مقال تحليلي

تراجع الأصولية وتجارب الأصوليين: إشكاليات العلاقة وتحدياتها الجديدة

بدايةً يمكننا تعريف الأصولية بأنها “الفهم المغلق المتعصب للعقائد والأيديولوجيات، والإصرار على التأويل الأحادي لها، كعنف رمزي يؤدي للإرهاب عندما يتحول إلى عنف مادي ظاهر”. وتبدو الأصولية وخطاب الكراهية والتعصب أصلًا للتطرف والتطرف العنيف معًا الذي هو فرع لها، حيث يدفع الأول بالثاني أو يتأخر وليس شرطًا العكس. فقد كشف الإرهاب التربة الأصولية التي خرج منها. ولعل هذا هو الأصح، بمعنى أن التجربة مع الفكر والحكم المتطرف أكثر عوامل تعريته. بل نرى أنه رغم تصاعد الإرهاب خلال العقد المنصرم، مع حسن توظيف واستغلال جماعات التطرف والإرهاب لفرص ما بعد حراك الثورات العربية سنة 2011، وظهور ما يسمى “ربيع الإخوان والإسلام…

هاني نسيره
كاتب وأكاديمي مصري

بدايةً يمكننا تعريف الأصولية بأنها “الفهم المغلق المتعصب للعقائد والأيديولوجيات، والإصرار على التأويل الأحادي لها، كعنف رمزي يؤدي للإرهاب عندما يتحول إلى عنف مادي ظاهر”. وتبدو الأصولية وخطاب الكراهية والتعصب أصلًا للتطرف والتطرف العنيف معًا الذي هو فرع لها، حيث يدفع الأول بالثاني أو يتأخر وليس شرطًا العكس. فقد كشف الإرهاب التربة الأصولية التي خرج منها. ولعل هذا هو الأصح، بمعنى أن التجربة مع الفكر والحكم المتطرف أكثر عوامل تعريته.

بل نرى أنه رغم تصاعد الإرهاب خلال العقد المنصرم، مع حسن توظيف واستغلال جماعات التطرف والإرهاب لفرص ما بعد حراك الثورات العربية سنة 2011، وظهور ما يسمى “ربيع الإخوان والإسلام السياسي” الذي سقط في 30 يونيو سنة 2013، و”خلافة تنظيم الدولة داعش” الذي خسر معاقله وعاصمته بين عامي 2017 و2018؛ فإن هذا الصعود المدوّي لجماعات التطرف لم يؤدِّ -ضمن عوامل أخرى- لغير تراجع الظاهرة الأصولية. وكان تراجع الأصل حصاد تجربة وتجريب الفرع الناتج عنه. 

لماذا تتراجع الظاهرة الأصولية؟ 

تتراجع الظاهرة الأصولية عمومًا -سواء في السياق العام أو الخاص- بينما تحضر وتتقدم روح الدين والتدين الروحي الطبيعي بعيدًا عن الانغلاق والتعصب والعنف الكامن أو الظاهر فيها، وكذلك توجهات مختلفة حائرة ومترددة بين المقدس والنسبي، بعيدًا عن الانغلاق الأصولي أو مع التحرر الكبير أو الشامل منه. 

وقد دفعت أسباب مختلفة لهذا التراجع الأصولي، يأتي الفكري في مقدمتها، وسياقات ما بعد الحداثة، حيث تتساقط الأصنام الذهنية والشخصية والأوهام الفكرية المؤسسة لها، وينطرح الفرد الإلكتروني الناشط بحيرته وأسئلته وشكوكه، وكذلك -وهو السبب الملموس الظاهر- حصاد التجربة في الحكم الأصولي والمتطرف على الشعوب، بعد تجريبها مرات عديدة خلال العقود الماضية في سدة الحكم والسلطة، بدءًا من الثورة الإيرانية -أول محاولة لإقامة حكم إسلامي سياسي بعد سقوط الخلافة العثمانية- ثم تجربة حكم الإخوان، إلى تجربة حكم داعش، وهو ما كشف جحيم التجربة التي كانت وعدًا للقواعد والجماهير المتدينة، التي زهدتها وعرفت المسافة بين دعاوى الأصولية وشعاراتها وبين حقيقتها فيما بعد.

هكذا، ساعد الوعي المتصاعد عالميًّا، فرديًّا وجماعيًّا، بحقيقة التجربة الأصولية وتجريبها في محاضنها “الإسلاموية” على كشف الأصولية وتحرير الدين منها، فقد هرب ثلثا المقاتلين الأجانب الذين انضموا لداعش بعد قيام الخلافة بقليل. وزاد هذا الوعي عالميًّا من تراجع الأصولية، وإدراك وملامسة خطرها وخطورتها على السلم الإنساني والوطني، بل والنفسي الفردي، فضلًا عن فكرة الحداثة والتقدم والرفاه والسعادة نفسها في استدعاء حروب وثارات العصور القديمة والوسطى، وكذلك صرعات الفرد وأزمات الذات الفردية المغتربة عن محيطها، والعصور الوسطى الدينية، وإن كان عصر ما بعد الحداثة هو عصر تراجع الحتميات والأيدولوجيات المصمتة، فلا شك أنه يكون أوضح مع الأصولية الأيديولوجية الدوغمائية المنغلقة والمتعصبة، ولكنه تراجع بطيء يتراكم أثره حتى يتضح. 

المعلوماتية تتحدى الأصولية

رغم التوظيف والاستفادة الهائلة التي استفادتها الأصولية والتطرف والتطرف العنيف خصوصًا من الثورة المعلوماتية؛ إلا أن هذه الثورة المعلوماتية والإلكترونيات الفردية أعطت للهامش غير الديني وغير الأصولي وللسؤال المثير والحر والمولّد للحرج الديني فرصته للتنفس، مما تسبب كثيرًا في تراجع مكانة المقدس، الذي توالت الهجمات عليه من تنوير علماني شامل يشتبك مع أصوله وأسسه ونصوصه بشكل كامل أو جزئي، أو إلحادي أحيانًا أو مغاير، مما دفع المقدس للتخلي عن عليائه، ونزوله لحلبة الجدل، وتحوله من معيار ومرجعية دائمة إلى موضع للسؤال والتساؤل، وتطلب منه الإجابة ورفع الحرج الذي قد لا يستطيعه أو لا يقوى عليه ممثلوه التقليديون في بعض الأحيان.

إن كون الأصولية، بمعنى الفهم المغلق والمنغلق والمتعصب للاعتقاد، هي التربة الخصبة للتطرف والتطرف العنيف ولتوجهات الإرهاب عمومًا -ونرادف هنا بين الإرهاب والتطرف العنيف- فإن تراجعها يساعد على تراجعهم معها، وخاصة في مقولاته الأيديولوجية المؤسسة والعاملة التي تجند العامي وتحرك المنتمي وتحرج الخصوم!

لكن بعيدًا عن هذا البعد الفكري والإدراكي التحليلي، نرى أن ثمة أسبابًا مرتبطة بحالة تنظيمات الإرهاب أو الجهادية المعولمة ذاتها وبسياقاتها، تجعلنا نتوقع تراجعها أكثر، بل واحتضارها حتى الاختفاء في السنوات القليلة القادمة، نتناولها فيما يلي: 

