليشيات الشيعية كميليشيات “وطنية” تعمل على حماية الوطن في مواجهة القوى الأجنبية. 

4- استغلال زخم الإدانة والعزل: يُمكن النظر إلى حادث الاعتداء على السفارة الأمريكية من منظور بلورة فشل الإدارة الأمريكية في ملف العراق ضمن الفشل الذي طال ملفات خارجية أخرى.

5- الضغط على “ترامب” قبيل انتخابات 2020: قد تمثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2020 مدخلًا لتفسير حادث الاعتداء على السفارة من خلال استغلالها للضغط على “ترامب” لتحقيق مكاسب على الأرض، سواء في داخل العراق أو بشأن الملف النووي الإيراني. ويستند هذا التفسير إلى أن التصعيد الذي يتم عبر إيران ووكلائها يُضعف من مكانة “ترامب” ويشوه صورته ويضعه أمام بدائل محدودة (التصعيد أو الظهور بمظهر المهزوم)، الأمر الذي قد يدفع “ترامب” إلى المهادنة، وتبني سياسات أكثر مرونة مع إيران ووكلائها. 

دلالات الحادث

بلور حادث الاعتداء على السفارة الأمريكية من قبل ميليشيات الحشد الشعبي مجموعة من الدلالات، نوجزها فيما يلي: 

1- استمرار العراق كساحة حرب بالوكالة: دلل هذا الحادث على استخدام العراق بكثافة كساحة للصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة، حيث بدأ باستهداف القاعدة الأمريكية عبر وكلاء إيران، نجم عنها مقتل مقاول أمريكي، وإصابة 4 جنود. ثم قيام الولايات المتحدة بالرد على هذا الهجوم من خلال شن غارات على مواقع تابعة لحزب الله العراقي الموالي لإيران. 

2- تداعيات تأزم الملف النووي الإيراني: اتصالًا مع ما سبقت الإشارة إليه باعتبار العراق ساحة حرب بالوكالة، يتضح جليًا أن التأزم المرتبط بالملف النووي الإيراني ألقى بظلاله على الساحة العراقية من خلال استخدام إيران للعراق كساحة لممارسة الضغط على الولايات المتحدة في مقابل سياسة “أقصى ضغط” التي تمارسها الولايات المتحدة.

3- استمرار الهيمنة الإيرانية على المشهد العراقي: في أعقاب اندلاع الاحتجاجات العراقية التي دعت إلى القضاء على الفساد، وتغيير المعادلة السياسية، ورفض التدخل الإيراني، اتجهت تحليلات عدة إلى أن الاحتجاجات الشعبية العراقية قد تساهم في انحسار الدور الإيراني، وبالأخص مع المشاركة الواسعة للمواطنين الشيعة فيها. إلا أن استهداف السفارة الإيرانية يدلل مجددًا على استمرار الهيمنة الإيرانية ليس فقط في مقابل الاحتجاجات الشعبية، وإنما في مواجهة الدولة العراقية ومؤسساتها. 

4- انحسار الدور الأمريكي: يدلل استهداف السفارة الأمريكية -بجانب الأحداث التي سبقته والخاصة باستهداف القاعدة الأمريكية- على تراجع وانحسار الدور الأمريكي. وبالرغم من أن الإدارة الأمريكية تبنت سياسة قائمة على تقليل التواجد العسكري الأمريكي في الخارج، إلا أنه من غير المتصور أن الإدارة الأمريكية تسعى لأن يكون لها دور محدود أو تأثير ضئيل في الساحة العراقية. وبالتالي، فإن التصعيد الكبير من قبل الميليشيات يعني انحسار الدور الأمريكي التقليدي. الأمر الذي قد يستتبعه إعادة نظر الإدارة الأمريكية في سياستها تجاه العراق.

المسارات المحتملة

بعد استعراض كل من الدوافع والدلالات التي ترتبط بحادث استهداف السفارة الأمريكية في العراق، يتضح مدى التباس وتداخل وتعقد المشهد بطريقة تفرض عددًا من المسارات المحتملة لمستقبل الأزمة خلال الفترة المقبلة. 

