مقال تحليلي

هل تُمثّل الانتخابات المبكرة حلًّا لمعضلة تشكيل الحكومة العراقية؟

أثار إخفاق رئيس الوزراء المكلف “محمد توفيق علاوي” في إقناع البرلمان بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة بعد استقالة “عادل عبدالمهدي” كأحد المطالب الرئيسية للحراك، العديد من التساؤلات حول طبيعة الأسباب التي أدت إلى هذا الإخفاق المستمر ثلاث مرات أمام البرلمان في غضون أسبوع واحد منذ تكليفه من الرئيس العراقي “برهم صالح” في الأول من فبراير 2020 برغم أنه اختزل قائمة وزرائه الـ22 إلى 16 وزيرًا من أجل أن يحظى بموافقة الرافضين له، لكنه لم يتمكن هو والقوى الداعمة له من تحقيق النصاب القانوني المطلوب (165 عضوًا) للموافقة على أعضاء الحكومة الجدد، وما إذا كان الأمر يرتبط بعوامل ترتبط بنمط شخصية “علاوي”،…

د. مبارك أحمد
متخصص في النظم السياسية المقارنة

أثار إخفاق رئيس الوزراء المكلف “محمد توفيق علاوي” في إقناع البرلمان بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة بعد استقالة “عادل عبدالمهدي” كأحد المطالب الرئيسية للحراك، العديد من التساؤلات حول طبيعة الأسباب التي أدت إلى هذا الإخفاق المستمر ثلاث مرات أمام البرلمان في غضون أسبوع واحد منذ تكليفه من الرئيس العراقي “برهم صالح” في الأول من فبراير 2020 برغم أنه اختزل قائمة وزرائه الـ22 إلى 16 وزيرًا من أجل أن يحظى بموافقة الرافضين له، لكنه لم يتمكن هو والقوى الداعمة له من تحقيق النصاب القانوني المطلوب (165 عضوًا) للموافقة على أعضاء الحكومة الجدد، وما إذا كان الأمر يرتبط بعوامل ترتبط بنمط شخصية “علاوي”، أم إن ذلك يعود إلى عجز القوى السياسية وفشلها في تجاوز خلافاتها الطائفية؟ وهو ما جعل من أزمة تشكيل الحكومة مجالًا للتجاذبات واختبارًا للتوازنات بين الكتل السياسية داخل البرلمان في ظل استمرار الجدل حول ماهية الكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة. هذا الوضع جعل عددًا من المراقبين للشأن العراقي يرون أن الانتخابات المبكرة ربما تمثل الحل الأنسب لخروج العراق من أزمته المعقدة، وهو ما يطرح تساؤلًا رئيسيًّا حول مدى جاهزية القوى العراقية لإجرائها، وما إذا كان الانقسام حول تشكيل حكومة جديدة سيمتد إلى فكرة الانتخابات المبكرة ذاتها، في ظل حالة اللا يقين التي تهيمن على مفردات المشهد العراقي برمته.

انقسام داخلي

جاء اعتذار “محمد علاوي” عن تشكيل الحكومة العراقية في الأول من مارس 2020، ليكشف عن جوهر الصراع القائم في العراق بين قوى تسعى للحفاظ على الوضع الراهن في ظل المكتسبات التي حققتها، وقوى أخرى تسعى للتغيير لإنهاء حالة الجمود السياسي ومنع هيمنة الطائفية على مفردات المشهد العراقي. وقد كشف خطاب اعتذار “علاوي” الذي وجّهه إلى الرئيس “برهم صالح” عن جانب كبير من هذا الصراع، حيث اتهم جهات سياسية -لم يُسمِّها- بأنها ليست جادةً في الإصلاح والوفاء بوعودها للشعب، ووضعت العراقيل أمام ولادة حكومة مستقلة، واصفًا هذه الجهات “بأنها غرقت بالفساد، وتاجرت بالطائفية والعرقية، وستكون أول متضرر”.

تشكّلت الكتل الداعمة لتشكيل حكومة “محمد علاوي” خلال جلسة البرلمان الاستثنائية التي عُقدت لهذا الغرض من الكتل الشيعية النافذة (مثل: الفتح، والحكمة، والنصر، وسائرون)، وحاولت هذه الكتل تمرير أعضاء الحكومة المقترحة أو نصفها على الأقل، إلا أنها لم تتمكن من إقناع جبهة كبار الرافضين، وهم: التحالف الكردستاني بزعامة “مسعود بارزاني”، وتحالف القوى العراقية بزعامة “محمد الحلبوسي”، وائتلاف دولة القانون بزعامة “نور المالكي”. فيما انتهت دستوريًّا المهلة المحددة لتشكيل الحكومة في 2 مارس 2020. وبالتالي فإن إخفاق “علاوي” في تمرير حكومته برغم الدعم الذي حصل عليه من قبل زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” وجهات أخرى شيعية وسنية، وتهديد “الصدر” بمحاصرة البرلمان إن لم يوافق على حكومة “علاوي”؛ اعتبره البعض بمثابة نجاح للجبهة التي أصرت على رفضه من منطلقات مختلفة، أبرزها: أن حكومة “علاوي” المقترحة لم تضع ضمن برنامجها إجراء انتخابات مبكرة استجابة لمطالب الحراك العراقي، ولم يكن ضمن أولوياتها أيضًا كيفية مكافحة الفساد وتحسين الأوضاع الاقتصادية وفق إجراءات محددة في ظل تمسك القابضين على مراكز صنع القرار بتلابيب السلطة والنفوذ والثروة، وغياب رؤية لكيفية معالجة أوضاع النازحين بالمحافظات المحررة من تنظيم “داعش” الإرهابي الذي لا يزال يسعى عبر مقاتليه للعودة مجددًا للساحة العراقية، فضلًا عن وجود أعضاء مقترحين ضمن تشكيل حكومة “علاوي” أثبتوا فشلهم في مراحل سابقة، وهو الأمر الذي دفع جبهة المتظاهرين لمساندة الرافضين لحكومة “علاوي” من خلال محاصرة المظاهرات المناوئة لساحات المنطقة الخضراء من معظم المحافظات العراقية، مستندين في رفضهم إلى أن الجميع لا يريدون مغادرة المحاصصة التي تعد أحد مسببات أزمة العراق وأحد البواعث الرئيسية على حراك الشارع. 

دستوريًّا فإن نهاية المهلة الدستورية من دون إنجاز تشكيل الحكومة تعني فراغًا دستوريًّا برغم تكييف بعض أساتذة القانون الدستوري أن العراق لا يشهد فراغًا دستوريًّا في ظل وجود رئيس وبرلمان وحكومة تصريف أعمال؛ وإنما يواجه ما وصفوه “الخرق الدستوري، فضلًا عن أن المادة 76 من الدستور تمنح رئيس الجمهورية ترشيح من يراه مناسبًا، بصرف النظر عن الكتلة النيابية الأكثر عددًا؛ إلا أنه -وفقًا للمتابعين للشأن العراقي- يراعي اعتبارين رئيسيين، الأول: أن المنصب هو من حصة المكون الشيعي الذي يشهد صراعًا حادًّا داخليًّا يوصف بأنه انقسام المنقسم، وبالتالي فإنه لا يريد أن يكون طرفًا في هذا الصراع. والثاني: أنه يضع في الاعتبار تركيبة البرلمان المعقدة التي تمثل المكونات العرقية والمذهبية والمناطقية. وبالتالي، فإن أي مرشح لا يمكنه نيل الثقة من داخل البرلمان قبل أن يحظى بتوافق كتل البرلمان ذاتها، في وقت تشهد فيه هذه الكتل انقسامًا حادًّا بسبب تداعيات الوضع السياسي، ليستمر مشهد الانقسام داخل الكتل وبين الزعامات السياسية إن كانت شيعية منقسمة على نفسها كليًّا، أو سنية تشهد انقسامًا جزئيًّا، أو كردية بموقف موحد.

هذا الانقسام بين القوى السياسية وداخلها جعل رئيسة بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في العراق المبعوثة الخاصة للأمين العام “جينين هينيس بلاسخارت”، تحذر خلال طلب إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي في 5 مارس 2020 وبعد إخفاق “محمد علاوي” في تشكيل حكومته وإعلان رئيس حكومة تصريف الأعمال “عادل عبدالمهدي” انسحابه؛ من الدفع بالبلاد نحو المجهول بسبب الاضطرابات السياسية، واستمرار الشلل الحكومي، لافتةً إلى أن نافذة الفرصة الحرجة تضيق بسرعة، وأن كل ذلك يطيل أمد عدم اليقين ويشكل تحديات كبيرة، وبذلك تتراجع ثقة الجمهور في الدولة أكثر فأكثر. وحضت “بلاسخارت” على إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وهي الدعوة التي لم تكن الأولى بل سبقتها دعوات متكررة أبرزها دعوة المرجعية الدينية “آية الله السيستاني” بشأن إجراء انتخابات مبكرة، خلال خطبة الجمعة التي ألقاها ممثله في 20 ديسمبر 2019، وهي الدعوة التي لاقت جدلًا واسع النطاق في داخل العراق وفي محيطه الخارجي، بين مؤيد للطرح ورافض للفكرة. 

جدل الانتخابات المبكرة

في ظل تعقد المشهد العراقي، والإخفاق المتكرر في تشكيل حكومة جديدة؛ فإن ثمة اتجاهين رئيسيين بشأن الموقف من الانتخابات المبكرة:

الاتجاه الأول: يدعو إلى تغيير جذري في بنية النظام السياسي الذي تَشَكَّل في عراق ما بعد “صدام حسين”، بحيث تصبح الانتخابات المبكرة المحطة الأخيرة في مسيرة الإصلاحات التي بدأت بتغيير قانون الانتخابات، وتشكيل مفوضية جديدة للانتخابات، مرورًا بحل البرلمان، وإجراء انتخابات مبكرة على أسس وقواعد جديدة ترتكز على مبدأ المواطنة التي تم إرساؤها في المادة (14) من الدستور بأن “العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي”.

ويتشكل قوام هذا التيار من مكونات الحراك في الشارع العراقي، ويستند إلى مقولات رئيسية بأن التظاهرات العراقية، التي أدت إلى مقتل المئات وجرح الآلاف من أبناء العراق، لا يمكن أن يكون هدفها فقط تغييرًا محدودًا في رئاسة الوزارة أو تغيير الحقائب الوزارية؛ وإنما تغيير المنظومة ككل التي كانت أحد مسببات الصراع الطائفي في العراق، وأفرزت المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي لا يزال يعاني منها المجتمع العراقي، لا سيما وأن هذه المنظومة قامت بشكل أساسي على الفرز المذهبي والطائفي والمناطقي. وبالتالي، فإن إقرار المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وانتخاب سبعة من القضاة واثنين من المستشارين لمجلس المفوضية العليا للانتخابات، فضلًا عن إقرار قانون الانتخابات، وخفض سن الترشح من 30 إلى 25 عامًا؛ تعد مؤشرات إيجابية –وفق هذا الاتجاه- ستشجع على إجراء الانتخابات المبكرة التي ستفضي إلى تشكيل حكومة كفاءات وطنية تكون مهمتها الرئيسية إنقاذ البلاد من شبح الفوضى.

الاتجاه الثاني: يتبنى استمرارية الوضع الراهن مع إجراء تغييرات طفيفة، سواء باستقالة رئيس الوزراء فقط أو تغيير الوزارة ككل، دون المساس بجوهر النظام السياسي القائم منذ عام 2003، حتى وإن عاد “عادل عبدالمهدي” رئيس الوزراء المستقيل. ويرفض هذا التيار الدعوات المطالبة بحل البرلمان قبل إكمال مدته القانونية. ويساند هذا التيار وكلاء إيران من الساسة الذين استفادوا من نظام المحاصصة الطائفية. فعلى مدى الأعوام الماضية جرى بناء العملية السياسية على أساس محاصصة عرقية وطائفية بسبب قوانين الانتخابات ومفوضية الانتخابات التي تشكلت على أساسها، وبموجب مخرجات تلك القوانين وتأثيرها على التمثيل البرلماني، حيث جرى توزيع المقاعد والمناصب طبقًا للمحاصصة؛ فالرئاسات الثلاث جرى توزيعها وفقًا للمكونات المذهبية والقومية رغم أنه لا يوجد نص دستوري لذلك، فمنذ عام 2003 أصبح التقليد هو اختيارُ كرديٍّ رئيسًا للجمهورية، وشيعيٍّ رئيسًا للوزراء، وهو المنصب التنفيذي الأهم، وسني رئيسًا للبرلمان. أما الوزارات السيادية فيتم توزيعها على أساس هذه المكونات أيضًا. فإذا كانت وزارة الدفاع للسنة، فإن وزارة الداخلية تكون للشيعة أو بالعكس. والأمر نفسه ينطبق على ثلاث وزارات سيادية أخرى، هي: المالية، والنفط، والخارجية، فيما توزع الوزارات الأخرى حسب التوافق بين الكتل والمكونات، وهو ما ينعكس في النهاية على التشكيلة الحكومية برمتها، ويسهم في إطالة أمد تشكيلها حتى تحدث التوافقات المطلوبة.

مجمل القول إن معضلة تشكيل الحكومة العراقية ترتبط بمدى قدرة القوى السياسية والكتل البرلمانية النافذة على الاستجابة لمطالب قوى الحراك، التي بدورها يجب أن تدرك أن التغيير يحتاج إلى الحلول الوسط، ويستند إلى إجراءات بناء الثقة بين النخب العراقية، ولا يعرف المباريات الصفرية، حتى ينجح العراق في تجاوز محنته من خلال تفويت الفرصة على المتربصين بمقدراته، ويحول دون دفعه نحو الفوضى التي تتغذى عليها قوى إقليمية ودولية لا تزال تجد في العراق مسرحًا لتصفية حساباتها واختبارًا لهيمنة نفوذها.

د. مبارك أحمد
متخصص في النظم السياسية المقارنة