1- متتابعة الغلو الأصولي وقتالات جماعاته

قد لا نذكر داعش أو القاعدة خلال سنوات قليلة قادمة، بعد أن خسرت معاقلها ورموزها وسالت تنظيراتها وأدبياتها، وتوجهت نحو التطهير والتصفية الذاتية منذ فترة، كما سقطت وعودها، ليس فقط بعد مقتل “البغدادي” أواخر العام الماضي، أو مقتل “أسامة بن لادن” في مايو سنة 2011، بل إن هذه الشبكات وتنظيراتها يمكن القول إنها تعرت. وجزء من تعريتها متعلق بها ذاتها، من صراعاتها النظرية والميدانية، وتشويهها لبعضها بعضًا. وقد كانت المعارك النظرية بين القاعدة وداعش -على سبيل المثال- من أكثر المعارك ضجيجًا وتأثيرًا وخنقًا لكليهما، والتي تجاوزت كل حدود الاتهامات، من التكفير إلى التخوين والعمالة. فقد وصفت داعش القاعدة بأنهم “أبناء الرافضة وصنائع إيران”، والتجرؤ على القادة واتهامهم بالجهل والكفر وما شابه ذلك من تهم. وكتبت شاعرة داعش “أحلام النصر” كتيبًا عن “أيمن الظواهري” زعيم القاعدة بعنوان “الظواهري الكرة العجوز”، خاطبته فيه بقولها: “يا أيها الكرة العجوز، يا أيها الظواهري”، وتتوالى نصائحها أو شتائمها فيه. وكتب له آخر “الظواهري الرجل الذي فقد ظله”. وفي الجانب الآخر، كتب منظّرو القاعدة متهمين داعش بالخروج والبغدادية، وأنهم “كلاب أهل النار”، وأنهم “فرقة مارقة عن الأمة”. واستمر الصراع النظري والعمل الذي لم يتردد في قتل أو نحر، وهكذا راح الكثيرون بأيدي هذه التنظيمات نفسها. 

لكن متتابعة الغلو -كما نسميها- اخترقت كلًّا منهما، وصار داخل داعش من هم أكثر غلوًّا، وصار بعضهم يكفر قادته وشرعييه الكبار، فيما عرف بتيار “الحازميين”، وطفا صراع “الحازميين” و”البنعليين”، واشتراط تكفير من لم يكفر الكافر، واستمر الصراع ونشرت المنشورات والكتيبات المؤكدة لهذا التوجه الذي تغلب منذ يونيو سنة 2017، ويبدو أنه سيطر على مقدرات داعش وأفكارها، وتولى لجنتها الشرعية ولجانها الوسيطة، وهو الاتجاه ذو الميل الخارجي التكفيري الذي نظن أنه سيزيد داعش انهيارًا وتشظيًا أكثر بعد مقتل قائدها “البغدادي” في نوفمبر الماضي. 

وليس هذا حال القاعدة وداعش فقط، ولكنه الحال الغالب داخل مختلف التنظيمات العنيفة والمتطرفة، التي أكلتها أو تأكلها الصراعات الداخلية والبينية والاتهامات المتبادلة، ولم تعد تلك الحالة تغري الأتباع بها، فضلًا عن الصراع الجيلي الذي صار حقيقة. ربما يعبر خلاف داعش والقاعدة والنصرة في البداية عن جزء منه، ولكن عرفناه مصريًّا وعربيًّا وإفريقيًّا في حالات أخرى شبيهة. يكفي مثلًا أن نشير لنشأة “بوكو حرام” من رحم حركة “إبراهيم الزكزاكي” في نيجيريا التي تحولت للتشيع بعد أن كانت إخوانية الاتجاه والمذهب، واستمرت الخلافات البينية داخل “بوكو حرام” نفسها، وانقلب خلف على سلف، وحدث هذا في طالبان بعد وفاة “الملا عمر”.

وكان من أقوى الاتهامات المسيئة للظواهري والقاعدة من قبل داعش بعد إعلان مقتل “الملا عمر” بعد سنوات، أن “الظواهري” كان كذابًا ويُعلن بيعته ويذكره، وأنه كان يعلم بموته ولكن يصور لأنصاره أنه في بيعة له، رغم أنه تأبّى على بيعة “البغدادي” -المقتول فيما بعد- ليس لشيء غير أنه حنق عليه.

2- صراع الأجيال داخل جماعات التطرف

لا نبالغ إذا قلنا إن مختلف الحركات الأصولية، المتطرفة والمتطرفة العنيفة، تعاني من هذا الصراع الجيلي المزايد والتكفيري والاتهامي، ولم تعد صورتها التي تروّجها عن نفسها صحيحة، خاصة مع صعود النقد المواجِه لها فكريًّا الذي كشف بدعية وغرائبية كثير مما تطرحه، ومخالفته لحقائق التاريخ أو معايير الصحة والصواب الشرعي، وإن كانت هذه الجهود، التي تشتبك نقديًّا تحديدًا، بحاجة للمزيد من الدعم والترويج، التي تتجاوز عالم الأخبار لعالم الأفكار، وتتجاوز الأفكار للفتاوى والمفاهيم الفكرية المركزية.

ومما زاد بالتأكيد من تراجع واحتضار والقرب من مشارف نهاية الإرهاب المعولم، أزمات تنظيماته وجهود مكافحته النشطة والشبكية في تبادل معلوماتي دقيق بين مختلف دول العالم، فضلًا عن الضربات العسكرية التي استمرت بالطائرات بدون طيار منذ عام 2008، ثم التحالف الدولي للحرب على داعش الذي انطلق في سوريا والعراق في أكتوبر سنة 2015، في استراتيجية ممتدة انقسمت قسمين؛ أولهما وأهمهما المطرقة الصلبة التي ركزت على القادة الميدانيين والعمليين، والكسح الواسع للعناصر والمناطق، والتي أدت في النهاية إلى خسارة هذه التنظيمات لقياداتها ورموزها الكبار، كما أدت إلى خسارتها معاقلها والمناطق الآمنة التي تسيطر عليها، ومن نجا لجأ إلى المخابئ والمغارات واختفى عن الأنظار والأنصار معًا.

3- حصاد الحكم الأصولي وتعرية التجربة:

منذ نجاح الثورة الإيرانية الإسلامية عام 1979 يتجسد شكل الحكم الإسلاموي بعد سقوط الخلافة، ورغم ما طرحته الخمينية من طموح تصدير ثورتها عالميًّا، إلا أن التجارب القُطرية والوطنية والمناطقية التي طُبّقت فيها تجارب الحكم الأصولي، من آسيا إلى إفريقيا، كانت تجارب مرة وفاشلة نفر منها المواطنون والمسلمون والعالم معها. 

وفي العقد الأخير، تعرّت تجارب الحكم الأصولي في نموذجين كبيرين مختلفين نسبيًّا، زهد معهما الناس في يوتوبيا الجحيم الأصولي ووعوده الفاشلة، التي صدمت كثيرًا ممن انخدعوا بها قبل رافضيها، وهما: السقوط السياسي لحكم جماعة الإخوان في مصر في 30 يونيو سنة 2013 بعد تجربة حكم دام عامًا ثقيلًا ترنّحت فيه الدولة والمواطنة والسلم الأهلي معًا. ثم السقوط المدوّي لـ”دولة داعش”، بعد تجربة حكم دامت أربعة أعوام في بعض المناطق في سوريا والعراق.

وفي الحالتين، انتهت التجربة بمرارة من ذاقوها وعايشوها، وكذلك بانكسار أيديولوجي ونفسي عنيف لدى بعض من شاركوا في قيامها، حين تعرت مرارتها في وجوههم، فهرب بعضهم عبر المخابئ والملاجئ وواجه القتل ليهرب مما ظنّه حلمًا.

لكنّ الأهمّ الذي يعنينا هنا أن تعرية التجربة وتجريبها زهّد المتدين فيها، وأعاد الكثيرين إلى نمط التدين الطبيعي والإنساني غير العنيف وغير التكارهي. ولعل هذا يُفسر الأسئلة عن البديل الصوفي والروحي والصحوة الصوفية وظواهر دينية غير مسيسة أخرى أكثر إنسانية وأقل محافظة تصعد في مختلف أنحاء العالم. إن معرفة وتجربة الشعوب بفشل وتخبط هذه التجارب، وتخبطها واحتمالاتها المخيفة والمرعبة، المهددة لهوياتها وتكويناتها الاجتماعية، بل وللمختلف معها أصوليًّا أو دينيًّا أو فكريًّا؛ أورثت زهدًا فيها وتراجعًا عنها وعن الإرهاب بالتالي. وهكذا، هزمت التجربة الوعد المتطرف وأسقطته في غياهب التيه والخوف، ولم يعد مقبولًا في الغالب أن يطرحها على الكثيرين أنصارها كونها الحل والبديل الوحيد ليقظة وسعادة هذه المجتمعات التي قاست قسوتها.

هاني نسيره
كاتب وأكاديمي مصري