المسار الأول- التصعيد الحذر

يستند هذا السيناريو إلى أن حادث الاعتداء على السفارة ليس هو نهاية المطاف، وإنما قد يكون البداية الحقيقية والعملية لعدد من عمليات التصعيد والتصعيد المضاد، انطلاقًا من فكرة أساسية مفادها أن عملية التصعيد رغم تكلفتها إلا أنها قد تخدم مصالح الأطراف المختلفة. فعلى صعيد الولايات المتحدة، قد يساهم التصعيد الأمريكي على الجبهة العراقية في تحويل انتباه الرأي العام الأمريكي بعيدًا عن عملية الإدانة والمساءلة. كما قد تساهم النجاحات الأمريكية على الأرض في تعزيز فرص انتصار “ترامب” في الانتخابات الرئاسية 2020، وبالأخص مع قدرته على توظيف الخطاب القومي الحماسي المرتبط بقوة ومجد الولايات المتحدة. 

أما إيران فقد تستفيد هي الأخرى بكثافة من التصعيد على الساحة العراقية من خلال تقليل أهمية المظاهرات الداخلية، وتحويل نظر المتظاهرين بعيدًا عن المشكلات الداخلية. أضف إلى ذلك أن التصعيد على الساحة العراقية يعني أن إيران ستتحمل تكاليف مادية وسياسية أقل، حيث ستتقاسم العراق معها هذه التكاليف، بجانب الاحتفاظ بهيمنتها ونفوذها على الساحة العراقية. 

أما فيما يتعلق بالعراق، فقد تخدم عملية التصعيد التوازنات السياسية الحالية من خلال تحويل انتباه المتظاهرين عن مطالبهم المرتبطة بتغيير النظام وتحجيم الدور الإيراني لصالح المطالب المرتبطة بإنهاء التواجد الأمريكي. 

المسار الثاني- الاتجاه نحو التهدئة

ينطلق هذا السيناريو من افتراض مفاده تجنب تكاليف التصعيد، باعتبار أنه محرك أساسي لدى الأطراف. ويرتبط بهذا السيناريو قيام الرئيس “ترامب” بإصدار تصريحات تؤكد أن حماية السفارة تقع على عاتق الحكومة العراقية، مشيرًا بأصابع الاتهام إلى إيران. ويرتبط بموقف “ترامب” خوفه من اقتناع الرأي العام الأمريكي بأن هذه الأزمات هي نتاج للإخفاقات المتتالية لسياسته الخارجية في عدد من الملفات، الأمر الذي قد يحفز عملية الإدانة والعزل، كما قد يُساهم في تقليل فرص فوزه في انتخابات 2020. 

أما إيران فقد تتجه إلى التهدئة لأن أوضاعها الداخلية السياسية والاقتصادية تفرض عليها عدم التصعيد الذي يفرض عليها تكاليف جديدة. كما أن الأمر قد يكون سعيًا منها لتهدئة الاحتجاجات الداخلية الرافضة للتوسع في دورها الإقليمي، واحتواء الاحتجاجات العراقية التي ترى في الدور الإيراني محفزًا سلبيًّا. أما بالعراق، فقد ترى أن عليها ضرورة تجنب التصعيد لاحتواء الشارع العراقي المتأجج من جانب، وحفز عملية النمو الاقتصادي من جانب آخر. بالإضافة إلى قناعة الدولة العراقية بضرورة النأي بنفسها بعيدًا عن تكريس دورها كساحة للحرب بالوكالة بين إيران والولايات المتحدة، حتى وإن احتفظت بعلاقتها الوثيقة مع إيران من جانب، أو سمحت باستمرار التواجد العسكري الأمريكي من جانب آخر.

ختامًا، يمكن القول إن حادث الاعتداء على السفارة الأمريكية ببغداد يكشف مجددًا مدى تعقد وتداخل المشهد السياسي والأمني في العراق، وتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين. لذا، يظل المسار الأول للأزمة هو الأكثر ترجيحًا، خاصة على المدى القصير، وقد يعقبه اتجاه الأطراف إلى التهدئة في مرحلة لاحقة بعد تحقيق عدد من الأهداف.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية